الرئيسية » اللغة » علم اجتماع الأدب الكوردي

علم اجتماع الأدب الكوردي





عام 1963 بدرخان سندي آلى نفسهِ أنْ يؤلِّف كتاباً يدافع عن الشعب الكوردي أنَّهم بلا شعر ولا أدب، وكان ذلك العزم سببه سؤال الدكتور عبد الهادي محبوبة زوج الشاعرة نازك الملائكة الى طالبه بدرخان سندي في كلية التربية جامعة بغداد: هل عندكم شعر باللغة الكوردية؟ عام 1967، وضعَ بدرخان سندي توقيعه الخاص على تاريخ الأدب الكوردي بإصدار كتابِهِ (طبيعة المجتمع الكوردي في أدبهِ: دراسة نفسية اجتماعية أدبية) من مطبعة بلدية كركوك.


هذا ما ذكره بدرخان سندي في مقدمة كتابهِ، الحماسة هي التي دفعته إلى الكتابة، ونقلَ آبر كرومبي أستاذ الأدب الإنكليزي في جامعة لندن قول سقراط (ولقد جمعني والشعراء، مجلسٌ ضمَّ كثيراً من المعجبين بهم وبأشعارهم، فلم يكن بين الحضور رجلٌ إلا وهو أقدر على التحدَّث عن تلك الأشعار من الشعراء أنفسهم.. لقد أدركتُ حينئذٍ أنَّ الشعراء لا يكتبون الشِّعر لأنَّهم حكماء، بل لأنَّ لديهم طبيعة أو هِبَة قادرة على أن تبعث فيهم حماسة، إذن فالشعراء من هذه الناحية لا يختلفون عن الأنبياء والكهنة الذين ينطقون بالكلام الحَسَنْ، دون أنْ يعرفوا ماذا يقولون) ، هذه الحماسة هي عينها التي اعتمدها أحمد خاني لتبرير كتابته ملحمة مم وزين، في البيت 240 (دا خلق نه بيشن كو أكراد/ بي معرفتين بي أصل وبنياد/ أنواع ملل خودان كتيبن/ كرمانج تني د بي حسيبن)كي لا يقول الناس، ليس للكورد معارف وآداب، لكل شعبٍ كتبه وتراثه، ليس للكورد نصيبٌ في الكتب. أصدرَ بدرخان سندي كتاباً قبل نصف قرن تقريباً، يُمهِّدُ لمنهج نقدي سوسيولوجي، لم يُسبَق إليهِ في الأدب الكوردي، بينما ما زال كثيرٌ من النقد الأدبي الكوردي حتى يومنا هذا، مجرد انطباعات ذوقية لا تخرج عن دائرة الاحتفاء والمديح الفارغ في حلقات مفرغة، وهي محاولة رائدة في علم اجتماع الأدب الكوردي لتحديد نسق العلاقة بين المبدع الكوردي وبيئته الاجتماعية، هذه العلاقة أهم مضامين الوعي الجمعي، لأنَّ(إنتاج المظهر المباشر من الواقع الاجتماعي والوعي الجمعي في المبدع هو أكثرُ تكراراً بشكل عام لا سيما إذا كان الكاتب يملك قدراً أقل من القوة الخلاقة ويكتفي بوصف تجربته الشخصية دون نقلها إلى مستوى التخييل) . هذا التخييل الذي يفتقده السرد الكوردي، أوسع وأعمق فلسفةً من التاريخ لأنَّه يهتم بما حَدَث ويحدث وسيحدث، وهو كذبة معقدة وسهلة التصديق، ولعل تضييق الأديب الكوردي على نفسهِ داخل تجربته الشخصية، يؤسِّسُ حدوداً مُعلنة، كأحد أخطر التابوات غير القابلة للتجاوز، بسبب الظروف السياسية التي ولَّدَتْ مشاعر الاغتراب والقهر الاجتماعي رغم النقلة النوعية، ويُفَصِّل غولدمان وضوح التجانس بين عالم المبدع والبنية العقلية لبعض الجماعات الاجتماعية، مع تجاهل ما يملكه الكاتب المبدع من عوالم خيالية تستند إلى هذه البنية العقلية عينها، وإلقاء الضوء على هذه العوالم الخيالية وإنْ كانت مَهَمَّة ثانوية للتحليل الأدبي، لكنها نافعة وضرورية، ويميز غولدمان بين سوسيولوجيا المضمون باعتبارهِ انعكاساً للوعي الجمعي وهو ما بحثه سندي، وبين السوسيولوجيا البنيوية باعتبارها أحد العناصر المقوِّمَة الأهم لهذا الوعي. وكان سندي سَبَّاقاً في طرح إشكالية التأويل النفسي والأخلاقي والفلسفي والاجتماعي للنص الأدبي على هامش تاريخي وسياسي واقتصادي بحسب عناوين كتابهِ الفرعية، حيث تناول فعل الإبداع ضمن علم اجتماع الأدب. انطلاقاً من أنَّ الأدب أهم صور الوعي القومي وأهم عناصره التكوينية، نسأل: متى بدأ الاهتمام بالأدب الكوردي؟ لماذا كان مطموساً إلى هذا الحد؟ الأديب ابن بيئته، والبيئة مجهولةٌ وصعبةٌ ووعرة وموبوءة بالحروب الداخلية والخارجية والقحط والسبات، حتى كان الشاعر يخجلُ من تعريف نفسه بالشاعر، وأنَّ شخصاً كالدكتور بدرخان سندي يقول عام 1963 كانت أول مرة أسمعُ فيها كلاماً عن الشعر الكوردي، وكنتُ فَرِحاً جذِلاً كَمَنْ يعثرُ على كنزٍ وأنا أقرأ بيتاً للملا جزيري، وتأكيداً لكلامهِ روى هذه القصة: عام 1963 أثناء مقابلة طالبة مقبولة في قسم اللغة الكوردية، كلية الآداب، جامعة بغداد، سألها علاء الدين السجادي رئيس القسم: هل تعرفين ملا أحمد الجزيري؟ قالت: نعم دكانه بقرب دكان والدي يبيعان اللبن والجبن؟ هذه الحادثة تؤكِّد وجود فترة مظلمة انقطعَ فيها الأدب الكوردي، من القرن السادس عشر إلى بدايات القرن العشرين، كما تؤكِّد بعض مقولات بعض المتفائلين أنَّ نسبة عالية من الشعب الكوردي حتى نهايات القرن العشرين لم تكن تعرف شيئاً عن الأدب الكوردي، وتدعم مقولات بعض المتشائمين بعدم وجود أدب كوردي بالمفهوم الحديث للأدب، إنَّما حكايات شعبية فقط. من إهداء الكتاب يعلن سندي نواياه عن البدء بمشروع ثقافي سوف يستمر لنصف قرن(إلى مَنْ يتوق التعرف والوقوف على حقيقة المجتمع الكوردي وطبيعته من خلال أدبهِ، أُهدي هذا النتاج المتواضع، لعله يجد ما يبتغيه)نستنتج:

1- هناك مَنْ يجهل حقيقة وطبيعة المجتمع الكوردي، وهو هدف بدرخان سندي.

2- اشتغال المؤلف على سؤال هويوي: مَنْ نحنُ أمام العرب؟ كيف نُعرِّفُ أنفسنا؟ لماذا نعرف عنهم ولا يعرفون عنا؟ لكن بجهود مؤلف واحد لم يتحقق تقدَّمٌ في ميدان سوسيولجيا الأدب الكوردي، حتى صار هذا الميدان اليوم محلاً لاهتمام جماعي بمشاركة عدد من الجامعات ومراكز البحوث، وسَبَرَ سندي من القصة الكوردية وعدَّدَ سندي أربع مزايا باعتبارها قصة بطل(وهذا يقودنا إلى مدلول نفسي اجتماعي آخر، وهو تعلق الرأي العام بالفعاليات الفردية والنتاجات الذاتية، وفي اعتقادي أنَّ هذا التعلق هو امتداد للنظام العشائري الذي ما يزال قائما، وما زالت آثاره متبقية حتى في الأماكن الحضرية غير العشائرية من المجتمع الكوردي) ، ثمَّ يتناول العقل الأسطوري وأثر البيئة الجبلية الوعرة والخطرة كسبب لكون(الأساطير في المناطق الكوردية أكثر من غيرها من المناطق) ، والميزة الثالثة تأكيدها القيم والمبادئ والمُثل الاجتماعية(والهدف الإنساني في القصة الكوردية، لأنَّه لا يمكن للرأي العام تقبل شخصية خارجة عن المُثُل الاجتماعية)، والميزة الرابعة التأكيد على دور الأقدار في صياغة الحدث. هذه النظرة الشمولية التي استطاعت استخلاص هذه المزايا قبل نصف قرن من الزمن، نفتقدها كثيرا في النقد الأدبي الكوردي اليوم. ثمَّ يستقرئ العوامل الداخلية والخارجية لفلسفة المجتمع الكوردي، ويذكر من العوامل الخارجية)..

1- الدين قبل ظهور الإسلام وبعده واعتناق الشعب الكوردي للدين الإسلامي.

2- دخول الصناعة في الحياة.. كالسيارة والراديو والعقاقير الطبية.

3- مجاورة الكورد لثلاث حضارات: الفرس والعرب والترك)والعوامل الخارجية(1- المحيط ويشمل البيئة الاجتماعية والبيئة الطبيعية.

2- نشوء الشعور القومي والوعي للتحرر من الاستعمار ومشاركة الكورد لإخوانهم العرب في الحركات التحررية ضد التسلط العثماني والاستعمار البريطاني.

3- المستوى الاقتصادي عند المجتمع الكوردي) ثم يتناول قصيدة ملا عبدالله زيور (أنا لا أشرب الخمرة فينتابني الصداع/ وأصاب بآلاف الأمراض الخطيرة/ وَلِمَ أجعل نفسي مهزلةً للناس/ ولا أتعاطى شرب الخمرة/ فيصبح عمري قصيراً)ثم رد الشاعر فايق بيكس(أنا أشربُ الخمر/ لكي لا ينتابني الحزن/إنَّ كرسي الحانة/ التي أجلسُ فيها/ يشعرني بسعادة بالغة/ فأغدو أكثر سعادةً/ مما لو كنتُ متربِّعاً على عرش قيصر) وقول الشاعر بيكس الأب تناص مع قول الشاعر الجاهلي المُنخَّل الْيَشْكُرِي(فإذَا انتشيت فَإِنِّي/ رَبُّ الخورنقِ والسَّديرِ/ وإذَا صحوْتُ فإنَّني/ رَبُّ الشُويهةِ والبَعيرِ).

وتناول سندي السوسيولوجيا البنيوية باعتبار النص الأدبي عنصراً مقوِّمَاً للوعي، كما في قصيدة مفتي بنجوين التي يخاطب فيها ابنته(ستقررين مصيرك بمحض اختيارك/ دعي عنكِ كل الأفكار فأنتِ حرة/ حرة كالرجل) ثم قارن بين أشعار دلدار وربط سقراط بين الفضيلة والسعادة. والكتاب يتألف من مقدمة، وخمسة عشرَ عنواناً: تشخيص الأدب الكوردي، روائية الأدب الكوردي، القصة في الأدب الكوردي، وسائل تفاعل القصة مع المجتمع الكوردي، محتوى الأدب الروائي الكوردي، التفسير النفسي والاجتماهي للمحتوى الروائي في الأدب الكوردي، العاطفة في الأدب الكوردي، التخيل وعلاقته بالعاطفة في الأدب الكوردي، المدلول الأخلاقي للعاطفة في الأدب الكوردي، الفلسفة في الأدب الكوردي، الصراع بين الخير والشر، أصل الوجود وغاية الإنسان في الأدب الكوردي، الالتزام في الأدب الكوردي، الاتجاهات المذاهب الرئيسة في الأدب الكوردي، الأحلام في الأدب الكوردي.

الأب بول بندر قبل مائةٍ عام اكتشف أنَّ(الكوردي يستعملُ الأمثال لكلِّ شيء، وفي كلِّ موضوع، وهذه الأمثال هي نظام الحياة لديه وقاعدتها، فالطبيعة كلها تمر بها، والحكمة الكوردية رأت كلَّ شيء، وقالت كلَّ شيء منذ القدم) ، ويستمرُّ سندي في مشروعهِ بعدَ عقدين من الزمان، عام 1989 أصدر بدرخان سندي كتاباً بعنوان(الحكمة الكوردية) وفي زيارة لمؤلِّف الكتاب إلى البروفيسور الطبيب عبد الهادي الخليلي عام 1990.

سأله:- هل أنت بدرخان سندي مؤلف كتاب(الحكمة الكوردية)؟

– نعم. لكن هل قرأت الكتاب؟

– لقد اشتريت نسخة من استعلامات نادي صلاح الدين الاجتماعي، وقرأتهُ وأعجبتني الأمثال الكوردية جداً، ثمَّ يواصل سندي مشروعه الثقافي وبعد ذلك بسنوات يصدر سندي كتابهُ(المجتمع الكوردي في المنظور الاستشراقي).








الأحد 23-09-2012
التآخي