الرئيسية » مقالات » لمن هذه الترسانة؟

لمن هذه الترسانة؟













كفاح محمود كريم
بعد سقوط النظام الدكتاتوري في البلاد وانتهاء حقبة عسكرة الدولة والمجتمع، بدأت القوى الوطنية والديمقراطية ببناء نظام بديل يقوم على أساس ديمقراطي مدني ويعمل من اجل بناء مجتمع متحضر بعيدا عن ادلجته أو عسكرته كما كان يفعل النظام السابق، ولأجل ذلك تم وضع دستور لا يتيح لأي جهة أن تنفرد باتخاذ أي قرار له علاقة بمصالح البلاد العليا وخاصة فيما يتعلق بالحرب والسلم، الذي بقي حكرا بيد شخص واحد أو ما كان يسمى بـ ( مجلس قيادة الثورة ).

ولعل أهم ما واجه النظام الجديد هو الحملة الإرهابية الشديدة التي اشتركت فيها مختلف الجهات الداخلية والخارجية، والتي استدعت بناء تشكيلات ضخمة جدا من قوات الأمن والجيش ربما اكبر بكثير من حاجة البلاد في حالة الاستقرار، ولولا الفساد المستشري تحديدا في مفاصل تلك القوات وتشكيلاتها لكانت البلاد في أعلى مستويات الأمن والسلام، رغم أن الكثير منها تم بناءه بعيدا عن مواصفات المواطنة والحرفية في تأسيس جيوش دول مختلفة المكونات القومية والعرقية والدينية، حيث بدأت العديد من الكتل والمكونات تعترض أو تقلق فعلا من شكل الجيش وتكويناته وهيمنة فئة على مفاصله المهمة مما يفقده مصداقيته وتمثيله لكل مكونات الشعب العراقي.

ولأجل ذلك ينظر الكثير بريبة وقلق جدي إلى محاولات الإدارة الاتحادية في بغداد بعقد صفقات من الأسلحة لا يقع الكثير منها تحت تعريف الأسلحة الدفاعية، بل إن محاولة طرق أبواب أسواق التسلح في دول لا يهمها الا المال لإنقاذ اقتصادها المتهالك مثل روسيا وغيرها يعطي انطباعا بأن هناك فريقا في الإدارة الاتحادية ما يزال يؤمن ببناء ترسانات عسكرية شبيهة بتلك التي بناها الدكتاتور صدام حسين نهاية ومطلع سبعينات القرن الماضي والتي انتهت إلى أكوام من السكرابات المهشمة، وهياكل الطائرات المخبأة في الصحاري وعند الأخوة الأعداء، ومئات الألوف من القتلى والمعاقين، ومئات المليارات من الأموال التي أحرقت بينما تتقهقر البلاد منكفئة في خانة الدول الأكثر فشلا وفسادا وتخلفا في العالم.

وبينما تعقد الحكومة الاتحادية صفقات بعشرات المليارات لبناء ترسانة عسكرية، لأعداء مفترضين لا وجود لهم إلا في الداخل من المعارضين والمنافسين على دفة الحكم، يئن ما يقرب من ربع العراقيين تحت خط الفقر من العوز والفاقة، وتعاني الثلاثة أرباع الأخرى من حال مخزي في الخدمات بكل أشكالها ابتداءً من الكهرباء وانتهاءً بالصرف الصحي، ومرورا بالوضع المأساوي لخدمات الصحة والطفولة والتعليم والمدارس والجامعات.

لقد غادرنا حقبة الدكتاتورية بجبال من ركام الدبابات والطائرات وهياكل الصواريخ، ومئات آلاف المكسورين الهاربين من أتون حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وربما تجاوزت أعداد الضحايا من القتلى المليون من خيرة شباب العراق ومثلهم من الجرحى والمعاقين والمحطمين، وأضعافهم من النساء الثكالى والأرامل والأيتام، دون أن تنجح تلك الطغم الحاكمة بالحفاظ حتى على ما كانت عليه مساحة البلاد عشية تموز 1958م، فما استقطع منها غصبا أو في ظروف قريبة من الغصب يساوي مساحة دولة من دول الخليج أو غيرها، وانتهت البلاد إلى ما نشهده نحن جميعا اليوم، فلماذا يا ترى يحاول البعض إعادة اللعبة الخاسرة مرة أخرى ونتائجها ما تزال أمام الأعين والمسامع!؟