الرئيسية » الآداب » مهلا …قصة

مهلا …قصة

مهلا… انتظر قليلا لم العجلة، فالأمر لا يستوجب كل هذا العُجالة، اعلم ان المسألة مهمة لك، لكن أرجوك بني لا تدعها تكون على حسابي، فقط دعني أسير على سجيتي لا تجرني وإلا سأعود أدراجي واتركك في الساحة وحيدا.
سرعان ما انتبه عقيل الى نفسه فالجم خيل أرجله التي خطت بخطوات طويلة… فقال:
عقيل: عذرا يا جدي لم أقصد ذلك مطلقا، إلا أن الأمر مهم جدا، وأحببت ان تشاركني إياه كما أخبرتك عن حيثيات القضية بالأمس ام تراك نسيت كعادتك…
الجد: قضية اية قضية؟! هل نحن ذاهبا الى المحكمة ؟؟
عقيل: لا.. لا أبدا .. ابدا إنما قصدت أهميتها… أرجوك جدي كل ما عليك أن تفعله هو أن ترفع يدك حال مناداتهم اسمي.
الجد: وماذا يعني ذلك؟
عقيل: أوه يا جدي… لقد شرحت لك وفصلت الموضوع مئات المرات، ألم يرسخ في ذهنك بعد..
الجد: بلى يا ولد… كن مؤدبا كل ما احتاجه انعاش لذاكرتي ليس إلا..
عقيل: اعتذر مرة أخرى جدي لم اقصد… ارجوك اقبل اعتذاري، لكن صدقني .. وقطع ما أراد قوله… فعلق على كلام جده.. لا تحاسبني عن الجمل والكلمات التي انطقها في حالتي هذه… اني أراك تفعلها كعادتك، اني أعيش متاهة الخروج من هذه المعضلة التي تعددت خيوطها فشاك امرها علي.
الجد: لا أدري يا بني لقد قلت لك ذات مرة على ما أظن، أن الانسان قدره محكوم بلسانه في الكثير من الاحيان قبل افعاله، أليس صحيحا؟؟
عقيل: أجل قلت ذلك وكلامك صحيح… فقط مد بالخطى يا جدي لقد شارف وقت الحفل على الاقتراب وانت تمشي الهوينة الهوينه.. علما أني عرضت عليك ركوب سيارة الأجرة لكنك رفضت خوفا من الحوادث.
الجد: عقيل … إنك تعرف طباعي جيدا، فمنذ نعومة أظفارك وبعد وفاة والداك يرحمهما الله، آثرت ان تكون معي تحت كنفي لتربيتك ورعايتك بأفضل طريقة عرفتها تتناسب وجيلك، كما لا تنسى أني حرمت نفسي من أشياء كثيرة خوف تأثيرها عليك لأنك عائلتي الوحيدة المتبقية لي، اما السيارة وركوبها فأنت تعلم تماما أن بيني وبينها ثأر خاصة بعد ذلك الحادث المشؤوم الذي أخذ والديك، لا أدري لقد أصبحت أتشاءم من أي سيارة، وأكره السرعة في أي شيء في الحياة، فكما تراها تتخطف أمامك كالذباب المتطاير دون مبالاة بالآخرين، فواحدهم ما أن يمسك المقود حتى يظن نفسه الأفضل في عالم القيادة، ثم وعلى حين غرة أو سهو ينتهي كل شيء… حياته…أو حياة الآخرين، يا بني إن وقتكم الجنون فيه سرعة الحصول على الشيء بسهولة، والسرعة فيه اقتناص الفرص، أما الانتهازية في جيلكم فهي فن، رغم انها كلها تؤدي الى كوارث لا يحسها الواحد منكم إلا حين يضع يديه على رأسه المدلدل دون ركائز عقلية تمسك به…
كما أنك تعلم أني حتى في قراراتي المصيرية لا أتخذها إلا بعد تفكير طويل وروية هكذا دأبي فلا تستعجلني في السير أسمعت…
عقيل: أرجوك جدي هذا ليس وقت نصائح، كما أتي سمعتها منك مرارا وتكرارا فلا تثر زوبعة بيني وبينك فكل ما أريده منك هو ان تجلس وترفع يدك حين ينادون باسمي…
الجد: كما تشاء يا بني فقط دعي استرح قليلا لدقائق بل ثواني لالتقاط أنفاسي، واصدقك القول لم اتصور ان المسافة بكل هذا البعد مع العلم اني كنت أسير عشرات أضعافها…
عقيل: مبتسما بعد أن رأف بحال جده مدركا الضغط الواقع عليه، حسنا جدي الحبيب لك ما تريد ثم أخذ بيده وأجلسه على أحد ركائز التي توفرت لحظتها …
الجد: بني عقيل بالمناسبة… ماذا أفعل بعد أن أرفع يدي؟
عقيل: لا شيء أنزلها هذا كل ما في الأمر .
الجد: وأنت أين ستكون؟؟
عقيل: في الجوار يا جدي … في الجوار.
الجد: ماذا تفعل بالجوار ولم لا تكون بجانبي، فأنت تعلم جيدا أني لا أحبذ الجلوس بين أناس لا أعرفهم.
عقيل: جدي ارجوك… ارتجل حاول ان تختلط، فقط أمهلني نصف ساعة بل عشرون دقيقة ثم بعدها نعود الى المنزل، أعدك انها ستكون المرة الأخيرة التي أضعك في مثل هكذا موقف.
الجد: لا أدري!!؟؟ يبدو أني سمعت هذا منك كثيرا .. ربما…. لا أتذكر..
عقيل: بعد تذمره دون أن يُشعر جده ….هيا يا جدي لقد استرحت بما فيه الكفاية..
الجد: أجل هيا بنا…
كان المكان مكتظ بالناس ومن مختلف الاعمار لحظة وصولهم…
الجد: عقيل ما هذا الحشد الكبير من الناس؟ لم أرى مثله منذ زمن بعيد، هل هي الانتخابات!؟ أم أن مسئولا كبيرا ومرشحا سيخطب فيهم؟ فهذه هي عادتنا لا نجتمع إلا ساعة تصفيق لمرشح او مسئول كبير، أو ساعة تظاهرات ضد نفس المرشح أو المسئول الذي صفقنا له .ها..ها..ها
عقيل: جدي اتوسل إليك هذا ليس وقت سياسة… إن هؤلاء الناس حضروا الى هذا الحفل كبير الذي تقيمه الجامعة لطلبتها المتميزين الذين حازوا على جائزة الابداع في مجال تخصصهم…
الجد: وما الداعي لكل هذه الجلبة!!
عقيل: سترى يا جدي سترى..
الجد: عقيل بني… انتظر للحظة حتى ألتقط أنفاسي اني أحس بالإعياء.. أظن انه سيغمى علي ادركني يا ولدي…
عقيل: جدي!! جدي.. أفق بالله عليك ليس الآن لا تفعلها وتتركني وحيدا…
كان ذلك ملفتاً للانتباه، فالعديد من المتجمهرين احاطوا بعقيل وجده الذي رمى بنفسه في حضنه.. اخذ يمسح العرق عن وجه جده وجبهته والذي لم يحرك ساكنا، جن جنون عقيل فعمد الى هزه بقوة، خرجت آه بالكاد منه.. فصرخ عقيل الحمد لله انه حي ارجوكم هل بإمكان أحدكم الاتصال بالإسعاف ذاك يكون معروفا جميلا…
دخل الجميع الى الحفل، ودخل عقيل وجده سيارة الاسعاف التي انطلقت صافرتها معلنة بداية رحلة الانقاذ السريع، سرعة جنونية كان السائق يقود محاولا الوصول في أقصر وقت لإنقاذ حياة هذا الرجل الذي شاهد ولده ينحب عليه، بات عقيل يلوم نفسه لقد أجهدت جدي بعد ان اجبرته على السير بسرعة ولمسافة طويلة.. ثم وجه الحديث الى جده سائلا إياه… أليس كان الاجدى ان نركب سيارة أجرة لتوصلنا بأقل وقت ممكن؟ أيعجبك الوضع الآن؟ كل شيء سار كما أردته، ها هو انت مسجى هنا وركبت السيارة رغم عدم رغبتك بها، وأنا الحفل فاتني … الحفل الذي اردتك ان تحضره لترى ولدك وهو ينال افضل جائزة لتفوقه وتميزه على الآخرين، إن جهودك لم تضع سدا يا جدي الحبيب ارجوك عش لأجلي اتوسل إليك.. شعر عقيل بيد جده تتحرك لتمسك يده، رأى دمعة تسقط من عينيه.. مسحها، قبل جبينه وهو يقول سامحني جدي لقد كنت السبب …
الجد: همس بصوت ضعيف قل لهذا المجنون ان يقود بروية وإلا متنا جميعا…
عقيل: ضحك بقهقة عالية صائحا مرحا بك جدي لقد عدت للحياة .. شكرا لله .. شكرا لله.

بقلم/ عبد الجبار الحمدي