الرئيسية » التاريخ » أهمية ما كتبه الرحالة الاوربيون في مذكراتهم في تدوين تاريخ الكرد وكردستان -10-

أهمية ما كتبه الرحالة الاوربيون في مذكراتهم في تدوين تاريخ الكرد وكردستان -10-

كلية اللغات/ قسم اللغة الكردية
القسم العاشر
في مدينة(وان)كانت التجارة ليست على درجة كبيرة من الازدهار وان البضائع الأوربية نادرة بسبب فقر الناس الذي يمنعهم من التقرب إلى تلك البضائع وشرائها واستعمالها وعلى الرغم من ذلك فإن في المدينة(خمسمائة جومة)تعمل في غزل وحياكة الأقمشة القطنية الخشنة من القطن المستورد من بلاد إيران إن قسما من هذه الأقمشة يستهلك في المناطق المجاورة والقسم الآخر يرسل إلى (بتليس)ليصبح باللون الأحمر والذي يعود قسم منه إلى(وان) ليستعمل من قبل مواطني المنطقة. فضلا عن إن مصانع دمشق وحلب عادة تنتج أقمشة لاستعمال الناس من مختلف الطبقات. وان الأشياء التي لا يمكن الحصول عليها في (وان) يرسل في طلبها من ارضروم أو فارس(إيران).

وإن الشال المستورد من(كرمان)يستعمل في مدينة(وان)بكثرة وان الريف المجاور لمدينة(وان)ينتج أنواعا مختلفة من التوت الأحمر والأصفر. كما وتجلب إلى هنا من(مدينة وان)كميات من كبريتوز والزرنيخ الأصفر المستخرج من جبال (هكاري) للبيع ولا توجد هنا أية مواد للتصدير عدا الفاكهة الطرية منها والمجففة(زبيب ،التين، المشمش)وجميع أنواع الحبوب والفاكهة والنبيذ تنتج في مدينة(وان)بكميات كبيرة وأسعارها رخيصة كما وتنتج بذور الكتان بشكل وفير،إذ يستخرج منها الزيت المستعمل في الإضاءة))(1).وفي قرية(اله كوي)التابعة لقضاء(هكاري)الارمنية والكردية كانت فيها مزارع الكروم وبمساحات شاسعة والتي تنتج كميات كبيرة جدا من الأعناب ويقوم أهالي القرية بتعصيرها وصناعة النبيذ منها،وارسالها إلى مدينة(وان)(2) للبيع وشراء بضائع أخرى التي يحتاجها أهالي القرية في حياتهم اليومية وقسم من الأعناب يصنعون منها الدبس (دوشاب). وفي بلدة(شيفلي) التي كانت تسكنها قرابة(150)عائلة يمتلك أهاليها نحو (1000)ألف رأس من الأبقار والثيران والجاموس والأغنام والماعز فكان أصحاب هذه الحيوانات يصنعون من حليب حيواناتهم أنواع الألبان والاجبان والقشطة ومنتوجاتها فضلاً عن جمعهم شعر الماعز الذي كان يصنع منها الخيم والحبال وأكياس لحفظ المواد الغذائية وأصواف الأغنام حيث كانوا يصنعون منها الباد التي يكثر استعمالها بين القرويين في كردستان وكذلك يتم غزلها وصناعة الملابس منها وقسم آخر يجمعونها ويرسلونها إلى تجار مدينة(دياربكر وبألو) لبيعها هناك وفي كثير من الأحيان كان تجار مدينة(دياربكر وبألو)يقصدون قرى المنطقة لشراء المنتجات المحلية. أما الطبقة الكادحة المسحوقة من الفلاحين فكانوا يذهبون إلى الجبال المجاورة لمدينتهم لجمع(المن)المتساقط على أشجار البلوط الذي يزرع (طبيعياً دون تدخل الانسان فيه)بكثرة في سلسلة جبلية التي كانت تحمل بالغابات من أشجار البلوط وقسم من هذه الأشجار كانت تحمل العفص الجوزي الكردستاني الذائع الصيت والذي يدخل في صناعة دباغة جلود والأدوية.و(المن) وهو إفراز سكري لا يحتوي على أي وصفات طبية أو أي مذاق خاص ويجمع عن طريق تعليق الأغصان التي عليها الأوراق إلى إن يجف تماما ثم تهز فيتساقط منها(المن)الذي يصفى عن طريق الغلي وإزالة بقايا الأوراق والشوائب أو أية مواد عالقة زائدة أخرى منها عنها إن(المن)يستعمل في(موش)في صناعة المربيات بدلا من السكر إن هذا المنتوج من المنتجات غير المستقرة وقد تتعاقب عدة سنوات دون الحصول على كميات كافية منه تكون جديرة بالجهد المبذول في جمعها(3)، وكذلك يقوم أهالي بلدة(شيفلي) والقرى في المنطقة بجمع الاصماغ من الأشجار المتوفر في الجبال إضافة إلى قيامهم بتجفيف فواكه(التين، والكروم، والتوت،والأعناب،والمشمش) ويرسلونها إلى مدينة(دياربكر) ومدن أخرى لبيعها وشراء ما يحتاجون إليه من البضائع والسلع المتوفرة في أسواق تلك المدن(4).
وفي مدينة(بألو)التي تسكنها(1000) ألف عائلة عام 1838م أثناء زيارة الرحالة جيمس برانت لها إن أهاليها كانوا مزيجا من الأرمن والكرد المسلمين وان العوائل الارمنية كانت تعمل في الصناعة أو التجارة العامة وتعمل في مدينة(بألو) (200 جومة)في إنتاج الأقطان المحلية كما إن هناك مصبغة ومدبغ للجلود(5).
وفي بلدة(عينتاب)التي تقع بين بيرة ونصيبين كان القرويون يقومون بتجفيف الأعناب(الكروم)ويصنعون منه الزبيب ويقومون بغلي الأعناب ليصنعوا منه عسل الدبس(الدوشاب) وهم يصنعون نوعين من الدبس احدهما ثخين والثاني خفيف والنوع الثخين أفضل من النوع الخفيف وهم يخزنونه في(براميل) يبعثون بها إلى الأقطار الأوربية.أما النوع الخفيف فان الأهالي يمزجونه ويقدمونه بدلا من الجلاب ـ أي نوع من المرطبات المبردة التي تستعمل للشرب أيام الصيف الحار ويسميه العرب باسم البراد، وكذلك فأنهم يضعونه أحيانا في أقداح صغيرة يغمسون فيه خبزهم ويأكلونه مثلما يفعلون ذلك بالنسبة إلى(الدبس)(6).وفي مدينة(دياربكر) وجد الرحالة اسحق سكماني في رحلته إلى دياربكر كما يقول:((وهناك رأينا ما يدعونها(إصلاخانة)ولعلها تحريف لعبارة(ا صلاح خانه) وفيها يصنعون ويتعلمون الأمور الصناعية وتدار من قبل الحكومة. ورأينا أيضا ما يسمونها(دبغ خانه ـ معمل دباغة الجلود) لصناعة الجلود.وهذه المؤسسات الصناعية كلها أنشئت في عهد صاحب الدولة إسماعيل باشا والى ولاية دياربكر الجالس حاليا.(أي أثناء زيارة الرحالة سكماني إليها)(7).
وعن البطيخ يقول الرحالة اسحق سكماني الذي زار مدينة دياربكر عن هذا النوع من البطيخ قائلاَ:((وفيها أنواع من الفاكهة وخاصة البطيخ الذي يزرعونه على ضفاف دجلة وهو صنف عالي الجودة لا مثيل له في العالم أبدا))(8).
أما صناعة الثلج في مدينة دياربكر فيقول الرحالة اسحق سكماني:((وفي فصل الشتاء يقع برد شديد قارس جدا وبعض السنين تتجمد مياه نهر دجلة كلها والأهالي يخزنون الثلج تحت الأرض مغطاة بالتبن،ويظل حتى فصل الصيف فيخرجونه ويبيعونه والناس تخلطه مع الماء لشرب،من شدة الحرارة،فالصيف عندهم حار جدا لذا فهم يقومون بعملية خزن الجليد سنويا))(9)
أما الرحالة جون اشر فانه يصف النشاط التجاري في مدينة زاخو الصغيرة الواقعة على نهر الخابور قائلا:((كانت أسواقها ضيقة وأزقتها المتعرجة يذكر إن معظم ما كان يباع في الأسواق من بضائع وسلع أجنبية كانت من أقمشة مانجستر القطنية وان سكان البلدة خليط من الكرد والكلدان والأرمن وان الأرمن هم أصحاب الدكاكين في الغالب))(10). وكذلك كان الأرمن الساكنين في مدينة دياربكر((يؤلفون القسم الأكبر من العاملين في صناعة أواني النحاس التي تشتهر بها دياربكر))(11) أما المواد المتوفرة في أسواق مدينة دياربكر فكانت كثيرة وان الرحالة ميجور سون يذكر أسماء بعض السلع الفواكه المجففة التي اشتراها من أسواق مدينة دياربكر قائلا:((انهينا مشترياتنا أنها على ما أتذكر على الوجه التالي:ـ كيس من الفحم المصنوع من الخشب لكل واحد منا وكيس من الخبز أيضا 10باونات رز باون واحد من الشاي ثلاث كلات من السكر ست ملاعق مصنوعة من قصدير سبعة باونات من الزبدة المنقاة وكميات من العدس والبازلاء وثلاثة خيوط طوال من الباميا المجففة وقليل من الخضروات وفلفل وملح وبعض الفواكه المجففة))(12).وكانت في أسواق دياربكر أيضا تشمل على نوعين من السكر.السكر الانكليزي حسن الجودة والسكر الاسترالي الرديء.وفي مدينة(اورفة)يحضر منادو المدينة كل صباح يبيعون كل شيء يخطر على البال من حفنة أطلاقات إلى عدد من الجياد.ويضيف ميجور سون قائلا:((وفي اورفة جددت معرفتي بالدخينة الكردية وهي على ما اتخيل لي من طراز خاص.لقد اتبعت هذا النمط بنتيجة الحاجة من دون شك، ذلك إن التبغ الذي يستنبت(يزرع) في كردستان لا يمكن لفة ليصبح (سكارة) اعتيادية.وبدلا من ضغطه وإبقائه مبتلا ثم تقطيع ورقه أخيرا يعمد الأكراد إلى تجفيفه وسحقه حتى يغدو مسحوقا خشنا وبذلك يكون بالنسبة للمدخن غير العارف به والراغب فيه، والمزود بورق السكائر اللف عقبة كؤودا.وعلى ذلك اخترع نوع من الورق،تقوم على صناعتها وتهيئتها مئات من النسوة وفي دياربكر والموصل.إن هذا الورق أثخن من ورق السكارة المعتادة وهو في الأقل أطول بمرتين،وفي العلب التي يباع فيها ملتصق ويشبه الأنابيب تؤخذ قطعة طويلة من ورق سميك عرضها انج واحد، وتلف بشكل حشوة تدخل في النهاية الضيقة وهي معينها الطبيعي الذي يجعلها ثابتة في مكانها.. ثم يصب التبغ فيها من أعلى وبعد ملئه وهز يتم لف نهايات الورق إلى الداخل للحفاظ على محتوياتها(13).
وفي مدينة(موش)التي كانت مشهورة بمحصول الحنطة والغلاة والتبوغ وإعداد كبيرة من الخيول والأغنام والأبقار ويسافر إليها التجار لشراء الأغنام لتصديرها إلى سوريا لتباع هناك بالإضافة إلى تصديرها إلى القسطنطينية كما ويجلب العفص الكردستاني والصمغ للبيع فيها وتباع في أسواقها الأقمشة القطنية من النوع الخشن المصنوع للاستعمال في كافة أرجاء القطر كما وتجلب إلى أسواق(موش)الأقمشة الحلبية(حلب)التي تصنع في مدينة(حلب)التي يقبل السكان على اقتنائها كما رأيت بعض المنتجات المصنوعة في أوربا وان كانت كمياتها محدودة للغاية لأن الناس عموما هنا في(موش)من ذوي الدخول الواطئة جدا ولذلك يميلون إلى شراء المنتوجات المصنوعة محليا في الغالب(14).
وفي بلدة خينيس والتي تعرف(خينس قلعه سى)وهي تابعة إداريا لـ(باشوية) (موش) يوجد فيها(بازار)سوق يحتوي على(30) دكانا صغيرا لا يرى فيها شيء عدا المناديل المصنوعة في(حلب)….والتي تستعمل كأغطية للرأس من قبل السكان، وإلى جانب هذا تشاهد فيها الأحذية والجزم المصنوعة في ارضروم الأقمشة القطنية المصنوعة محليا والتبوغ وغلايين التدخين وبعض الضروريات الشائعة من الفواكه والخضروات.إن العوائد الاعتيادية والقانونية للسيد الـ(بيك)هي عشر مردود الإنتاج الزراعي للمنطقة والتي تدر نحو(150)ألف ليرة سنويا(15). ويقومون هؤلاء في بلدة(بيران) سوق صغير يقصدها اثنين من تجار اليهود من أهالي مدينة(حلب)ويقومون هؤلاء التجار بعملية التبادل التجاري (المقايضة)لجهة تاجر من دينهم(اليهودي) في المدينة لبيع المصنوعات التي يجلبونها من مدينة(حلب)وفي بلدة بيران يتم مقايضة وليس مقابل النقود حيث يعطي البضائع التي يجلبونها من مدينة(حلب)ويتم استبدالها بالعفص الذي يتم شحنها فيما بعد إلى أسيادهم تجار في (حلب)(16).وعن أسواق(بتليس) يقول المستر جيمس برانت سكواير((إن أسواق بتليس شاملة وعامرة بأنواع البضاعة.. وتمتلئ بالدك والأسطح الصغيرة..وتستعمل سقوفها كممر عام للسابلة إن الطريق الذي يخترق الأسواق ضيق جدا ولا يتسع لمرور أكثر من شخصين في إن واحد وبسبب ازدحام السوق.. فأنه من الصعوبة إن يشق المرء طريقه خلالها إن هذه الأسواق تضيؤها فتحات في السقوف تسمح لضوء الشمس بالنفاذ من خلالها لأنارتها كما ويوجد في السوق خانان كبيران جيدان.. أعدا لاستضافة تجار الجملة من غير أهل المدينة وتنتشر الجسور ذات القنطرة الواحدة على القنوات المائية التي توفر عبورا جاهزا دون مزاحمة للانتقال بين جانبي المدينة العجيبة هذه))(17).ويضيف قائلا إن مدينة(بتليس) مركز تجاري مهم فهي من أكثر المراكز التجارية أهمية بين المراكز التي زرتها..ومع ذلك فان مبادلاتها التجارية ليست واسعة كما ينبغي. إن استهلاك البضائع الأجنبية قليل كماَ ومحدود نوعاَ.. لا قهوة، عدا تلك التي تسمى(موخا ـMokha)وتستعمل هنا والتي تجلب من بغداد وتستعمل صبغه ألنيله المستوردة من شرق الهند بكميات قليلة في أعمال مؤسسة لصبغ الأقمشة التي تزود بمتطلباتها بصورة عامة من خلال أرضروم ..أو من إيران))(18).لقد وجدت هنا الأقمشة الانكليزية(الشيت)غير المقصورة الألوان تباع على نطاق واسع.
أما الشالات الانكليزية فالإقبال على شرائها اقل، وكانت هناك تجارة بين مدن تركية وبلاد فارس تمر عبر منطقة كردستان فكانت تركيا تصدر قليلاً من البن، والبلسم،والجوخ الأجنبي،والسلع الصغيرة(الخردوات)إلى بلاد فارس. وأما من بلاد فارس والهند فيستورد الشاش،وهي من المواد الرائجة واستعمالها واسع جدا لأن أفراد الشعب التركي والكردي كلهم يصنعون منه العمائم،والحرير والأقمشة المتنوعة.والشيت،والشيت الملون،والعطور والأحجار الكريمة الأصيلة،والثمينة والمرجان وتنقل الأموال التجارية من المقاطعات المتاخمة للبصرة على الجمال))(19).وكانت لمدينة(حلب) موقع تجاري مهم تعتبر مخزنا للبضائع والسلع القادمة من أرمينيا وكردستان ودياربكر والموصل وكذلك مركزا مهما للقوافل القادمة من إيران…على الرغم لم تكن(حلب)(20).مدينة فيها ميناء على البحر ولكن كان التجار الأوربيون يقصدونها…
أما الأقمشة المطبوعة والحرير ذو الألوان المختلفة والفساتين وكميات قليلة من السكر المصفى… فتجارتها اقل نشاطا…إني اعتقد بان البضاعة المذكورة آنفا تشتمل تقريبا قائمة كل البضائع الأجنبية…إن الاستهلاك الرئيس لها هو في مصانع(دمشق)و(حلب)و(دياربكر). وتنتج الأقمشة القطنية الخشنة على نطاق واسع هنا… وتجلب إلى هنا من المناطق المختلفة للقطر لغرض صبغها باللون الأحمر إن الأقمشة المصبوغة هنا ترسل إلى الأماكن البعيدة من القطر…فضلا عن إرسالها إلى جورجيا. إن هذه المنطقة مشهورة بالألوان المشرقة والبراقة للأقمشة التي تصبغها كما وتصبغ هذا بعض الأقمشة الأوربية.إلا إن الأقمشة المحلية تشكل العصب الرئيسي لما يرد إلى مصابغ المدينة من أقمشة.إن مصنع الأقمشة (الشيت)القصيرة يضخ إنتاجه بشكل واسع إلى أرجاء القطر.إن القطن المستعمل هنا يزرع معظمه في مناطق(شيرفان)إلى الجنوب و(خارزان)إلى الغرب كما ويستورد قسم منه من منطقة(خوي ـkhoi) في إيران ورغم استيراد القطن وندرته في المنطقة،فان قماش (شيت) يباع بأسعار رخيصة(21).
أما تجارة الصبغ فإن هي الأخرى لا بأس منها،وكان تجارة العفص رائجة حيث كان التجار الأرمن يمارسون هذه التجارة(من الأثرياء وقد وصل إلى اربيل توا لشراء العفص منها والذي يكثر فيها ثلثمائة دوقة الأمر الذي وضع ذلك التاجر في خطر كبير)(22). ففي منطقة(بتليس)يجلب العفص الكردستاني من جبال كردستان. كما ويمكن جمع كميات كبيرة من الصمغ في الجبال القريبة من(بتليس)وهناك نوعان من النبات احدهما ذو وردة بيضاء والأخر ذو وردة بنفسجية فاتحة اللون. النبات الأول تستخرج منه أصماغ بيضاء اللون… يرسل معظم إنتاجها إلى الخارج.. أما النبات الثاني فيستخرج منه صمغ بني الشكل يستعمل كله محليا.إن الصمغ يقوم بجمعه أشخاص يجوبون الجبال لهذه الغاية وحيث تجمع الجذور من الأرض ثم تجرح هذه الجذور(أي احداث فيها شق) كي تنضح المادة اللزجة منها…التي تتصلب خلال يوم واحد او يومين حيث يعود هؤلاء الأشخاص لجمعها. ان هذه الحرفة تدر دخلاَ متواضعا في الظروف الاعتيادية لذلك يمارسها أناس قليلون…لأنهم لا يعرفون حرفة أخرى غيرها كرجال كبار السن والنساء والأطفال وعندما يزداد الطلب على الصمغ فان الأسعار هي الأخرى عادة تزداد طرديا لذلك يدخل المهنة ناس آخرون لجمع المادة الصمغية)(23).

الفحم النباتي
وفي قرى كردستان كان الفلاحون يقومون بقطع الأشجار وحرقها للحصول على الفحم النباتي في مناجم الفحم الخاصة به بعد ذلك يتم نقلها إلى مدينة الموصل لبيعها.ويقول جيمس برانت والذي زار القرى الكردية في كردستان تركيا يصف هذه المناجم المصنوعة محليا من قبل الفلاحين على سبيل مثال منجم(اركهانا معدن)إن الفحم النباتي يتم صناعته في الجبال الواقعة إلى الشمال إلا إن الغابات أخذت تتناقص))(24) بسبب قطع الأشجار كثيرة.

الحمامات
ومن مستلزمات نشاط حركة التجارة وجود الخانات للاستراحة والاهتمام بالحمامات لاستحمام المسافرين والتجار ويصف الرحالة مستر ريج في مذكراته ليوم 15مايس1820اليوم ذهبت إلى الحمام في السليمانية وكان جميلا ومضيئا وتتوفر فيها خدمة جيدة وتقدم بأسلوب متميز لم أكن قد شاهدت مثلها في موطن الأتراك. كان الباشا في السليمانية قد جاء بمواد من إيران لبناء هذا الحمام وان الحمام يعتبر من ضروريات الحياة في المجتمع الإسلامي.وان المسلمين صرفوا مبالغ طائلة لبناء الحمامات بوصفها من ضروريات الحياة بموجب الدين الإسلامي وحتى عساكر الأعداء عندما يقومون باحتلال المدن فأنهم لا يتعرضون للحمامات ولا يقومون على هدمها وإلحاق الضرر بها(25)وان أول حمام تم بناؤه في السليمانية كان في زمن إبراهيم باشا وسمي بحمام قشلة لاستخدامه من قبل جنوده(26).

خان أو خانات
الخان وهي كلمة أعجمية معربة(27) وكلمة الخان تعني البيت،أو الفندق أو المنزل أو النزل أو السبيل(28)والخان وجمعها خانات وهي أبنية قائمة بذاتها تتألف غالبا من صحن كبير تطل عليه مجموعة من الغرف والاواوين تستخدم لخزن البضائع واستيعاب حركة التجار(29)يعلوها طابق علوي يضم أيضا مجموعة من الغرف المعدة للسكن، والخانات على نوعين الأولى تقع على طرق المواصلات(القوافل التجارية)خارج المدينة وهي محصنة بالأسوار والأبراج والثانية داخل المدن وتشتمل على أكثر من مدخل واحد(30)،وقسم منها كان بناؤه مغلقا ولاتوجد للغرف نوافذ حيث شاهد سبستياني نوعاً من هذه الخانات في الموصل(31).
وكذلك رأى القنصل الفرنسي مسيو سيوفي في عام1890نوع من هذه الخانات كبير الحجم قائلا:((يدخل الداخلون هناك من باب ضخم مصراعاه مبطنان بصفائح من الحديد فيصلون إلى فناء واسع يحيط به رواق تتخلله قناطر وعقود ويتوسطه حوض كبير يجري فيه الماء ليلا ونهارا ويرى الراؤون حول هذا الفناء غرفا وإسطبلات واسعة مشيدة من الحجر وبأحجام كبيرة وقد تعرضت معظمها للتخريب والتقويض))(32).وقد قدمت الخانات خدمة جليلة للقوافل التجارية التي تسلك الفيافي والقفار حيث كانت لهم بمثابة نقاط دلالة إذ لولاها لضل كثير من المسافرين وابتلعتهم رمال الصحراء، ومن الناحية الاقتصادية كانت الخانات دور فاعل ومؤثر في معالجة الأزمات الاقتصادية خاصة في أوقات حدوث المجاعات والقحط(33)وان النشاط التجاري هو الذي كان يؤدي إلى الإهتمام بالخانات والتي كانت أماكن خاصة مخصصة للاستراحة التجار والمسافرين بالخانات(34)،وان اغلب الرحالة تحدثوا عن الخانات الموجودة في المدن الكردية(اربيل والسليمانية ودياربكر والموصل وماردين)وغيرها من المدن التجارية.
ويقول الرحالة الفرنسي نافرنييه عن خانات الموصل بوصفها اكبر مدينة تجارية بالنسبة للكرد الجبال وأعراب الصحراء والتي كانت ملتقى مهماً للتجارة قائلا:((ليس فيها(أي الموصل) سوى سوقين معقودين وخانين حقيرين كانا مكتظين بالمسافرين حين وصولنا إليها))(35).وان الأكراد يقومون بتصدير حجر المرمر أو الجبس المجزع من جبال الكرد إلى الموصل ولا يستعمل هذا النوع من الحجر إلا قليلاً حتى في منازل الأغنياء كمساند لاطر الأبواب والأعمدة وما شاكلها(36)، وان أحجار المرمر متوفرة في بلدة(كلالة) وكذلك في(السليمانية) وكذلك كان الأكراد يقومون بتصدير مادة العفص الجوزي الكردستاني حيث وجود غابات تكسو المرتفعات بأشجار البلوط التي تحمل العفص قليلا من ثمر البلوط،ويشارك في جمعها رجال ونساء وأطفال وذلك خلال الموسم المحدد من كل سنة(37)وقامت شركة الشرق الأدنى باستيراد العفص الجوزي الكردستاني من أطراف الموصل ودياربكر في القرن السابع عشر وكان العفص الكردستاني تنقل إلى الموصل ومنها إلى أوربا.أما السهول فمزروعة بالتبغ وينقل إلى تركية وله تجارة رائجة، واسعة وقد يتبادر إلى الذهن إن هذه البقعة فقيرة إذ لا تقع العين إلا على العفص والتبغ،ولكن الواقع إن ليس في العالم ارض أخر يتداول فيها الذهب والفضة بأكثر مما هنا.إذا إن أهلها يعانون حين تسلمهم النقود.بان تكون كاملة الوزن جيدة المعدن،إن العفص من المواد المستعملة عادة في الصباغة ودباغة الجلود المصنوعة في المشرق(38)،ولاتوجد بقعة تدانيه جودة،فهو يدر أرباحا واسعة على هذه البلاد التي لا قرى فيها،وترى بيوتها متناثرة يبعد الواحدة عن الأخرى مسافة رمية البندقية،ولكل من سكان هذه القرى رقعته من بساتين الفواكه والكروم وهم يجففون العنب ليعصرونه(39) ويصنعون منه خمرا(النبيذ)(40).

هوامش

1ـ جيمس برانت، المصدر السابق، ص122ـ123.
2 المصدر نفسه.
3 ـ جيمس برانت، المصدر السابق،ص34ـ71 ـ73.
4 ـ المصدر نفسه،ص68.
5 ـ المصدر نفسه،ص68.
6 ـ د.ليونهارت راوولف، المصدر نفسه، ص84 .
7ـ اسحق سكماني ،رحلة سكماني1890ـ1871، تحقيق بنيامين حداد، الموصل، روما، اسطنبول، القاهرة، الموصل، الديوان للطباعة والتصميم، بغداد ـ 2003، ص184.
8 ـ المصدر نفسه،ص185ـ186.
9 ـ المصدر نفسه،ص185ـ186.
10ـ جون اشر،المصدر السابق، ص92.
11 ـ ميجورسون،رحلة متنكر إلى بلاد ما بين النهرين وكردستان،ج1، ترجمة فؤاد جميل، بغداد ـ 1970،ص87 .
12ـ ميجور سون،المصدر السابق،ص92ـ93.
13ـ ميجور سون،ج1، ص74.
14 ـ جيمس برانت،المصدر السابق، ص33.
15 ـ المصدر نفسه، ص19ـ20.
16 ـ جيمس برانت،المصدر السابق، ص60.
17ـ المصدر نفسه، ص91ـ92
18 ـ المصدر نفسه، ص96
19 ـ ب. م. دانتسيغ، المصدر السابق،ص116.
20 ـ المصدر نفسه،ص289.
21ـ جيمس برانت سكواير،المصدر السابق،ص96ـ97.
22 ـ د. ليونهارت راوولف،المصدر السابق،ص200.
23ـ جيمس برانت، المصدر السابق،ص97ـ98.
24 ـ المصدر نفسه، ص60.
25ـ جمال بابان وآخرون، سليماني شاره كه شاوه كه م، به ركي سييه م، جاب و ئوفسيتي ده زكاى سه رده م، سليماني، 2000، ل 276.
26 ـ المصدر نفسه، ل 181.
27 ـ كاظم محمد كاطع الزبيدي، العمارة الخدمية في الموصل في العصر العثماني الخانات والحمامات، رسالة ماجستير(غير منشورة) ،كلية الآداب، جامعة بغداد ،سنة 1989، ص28.
28 ـ المصدر نفسه،ص34.
29 ـ المصدر نفسه،ص34.
30 ـ المصدر نفسه،ص35.
31ـ سبستياني، المصدر السابق،ص27.
32ـ بييردي فوصيل،المصدر السابق،ص29.
33 ـ كاظم كاطع،المصدر السابق،ص50.
34 ـ المصدر نفسه،ص50.
35 ـ نافرنييه، المصدر السابق, ص59.
36 ـ جمس بكنغهام، المصدر السابق، ص98.
37 ـ جوستن بيركنس،المصدر السابق، ص176.
38ـ جمس بكنغام ،المصدر السابق،ص70 .
39 ـ في القرى النصارى والأرمن واليزيدية واليهود والاثوريين يعصر الكروم ويصنع منها النبيذ،وكذلك يعصر ويصنعون منها الدبس في القرى الكردية والقرى الأقليات الدينية الأخرى وقسم الأخر يجفف ويصنع منها زبيب.
40 ـ نافرنييه، المصدر السابق، ص106ـ117.