الرئيسية » اللغة » اللغة الكوردية.. كتابتها ولهجاتها

اللغة الكوردية.. كتابتها ولهجاتها

اللغة الكوردية هي أعرق اللغات وأقدمها في المنطقة وهي لغة أصلية وإحدى فروع اللغات الهندو-أوروبية الآرية وقريبة من اللغتين الأفغانية والفارسية، وتعد لغة رسمية في العراق بجانب اللغة العربية كما ثبت في دستور العراق الجديد وللغة الكوردية العديد من اللهجات أهمها السورانية (sorani) والكرمانجية (kurmanci) والهورامية والظاظائية أضافة إلى لهجات اخرى مثل اللورية التي يتكلم بها الكورد الفيليون في مندلي وبغداد وايلام ولورستان والكورانية التي يتكلم بها كورد الزازا في درسيم والشبك في الموصل والهاورامان في ايران و غيرها.


ان من يزعم بأن الكتابة الكوردية ظهرت متأخرة ربما لايعرف او بتعبير ادق لايدرك بأن الكتابة الكوردية لم تبدأ من نقطة الصفر، بل بقصائد شعرية رائعة ولغة متطورة ومع ذلك فأن الكتابة الأدبية الكوردية أسبق من مثيلاتها في معظم اللغات الهندو-أوروبية وهي المجموعة التي تنتمي اليها اللغة الكوردية. فعلى سبيل المثال نجد ان اوائل الاثار الادبية الروسية القديمة التي تحتاج الى ترجمتها الى اللغة الروسية المعاصرة لتكون مفهومة لدى القراء الروس اليوم ولا يختلف الامر كثيرا بالنسبة الى اللغات السلافية الاخرى ومعظم اللغات الاوروبية، في حين ان قصائد بابا طاهر الهمداني مفهومة لدى أيّ قارئ كوردي مثقف بعد مرور حوالي ألف عام على كتابتها.

والحق ان ما تأخر ظهوره هو مانسميه بالحروف الهجائية أو الابجدية الكوردية وليست الكتابة الكوردية ذاتها، وعلى الرغم من كل الضغوط وسياسات الابادة التي مورست على اللغة الكوردية الا انها بقيت حتى يومنا هذا قوية ومؤثرة جداً. الاغاني الشعبية والمواويل والحكايات الشعبية و الامثلة الشعبية تعد كلها خير مثال على قوة وثراء هذه اللغة العريقة. طبعاً الثراء اللغوي لم يواكبه التطور الكتابي دائماً، بل كان هنالك تفاوت متباين بين التطور اللغوي والتطور الكتابي للغة الكوردية.

تشير الدراسات في علم اللغات (linguistics) إلى ان اللغة المنطوقة والمسموعة المتداولة في الحياة اليومية لاي مجتمع انساني تختلف الى حد ما عن الكتابة باللغة ذاتها. اي يوجد فرق بين اللغة المدونة والمنطوقة. وقد تتساءلون: لكن لم هذا الاختلاف؟ نفس الدراسات تقول بأن (النطق الشفهي الحي ظاهرة صوتية اما الكتابة فأنها وسيلة تقريبية متفاوتة الدقة للتعبير عن تلك الظاهرة). اي ان الكتابة لم تصل بعد الى مستوى التعبير عن كل الأصوات وشكل كل الاصوات الموجودة ضمن اللغة الشفهية، والسبب يعود الى ان الانسان استخدم اللغة الشفهية الاف السنين قبل أبتكاره اول شكل ما اشكال الكتابة. بدأت الكتابة الأولى بالرسومات المعبرة عما يراد التعبير عنه وبعدها التعبير بالمقاطع واخيراً الكتابة بالحروف الابجدية. فاللغات الحية الموجودة على وجه الارض استخدمت نوعاً من الكتابة ومن بين هذه اللغات كان للغة الكوردية باع مديد في محاولات الكتابة.

الكتابة الكوردية: لا يعرف بالتحديد متى واين بدأ الكورد باستخدام الكتابة وما هو شكل واسم و عدد حروف تلك الابجدية التي استخدمت حينها. لكن المعلوم ان الكورد استخدموا عدة ابجديات على مر التاريخ وحتى يومنا الراهن، كالابجدية المسمارية والآفستائية والآرامية و(الماسي سورتية) والازداهية والبهلوية والعربية والارمنية والروسية واخيرا اللاتينية. فقد نشر اللغوي الكوردي المعروف كيو موكرياني صورة ابجدية قال عنها الابجدية الكوردية القديمة وبأن تاريخها يعود الى سنة 2800 ق.م. وكذلك ظهر الكثير من الصور والتكهنات والدراسات المختلفة، لايسعنا الوقت لطرحها ومناقشتها جميعاً. سوف نكتفي بكتابة بضع سطور عن كل ابجدية على حدة.

الابجدية المسمارية:

ادخل الميديون ابجدية مسمارية مؤلفة من ستة وثلاثين حرفا الى البلاد الايرانية واللغة الفارسية القديمة. وكانوا قد اخذوها بدورهم من الاورارتيين. اضاف الميديون ستة حروف اخرى الى هذه الأبجدية المسمارية حيث أصبح عدد الحروف أربعين.

الابجدية الافستائية:

بالاضافة الى الابجدية المسمارية استخدم الميديون الابجدية الافستائية بشكل واسع النطاق. الابجدية الافستائية تتألف مع أربعة واربعين حرفا والبعض يقول ثمانية واربعين وهي تكتب من اليمين الى اليسار وقد دونوا بهذه الابجدية كتب الديانة الزادشتية وبالاخص الكتاب المقدس (أفستا)! وقد يكون اسم الابجدية مشتقاً من هذا الاسم. فالكثير من الدراسات تشير الى ان (Avesta) الكتاب الزرادشتي المقدس مدون باللغة الميدية (الكوردية القديمة) في القرن السابع قبل الميلاد وبذلك يعتقد الكثير من الباحثين بأن الكتابة الكوردية الحقيقية تعود بأقدم صورها إلى ذلك التاريخ.

الابجدية الآرامية:

ان وضعنا الافستائية جانباً سنرى بان اقدم النصوص الكوردي المكتوبة قد تم تدوينها بالاحرف الآرامية وقد عثر على بعض الوثائق في منطقة هورمان مكتوبة بالاحرف الارامية حول الحياة المعيشية والمبادلات التجارية للكورد! يعود تاريخ هذه الوثائق الى العقد الثامن قبل الميلاد. حيث يعتبر البعض هذه الوثائق اقدم الوثائق المكتوبة باللغة الكوردية في التاريخ! وكذلك استخدم الكورد الابجدية البهلوية (الفهلوية) القديمة وقد كتب كتّاب الكوردية اللوريا باسم (دينكرد) بالاحرف البهلوية القديمة.

أبجدية ماسي سورتي:

قد وصلت بعض المعلومات حول أبجدية كوردية خاصة تداولها الكورد حتى القرن السابع للميلاد وبعده ايضاً، اسم هذه الابجدية: (Masi Sorati) ماسي سوراتي نسبة الى الشخص الذي ابتكرها، عدد احرف هذه الابجدية سبعة وثلاثون حرفاً. حيث يتحدث ابن الوحشية النبطي الكلداني في كتابه (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام) عن ابجدية كوردية (ماسي سورتي) ووضع رسوماً لتلك الحروف وبجانب كل حرف كوردي وضع ما يقابله من الحروف العربية.

الابجدية الازداهية:

توجد ابجدية كوردية خاصة جداً بين الكورد الاذداهيين مازالت موجودة حتى يومنا الراهن وقد دونوا كتبهم المقدسة بهذه الأبجدية. عدد حروف هذه الأبجدية واحد وثلاثون حرفاً، يكتب من اليمين الى اليسار. لايعرف بالضبط تاريخ وضع هذه الابجدية. ولكن يظهر بأن مبتكرها استفاد من الابجدية العربية والأفستائية وحتى الآرامية في وضع هذه الأبجدية. وقد حصلنا على بعض النصوص المكتوبة بهذه الابجدية.

الابجدية العربية:

بعد دخول العرب الى كوردستان واعتناق الكورد لدين الاسلام، فقد بدأت الابجدية العربية والاصح النبطية تنتشر بين الكورد ببطء ومناهضة كوردية شديدة. هذه الابجدية السامية تفتقر الى الكثير من الاصوات والحروف الموجودة باللغة الكوردي كـ(p,c,g,j,u,v) وكذلك فقد أدخلت بعض الاصوات كـ(ع،ح،غ) الى لغتنا وهذا ما اثر سلبا على الفونوتيك الكوردية. وقد حاول الكورد توليف العربية حسب اللغة الكوردية. فقد دون كبار الادب والفلسفة الكوردية اثارهم الخالدة بالابجدية العربية. ابتداءً من نتاجات بابا طاهر الهمداني (935-1010)، مروراً بـ أحمد خاني (مموزين) وآثار فقي تيران، علي الحريري، ملاي جزيري و ملاي باتي.. الخ. وكذلك فأن أول جريدة في تاريخ الكورد (جريدة كوردستان) كانت تستخدم الحروف العربية.

بسبب استعمال الكورد للاحرف العربية البعيدة عن طبيعة الصوت الكوردي فقد أدخلت معها بعض الحروف غير الكوردية وهذا ما أثر سلباً على طبيعة اللغة الكوردية بالاضافة الى ان الابجدية العربية لا تتجاوب مع كل الاصوات الكوردية. استخدم الكورد الابجدية المبنية على الاحرف العربية والخط الفارسي حتى عشرينيات قرن العشرين. فقد جرت الكثير من المحاولات والتعديلات على هذه الابجدية لكي تكون ملائمة للغة الكوردية. حيث بذل توفيق وهبي (1891-1984) جهوداً مضنية طوال العشرينيات من القرن الماضي لتثبيت الاصوات الكوردية ووضع اشارات للاصوات التي تفتقر اليها الابجدية العربية. رغم كل شيء فما زالت هذه الابجدية المبنية على الحروف العربية تعاني من صعوبات إملائية عديدة لم تحسم حتى اللآن. كل ذلك أدى بالكورد إلى البحث عن ابجدية اكثر مرونة وتجاوب مع اللغة الكوردية.

بهذا الصدد يقول علي سيدو كوراني في مقدمة مؤلفه (القاموس الكوردي الحديث): صدمتني كلمتا (شير) بمعنى الحليب و(شير) بمعنى الأسد، فاختلط عليّ اللفظ، ومنذ ذلك الوقت تخليت عن استعمال الحروف العربية وكتبت الكوردية باحرف لاتينية فاستقام معي اللفظ، ذلك لان الكوردية لغة آرية تستجيب للحروف اللاتينية مثلها مثل بقية اللغات الآرية. لذا جرت محاولات كثيرة من قبل العديد من المثقفين والادباء الكورد وغير الكورد لأستبدال الابجدية العربية بابجديات اخرى كالارمنية والروسية واخيرا اللاتينية.

الابجدية الارمنية:

او ابجدية (لازو) وضعها اللغوي الارمني اكوب غازريان الملقب بـ (لازو) بناءً على الابجدية الارمنية. حيث الف كتاباً باسم (شمس) بهذه الابجدية الارمنية. كانت هذه الابجدية تستعمل رسمياً في القوقاز في المدارس الكوردية. لكن هذه الابجدية كانت تشوه اللغة الكوردية وتخلق صعوبات كبيرة في التعليم ، لانها -اي ابجدية لازو- لم تكن تتفق واصوات اللغة الكوردية. وكان المدرسون يشتكون من هذه الابجدية فرفعوا الكثير من الشكاوى ضد هذه الابجدية حيث نشر في جريدة (فجر الشرق) بالعاصمة الجورجية تفليسي في اعوام 1924 حتى 1926 عدة مقالات تدعو الى الغاء ابجدية (لازو) واستخدام الابجدية اللاتينية في الكتابة الكوردية. بناء على ذلك كلفت الحكومة الارمنية الاديب الكوردي المعروف (عرب شمو) باعداد ابجدية لاتينية للغة الكوردية اسوة بالاقليات القومية الاخرى في مناطق ما وراء القفقاس التي لم تكن لديها ابجدية او كتابة خاصة. وبذلك فقد زالت ابجدية (لازو) من الوجود. وحلت محلها الابجدية اللاتينية التي ألفها البرفسور عرب شمو.

الابجدية الكيريلية:

او الروسية (السلافية): بعد القرار الصادر من الحكومة السوفيتية إبان حكم ستالين الداعي الى وقف تداول الابجدية اللاتينية ، تم على اثرها تأليف هيئة من المثقفين الكورد كـ(حجي جندي) و(أمين عفدال) على سبيل المثال، لاعداد ابجدية كوردية حسب الاحرف الكيريلية -الروسية. فقد تم اختراعها اثناء الحرب العالمية الثانية وتم فرضها على الكورد القاطنين ضمن حدود الاتحاد السوفييتي فرضا. تم طبع ونشر المئات من الكتب القيمة وكذلك جريدة الطريق الجديد (riya teze) بهذه الابجدية الهجينة. الا انها، اي الابجدية الكوردية الكيريلية بدأت بالزوال والتراجع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتشار الابجدية اللاتينية بين الكورد ولكن آثارها ما زالت باقية حتى يومنا الراهن.

الابجدية الكوردية اللاتينية:

ضمن المحاولات العديدة لايجاد ابجدية تتناسب مع اللغة الكوردية باصواتها وخصوصياتها وحركاتها، كانت الابجدية اللاتينية الاوفر حظاً، فهي متداولة منذ اكثر من 2700 سنة، كذلك فهي كانت لغة التجارة والتقنية والسياسة ومظهراً من مظاهر التطور الحضاري نهاية القرن التاسع عشر، بالاضافة الى احتكاك المثقفين الكورد بالحضارة الغربية. بدأت المحاولات لكتابة اللغة الكوردية بالاحرف اللاتينية منذ القرن التاسع عشر من قبل الكثير من المثقفين الكورد وغير الكورد. لكل محاولة من هذه المحاولات نتائجها الخاصة. قام مؤسس الكردولوجيا في روسيا (بيوتر ليرخ) بمحاولة لوضع ابجدية كوردية مبنية على الاحرف اللاتينية، ولكن محاولاته لم تات بنتيجة مهمة بسبب اهمال السلطات القيصرية لها. كذلك قام (الكسندر جافا) باستخدام الابجدية اللاتينية في اللغة الكوردية. صبّ عبد الرحمن جودت اهتمامه على الابجدية اللاتينية واقترح على خلانه من المثقفين استعمال هذه الابجدية حيث كتب في صفحات مجلة (روجي كورد) عام 1913 مقالاً بهذا الصدد وقد تم فعلا نشر عدة مواضيع كوردية بالابجدية اللاتينية في نفس المجلة. كذلك جرت عدة محاولات ضمن جمعية هيفي للطلبة الكورد باعداد ابجدية كوردية على النسق اللاتيني. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى قام ماجور سون (Major E.B. Soane) باعداد أبجدية لاتينية للغة الكوردية والف كتابين بهذا الصدد ولكن هذه الابجدية لم تنتشر بين الكورد كما يجب.

ربما أبرز ابجدية كوردية لاتينية هي التي تم وضعها من قبل البروفيسور الكوردي عرب شمو واستخدمت على نطاق واسع واثرت على سير الأبجدية الكوردية. ولا اتفق مع الذين يتعبرونها ابجدية كاملة ومكملة. فهي ليست كما يدعون. ولها الكثير من الاخطاء والثغرات. ومع ذلك فقد تركت اثراًَ بارزاً في مسيرة الكتابة الكوردية. لا يجب ان نمر على عرب شمو وابجديته مرور الكرام. عرب شمو (شاميلوف) يعتبر أول كوردي سوفيتي يحصل على شهادة عالية وهو خريج معهد الاستشراق في موسكو (1924).

اما بالنسبة للأبجدية المتداولة حاليا فهي الابجدية التي ادخلها العلامة الكوردي (مير جلادت علي بدرخان 1893-1951) الى اللغة الكوردية اثر جهود حثيثة بالتعاون مع الفرنسي روجر لوتس.

لم يكتف الرجل بوضع الأحرف بل وضع القواعد والنحو الخاصة باللغة الكوردية. وقد اصبحت قواعده وابجديته مثالا يتبع حتى يومنا الراهن. ولكن توجد فروقات بين نموذج جلادت بدرخان ونماذج لاتينية اخرى. كنموذج اوصمان صبري وكذلك نموذج البروفسور عرب شمو. مع العلم بان النموذجين الاخيرين لا يتبعان حاليا في اي مكان. النموذج الاساسي عائد الى جلادت بدرخان.

الأربعاء 14-03-2012

التآخي