الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الثامنة

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الثامنة













جيورجي ديمتروف
1882-1949


القسم الثالث

الفصل الثاني

ــ حريق الرايخستاغ … إتهام ديمتروف ــ


في 27 شباط ( فبراير ) 1933 ، كان ديمتروف في طريقه من ميونخ الى برلين وقرأ قي صحف الصباح عن الحريق الذي شبً في مبنى الرايخستاغ . وإمتلأت الصحف بعناوين بارزة تزعم بأن الحريق قدارتكبه الحزب الشيوعي الالماني . لقد كان واضحا لديمتروف بأن النازيين هم الذين دبروا هذه المؤامرة عشية الإنتخابات البرلمانية التي كانت ستُجرى في 5 آذار ( مارس ) 1933، بغية الفوز بالأكثرية المستقلة في هذه الإنتخابات . وادرك النازيون انهم بدون ضرب القوى المعادية للفاشية وبدون سحق الحزب الشيوعي الذي يشكل الجزء الأهم في هذه القوى لن يستطيعوا بلوغ اهدافهم .

وفي الليلة التي اعقبت الحريق ، بدأت مطاردة بوليسية واسعة للشيوعيين والديمقراطيين في البلاد ، وتمً القبض على الآلاف من النشطاء الشيوعيين والديمقراطيين الإشتراكيين ودعاة السلم والمثقفين التقدميين والمحامين والصحفيين وغيرهم . وبعد يوم من ذلك وقًع الرئيس هندنبرغ مرسوم الدفاع عن الدولة والوطن الغى فيه الحريات الديمقراطية التي كفلها دستور فايمار . كما أُغلقت الصحف الشيوعية والإشتراكية الديمقراطية وبهذا تكون حكومة هتلر قد ضمنت اساسا شرعيا لنشاطها الإنتقامي من الشيوعيين وغيرهم من مناوئي السياسة والايديولوجية الفاشية . وفي الثالث من آذار ( مارس ) وقع ارنست تيلمان ، قائد الحزب الشيوعي الالماني في ايدي البوليس .

إستقبل جيورجي ديمتروف نبأ إعتقال تيلمان بقلق بالغ ، وإزداد قلقه على مصير الحزب الشيوعي الالماني الذي جُردً من قيادته . وبعد ان اصبحت ظروف العمل السري في برلين اكثر صعوبة ، إتخذ ديمتروف إجراءاته لإنهاء مهمته هناك والإنتقال الى بلد آخر .

في التاسع من آذار ( مارس ) 1933 ، أُلقي القبض على ديمتروف وبلاغوييف وفاسيل تانيف ، وهم مناضلون في الحزب الشيوعي البلغاري ، في مطعم بايرتهوف ، بعد ان وشى بهم نادل المطعم هلمر وهو عضو في الحزب النازي .

وأقتيد الشيوعيون الثلاثة الى بناية البرلمان الالماني حيث مقر اللجنة النازية المكلفة بالتحقيق في حرق الرايخستاغ . وعند إجابته عن الأسئلة الاولية التي طرحتها عليه لجنة التحقيق ، اعلن ديمتروف بأنه لاجيء بلغاري وقائد عمالي في الحزب الشيوعي البلغاري ، ورفض التوقيع على نسخة الإفادة المحررة وأظهر ارتيابه من إجراءات البوليس الالماني .

وبعد إعتقال المناضلين الثلاثة في الحزب الشيوعي البلغاري ، وارنست تورغلر رئيس المجموعة البرلمانية للحزب الشيوعي الالماني في الرايخستاغ وإعتقال شاب هولندي وُجد في المبنى المحترق واسمه ( مارينوس فان ديرلوب ) الذي إدعى انه شيوعي ، زعم النازيون انهم قضوا على مؤامرة كبيرة للشيوعية العالمية وهي في مهدها .

في البداية راود ديمتروف الشك في أن يُتهم بحرق الرايخستاغ ، لكن سياق التحقيق والأسئلة التي وُجهت له وشهود الزور وتزوير البوليس لخارطة برلين ، كانت كلها دليلا على ان التحقيق يسعى لفبركة إتهامه بحرق مبنى الرايخستاغ .

لقد قاوم جيورجي ديمتروف هذه المحاولة الدنيئة الرامية الى النيل من شرفه كشيوعي وثوري بتلفيق اكذوبة حرقه للرايخستاغ . وإستند ديمتروف على نظريته الماركسية اللينينية ومستفيدا من خبراته الغنية كمناضل كرس حياته في الدفاع عن مصالح البروليتاريا ، في دحضه لهذا الإفتراء بالخطة التي إعتمدها في الدفاع لم تهدف الى تبرئة ذمته بقدر ما كانت تهدف الى دحض الحجج النازية وتعرية السياسة والممارسات النازية ، والدفاع عن الحزب الشيوعي الالماني والكومنترن .

وفي 20 آذار ( مارس ) 1933 ، كتب جيرجي ديمتروف تصريحا وجهه الى سلطات البوليس ذكر فيه بأنه مناضل شيوعي في الحزب الشيوعي البلغاري والاممية الشيوعية وانه ليس من الممكن ان تكون له اية صلة مباشرة او غير مباشرة بهذا العمل المعادي للشيوعية . وفي هذه الوثيقة المشهورة قال : ” إن المجانين والاعداء اللدودين للشيوعية فقط بمقدورهم حرق الرايخستاغ “ . وقام بعد ذلك بوضع النقاط الرئيسية في دفاعه السياسي ، الذي تمسك به بصلابة حتى نهاية المحاكمة ، ثم ختم تصريحه لإثبات براءته ( بأنه كان في مكان آخر خارج برلين ليلة وقوع الجريمة ) .

في 28 آذار ( مارس )1933 ، أُكملت تحقيقات البوليس ونُقل الشيوعيون الثلاثة البلغار الى سجن موابيت ، وكانت ظروف سجنهم قاسية ، ومورست بحقهم اساليب تعذيب متطورة . وتمً تجريد ديمتروف من المال الذي بحوزته ولم يُسمح بإستلام الصحف ، كما لم تُسًلم له معظم رسائله بحجة ان لها صلة بموضوع التحقيق . ورُفضت طلباته التي قدًمها الى قاضي التحقيق لإعادة ماله وتزويده بالصحف وكتاب قواعد اللغة الالمانية . ولم تستطع هذه الظروف القاهرة النيل من معنويات الثوري العظيم . وبعد أن عبأ كل قواه المعنوية والمادية ، إستعد ديمتروف لنضال طويل وشاق ، وكان إيمانه بقضيته العادلة وإستعداده للتضحية بنفسه من اجل التقدم والمُثل الإشتراكية يمنحه القوة لتحمل عذابات السجن . فقد حوًل سجنه الإنفرادي الى غرفة مطالعة واصبحت الكتب التي حصل عليها من مكتبة السجن أصدقاؤه وفشلت محاولات عزله عن الحزب وآلاف المتعاطفين معه خارج اسوار السجن ،الذين اتصل بهم عن طريق أقرباءه واصدقاءه . وإبتدأ بالمراسلة مع امه في بلغاريا ومع هنري باريوس وفاسيل كولاروف في موسكو . وشنً ديمتروف حربا على محاولات إخضاعه وإذلاله وامطر سلطات السجن والقضاة بوابل من رسائل الإحتجاج مطالبا بتمتعه بالحقوق المحدودة المنصوص عليها في قانون العقوبات . وبصلابته وعزمه ، إستطاع ان يجبر الحاكم فوغت على إعادة قلمه ونظارته اليه ، بعد ان قضى لمدة شهر يقرأ ويكتب بدون نظارة مما سبب له آلاما في عينيه .

كان عذابه الأكبر القيود التي كُبل بها بعد الإستجواب الاول وشكلت هذه القيود ردة فعل فوغت على موقف سجينه الصلب . ولم يجد قاضي التحقيق وسيلة اخرى للنيل من معنويات ديمتروف سوى وضع القيود في معصميه ، رغم ان ذلك يتعارض مع نصوص القانون الالماني . و لشهور إضطر ديمتروف يكتب ويعمل ويداه مكبلتان بالقيود .

في السجن إنكب ديمتروف على دراسة القانون والتاريخ الالماني والمراحل المختلفة لتاريخ العالم وطبيعة الحروب ، وعمًق معارفه الفلسفية وحسًن لغته الالمانية . وفي الوقت نفسه كان يقرأ بشغف افضل مصنفات الأدب الالماني والعالمي ، فقرأ لغوتة وشكسبير وبايرن و والتر سكوت وآخرين إضافة الى مؤلفات سوفوكليس وهوميروس ، دانتي ، شلير ، سير فانش وآخرين . ففي الوقت الذي اشعل النازيون النار في كتب المفكرين العالميين ،بحث سجينهم عن الإلهام في الكتب نفسها ، موسعا معارفه ومستزيدا من هذا النبع الروحي الثمين . فقد كان يجد راحة كبيرة في قراءة قصائد غوتة التي تدعو الى الصلابة والشجاعة والافكار النبيلة .
وفي وحدته في السجن ، كان ديمتروف يجد السعادة عندما يسمع اخبار معارفه واصدقاءه ، وكان يجد فرحته في رسائل امه المفعمة بالتشجيع له . لقد فقدت هذه المرأة الشجاعة ولدين في مجرى النضال الثوري ، لكنها إحتفظت بإرادتها القوية وإيمانها الذي لايُقهر . وكتب ديمتروف من سجن موابيت قائلا : ” ازداد بهجة حين تصلني رسائل والدتي الحبيبة .. والحقيقة انها لاتزال شجاعة وجريئة ويملؤها الأمل وهذا يسعدني كثيرا ويمنحني سلوى كبيرة “ ( 1 )

لقد إتبع فوغت النموذج نفسه في إستجواب ديمتروف ، فكان يطالبه بمعلومات عن النشاطات السرية للحزب الشيوعي البلغاري وعلاقة ديمتروف بالكومنترن والحزب الشيوعي الالماني . وفي تلك الإستجوابات ، وقف العدوان اللدودان ــ الثوري جيورجي ديمتروف وقاضي التحقيق المعادي للشيوعية فوغت وجها لوجه حتى انتهاء التحقيق الاولي في الاول من حزيران ( يونيو ) 1933 .

فقد كان الهدف الرئيسي لمنظمي محكمة حرق الرايخستاغ هو العثور على الشهود لمواصلة الدعوى . وجوبه ديمتروف بعشرات من الشهود الذين لم يلتقٍ بهم في حياته ، وإستمر ذلك خلال الإستجوابات التمهيدية وحتى بدء المحاكمة . وطيلة ذلك الوقت لم تسنح الفرصة لديمتروف ان يرى فان ديرلوب أو ارنست تورغلر ورآهما للمرة الاولى عند بدء المحاكمة .

فقد كانت الاستجوابات الاولى للمحكمة بالضبط كإستجوابات البوليس . فقد كانت دعوى الحكومة النازية بقيام الشيوعيون بحرق الرايخستاغ مكيدة مدبرة . فكان الإجراء البوليسي والقضائي مهزلة سياسية غايتها إضفاء الشرعية على هذا التلفيق . وأثًرت اساليب الإبتزاز والإنتقام والديماغوجية السياسية المغامرة ، العناصر الرئيسية للسياسة النازية ، على اساليب الإستجواب .

كان كل شيء واضحا بالنسبة الى ديمتروف ، الذي كان مطلعا على الاوضاع الداخلية الحقيقية في المانيا، وهيأ نفسه لخوض نضال شجاع احسن التخطيط له . وفي 30 ايار( مايو ) 1933 ، كتب ديمتروف تصريحا وجًهه الى الإدعاء العام في المحكمة حدد وطوًر فيه الموقف الذي اتخذه في رسالته التي وجهها الى البوليس في 20 مارس الذي كان يتضمن تحليلا للوضع السياسي في المانيا مع كشف شامل لإهداف مختلف الاحزاب ، وتفنيدا للاتهامات الموجهة اليه .

كتب ديمتروف يقول : ” لستُ بحاجة الى القول بعدم وجود علاقة لي بأية خطة لتنظيم إنتفاضة في فبراير بقصد التغيير القسري للدستور الالماني . إن الجميع يعلم انه إستنادا الى مقررات الاممية الشيوعية والحزب الشيوعي الالماني ، فإن سياسة الشيوعيين ونشاطاتهم ترمي الى تعبئة الجماهير سياسيا ضد الفاشية وتشكيل جبهة موحدة للبروليتاريا الالمانية وشن نضال سياسي وإقتصادي جماهيري دفاعا عن الحقوق والمصالح الحيوية لكل الشغيلة ومن ثم كسب الطبقة العاملة لصف الشيوعية . لقد تمًت صياغة هذا الخط السياسي وهذا التوجه المحدد للسياسة الشيوعية في المانيا بقرارات ملزمة لجميع اعضاء الحزب الشيوعي وإستثنى اية افعال ارهابية اوخطط تحريضية مغامرة من جانب الشيوعيين “ ( 2)

وفي الثالث من آب ( اغسطس ) 1933 إستلم ديمتروف وثيقة الإتهام الموجه اليه وهي وثيقة من 235 صفحة مطبوعة . وبإهتمام بدأ ديمتروف بدراسة هذا المصنف الضخم للقضاء الالماني وسجًل في الهوامش العديد من الملاحظات النقدية . لقد سجًل في مفكرته : ” اية مكيدة غير معهودة هذه ! ”( 3 ) وبعد ان تفحص تلك الوثيقة ، ذكر ديمتروف بوضوح اسباب السرية التي أُحيطت بها ، إذ لم يكن هناك دليل موثق في صحيفة الإتهام يؤكد التهمة الموجهة اليه والشيوعيين الآخرين ، ولو نُشرت الوثيقة المذكورة لكان ذلك افضل الأدلة على براءة المتهمين .
فقدإرتكزت صحيفة الإتهام على الإفتراضات والتأويلات وعلى خطط تدعمها قرائن مشكوك في صحتها .وذكرت وثيقة الاتهام ان البلغار الثلاثة هم اعضاء في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري وإنهم اقاموا في الإتحاد السوفياتي لإمد طويل . وزعمت الوثيقة انهم ناس خطرين لهم نشاطات في المانيا لصالح الشيوعية وضد الدولة . كما زعمت ان جيورجي ديمتروف الشخصية البارزة بينهم ، لعب دورا خاصا في المانيا لصالح الحزب الشيوعي الالماني . لكن كل هذا لم يكن إثباتا لوجود علاقة بحرق الرايخستاغ .

لقد زعم الإدعاء بالإستناد الى إفادات عدد كبير من “ الشهود “بأن ديمتروف وبوبوف وتانيف شوهدوا في عدة مناسبات ضمن مجموعات مختلفة قرب الرايخستاغ، بصحبة فان ديرلوب وارنست تورغلر . وبما أن غياب جيورجي ديمتروف عن برلين في 26 و27 شباط ( فبراير ) قد أُقرً رسميا ، كان الإتهام يصرح بأنه شارك في جريمة الحرق من خلال نصحه وتشجيعه وتحريضه لشركائه في الجريمة .

وادرك جيورجي ديمتروف ان امامه نضالا شاقا . فبدأ يهيء نفسه للمحاكمة ليس لإثبات براءته فحسب ، بل اعدً نفسه كشيوعي ومناضل بروليتاري لابد له ان يستفيد من المنبر الذي توفره له المحكمة كي يدافع عن قضية الحزب الشيوعي وعن شرفه الثوري كمناضل .

وإكتسبت قضية دفاعه القانوني اهمية إستثنائية في مجرى الصراع المقبل . وبذل ديمتروف واصدقاءه المقربين قصارى جهودهم للفوز بمحامِ مناسب ، وكان هناك الكثير من المحامين البارزين من بلغاريا والمانيا وفرنسا وامريكا ومحامين تقدميين آخرين بينهم ستيفان ديشيف ، مورو جيانيري ، مارسيل تيلار وليوجالاغر على إستعداد للمرافعة امام المحكمة للدفاع عن ديمتروف . وكان إستعداد هولاء المحامون لمساعدة ضحايا الإرهاب ، مظهرا بارزا للتضامن الاممي . غير أن المحكمة النازية لم تقبل اي من المحامين الذين إختارهم ديمتروف وبمختلف الذرائع رفضت طلباتهم وعينت محاميا المانيا هو الدكتور تيشرت ليتولى الدفاع عن البلغار الثلاثة .
وابلغ ديمتروف المحامي تيشرت بآراءه حول علاقتهما قائلا : ” لكي نتجنب اي سوء فهم ، اود التأكيد بصراحة بأني لااستطيع أن اتحمل المسؤولية عن المقترحات التي تصدر عنك فيما يتعلق بمحاكمتي أو الأفعال التي ستقوم بها بوصفك المحامي المكلف بالدفاع عني ، إلا إذا اعطيك موافقتي التي تتماشى مع روح قناعاتي …لذا ارجو أن تأخذ هذا بعين الإعتبار . ” ( 4 ) . و كان واضحا لديمتروف انه لايمكن الركون الى شخص عينته المحكمة ليتولى الدفاع عنه . فإختط لنفسه نهج الدفاع السياسي المستقل وأجهد نفسه ليمثل امام المحكمة كمتهم وكذلك كمحامي الدفاع .

وإبتدأت محاكمة حرق الرايخستاغ بقضية فان دير لوب وشركاءه وأُحيلت الى المحكمة الجنائية الرابعة التابعة للمحكمة الامبريالية في لايبزغ ، وتمً تحديد يوم 21 ايلول ( سبتمبر ) 1933 موعدا لبدء المحاكمة . وبذلت الدعاية الفاشية جهودها لحمل الرأي العام العالمي على الإعتقاد بأن المحاكم الالمانية غير منحازة غير أن الطبقة العاملة والقوى الديمقرطية في العالم لم تنخدع بذلك سيما وانها كانت شاهدا على إرهاب النازيين وتلفيقاتهم المعادية للسامية وحرقهم الكتب التقدمية . وإجتاحت العالم موجة سخط كان الشيوعيون في مقدمة النضال ، فأقاموا بتأسيس وتنظيم حركة التضامن العالمية المعادية للفاشية .وإشتركت كل فئات الطبقة العاملة وبصرف النظر عن إنتماءاتها السياسية في النضال المعادي للفاشية سوية مع ممثلي البرجوازية الصغيرة والمثقفين . وتمً إغراق المبعوثيات الالمانية بسيل من رسائل وبرقيات الإحتجاج على المحاكمة الملفقة ، كما تمً تنظيم المظاهرات الإحتجاجية دفاعا عن المتهمين الشيوعيين الأبرياء .

بعد حرق الرايخستاغ تشكلت لجنة دولية لمساعدة ضحايا الفاشية الالمانية وشرعت بجمع الأدلة الموثقة بشأن الحريق والإرهاب النازي ، ونشرت اللجنة الكتاب البني الذي يتضمن معلومات تكشف حقيقة حريق الرايخستاغ والإرهاب الهتلري , كما تشكلت لجنة تحقيق دولية من مشاهير القضاة للتحقيق في الظروف المحيطة بالحريق .

وبدأت اللجنة اعمالها قبل اسبوع واحد من بدء المحاكمة وإشتهرت جلساتها على نطاق واسع بإسم المحاكمة اللندنية المضادة . وقامت اللجنة التي يترأسها المحامي الانكليزي البارز ف. بريت بالنظر في إفادة قرابة ثلاثين شاهدا وخبيرا والبيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة النازية وكذا الأدلة التي جمعتها واعلنت إستنتاجاتها في 20 ايلول ( سبتمبر ) 1933 . لقد طالبت اللجنة ببراءة المتهمين ، وفي الوقت ذاته اعربت عن شكوكها بأن الرايخستاغ أُحرق بناءا على تعليمات صدرت عن شخصيات قيادية في الحزب الإشتراكي القومي ، وأكًدت اللجنة على “ أن اية مؤسسة قضائية مخولة بشأن المسألة ، عليها ان تحسن التحقيق في هذه الشكوك “

وفي لايبزغ لم يستطع المدعي العام والحكًام ومستشاروالدفاع تجاهل القرارات النهائية للمحاكمة المضادة ، التي نجحت بإيقاظ وتحريك قطاع واسع من الرأي العام العالمي ودحض التهمة . كما مارست المحاكمة المضادة تأثيرا كبيرا على الشيوعيين والمعادين للفاشست في المانيا والعالم وساهمت في توسيع حملة التضامن مع ضحايا محاكمة حرق الرايخستاغ .

هذه هي بإختصار الظروف والملابسات التي سبقت البدء بالمحاكمة الشاذة للشيوعية في لايبزغ والتي تُعتبر اكبر محاكمة سياسية في التاريخ المعاصر .