الرئيسية » مقالات » المحاصصـة تسير ولا يهمهـا …

المحاصصـة تسير ولا يهمهـا …

شبه اليقضة , ابتدأت متأخرة , وعربات التحاصص والتوافقات قد تجاوزت محطات الريبة , وقطعت اشواطاً في طريق المجهول العراقي .

ما كان مجلس الحكم الموقت , برؤوسه الثلاثة ورئيسه الشهري قطاراً على سكة المستقبل العراقي كما اعتقد اغلبنا , لكننا وبعد ان خرجنا من تحت انقاض الأرهاب البعثي , كنا مشغولين في انتظار بارقة فرج تسمح لنا في البحث عن هويتنا , اهلنا هائمون بين مئآت المقابر الجماعية , يبحثون بين الهياكل العظمية عن هوية في جيب شهيد او حلقة كانت في اصبعه نقش عليها اسم زوجته , او لعبة بجانب اضلاع طفلة اشتراها الوالدين في عيد ميلادها , ثم يعودون بلا دليل ولا رفاة لشهيد ,عزائهم الوحيد , ان البعث قد سقط والمجرم صدام حسين قد اعدم والثأر قد اخذته لهم قوات التحرير .

في غمرة الخلافات والأنشطارات بين السياسيين والمثقفين والكتل على اشكالها , ” ان كان الذي حدث , تحريراً ام احتلالاً.. ؟؟ ” , فات الأوان عندما اكتملت صورة المشهد لتقاسيم اللعبة على الواقع العراقي .

التغيير فرخ نظاماً للتحاصص والتوافق على حجم الأسلاب , ترسخت ركائزه السياسية والأجتماعية والجغرافية والأقتصادية والثقافية , تحولات عاصفة ما كان بأستطاعة العقل العراقي المنهك استيعابها , تغييرات كاعلانات ( الكوكاكولا ) , مجلس حكم موقت ..مصالحة وطنية .. توافقات وطنية … حكومة شراكة وطنية .. مقاومات ومليشيات وصحوات وطنية .. قاعدة اسلامية ومواد دستورية لهويات فرعية , حتى اصبحت الوطنية حبل يلتف حول عنق القضية العراقية .

لعبة التحاصص والتوافق ومهما كانت غامضة معقدة فوضوية مرفوضة , لكنها استطاعت ان تتحصن داخل طبقة سياسية سميكة بثلاثة رؤوس , منتفعة منها وحامية لها .

العراق : لم يعد ذاك العراق الذي كان يوماً يحتضنه النهرين هوية وجغرافية وتاريخ وحضارة وكيان , لقد ابتلعته قروش المحاصصة التي ارتفعت قامتها من ذات البيئة التي كانت ارضية للبعث , فأصبح جغرافيات وهويات وسلطات طفيلية لمحافظات واقاليم , كل يمارس نموذجه الطائفي القومي العشائري للديمقراطية , وحتى المليشيات الدموية ومافيات الفساد وزمر الأرهاب فرضت نموذجها دماراً من داخل شرايين الدولة المفككة اصلاً , وقد تجاوز الأمر حدود المآساة , عندما تجرأت قوى الردة الرسمية على فرض قوانيين العفو العام عن مجرميها او حرية تهريبهم عبر مساومات غريبة , ليواصلوا ادوارهم في لعبة الموت العراقي اليومي .

نظام التحاصص والتوافقات , الذي اصبح الآن الهوية المحترقة للدولة العراقية التي تشكو اساساً فقر الكينونة الوطنية , بعد اغتصابها وتحاصصها طائفياً وعرقياً , تمزقت وتباعدت وتنازعت اجزائها وثبتت حدودها جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً ونفسياً ,على حساب حلم العراقيين في اكمال مشروعهم الوطني , وامل ان يستعيد العراق وحدة كيانه دولة ومجتمعاً ومستقبل اجيال .

قد يختلف البعض مع البعض , مع المركز ضد الأقليم او العكس , مع الوطني ضد العراقية والأتحاد , او العكس , متفرجاً او مشاركاً في لعبة الأزمات حول المتنازع عليها , وفي العراق كل شيء متنازع عليه , الجغرافية السلطات الثروات والبشر, بالوعة الأستقطابات , ابتلعت اسراباً محبطة مستسلمة من كتبة المقالات ( المثقفين !!! ) بعد ان جففت نقطة الحياء عن جبين المتبقي من سمعتها .

ما معنى : كمدعين للثقافة والسياسة والأنتماء الوطني , ان نصطف مع هذه الكتلة ضد الأخرى , او مع هذه القومية ضد تلك الطائفة , او ذيولاً تمسح الأوحال عن سمعة هذه الفخامة او تلك السعادة , ونختار بين السيء والأسوأ , والجميع مكلفون بأغراق السفينة الوطنية في ميتنقع التحاصص عبر التوافق من داخل حكومة الشراكة , حول مبدأ الفرهود الشامل .

لم يكن نظام التحاصص قد ولد صدفة , او خطأ ارتكبته الدوائر الأمريكية بحسن نية , كما لم تسقط امريكا في المستنقع العراقي بعهد احتلاله كما يتصور البعض , الذي يحدث في العراق , يحدث الآن في سوريا وقبلها في تونس ومصر واليمن وليبيا , انه الخريف الأسلامي المغزول من مادة اسلامية , والمصنع على قياس امة فقدت ماهيتها, ولم يبق منها الا اسمال لترقيع المشروع الشرق اوسطي, الذي تجهل ابجدياته الملايين من ابرياء المنطقة , فالأسلام السياسي يشكل الآن تغرة في جدار سلامة الأمة , يتسلل منها المستقبل المخيف لذلك المشروع , فالتيارات والحركات الأسلامية , تكمل الآن ذات الوظيفة التي ابتدأتها الحركات والأيديولوجيات القومية منذ بداية خمسينيات القرن الماضي .

كما اشرنا : ان نظام التحاصص في العراق , قد انتج طبقة سياسية يحتمي بها مثلما هي منتفعة منه, مندمجان مصيرياً بأرادات اقليمية دولية , ولا يمكن تفكيك وحدتهما الا بأرادة حركة جماهيرية شاملة , مسلحة بالوعي وحسن التنظيم نظيفة من اوحال قوى الردة , عبر التهيئة الوطنية الفاعلة لدخول الأنتخابات التشريعية القادمة , انها قضية المشروع الوطني العراقي في مواجهات مصيرية مع المشاريع الطائفية العرقية , حيث من العبث , انتظار تلك الطبقة التي ولدت شراكة وطنية من رحم نظام التحاصص والتوافقات , ان تلد مستقبلاً عراقياً , فتلك خرافة لا يريد ان يفهمها من يجهل او يتجاهل ابعاد الحالة العراقية الراهنة , فالمحاصصة وبعزم وصلافة الطبقة السياسية التي ولدت منها , تسير ساخرة ولا يهمها دموع اصوات وثقة الملايين .

11/ 10 / 2012