الرئيسية » الآداب » مذكرات طالب من كوردستان – الحلقة الخامسة

مذكرات طالب من كوردستان – الحلقة الخامسة














من الادب الكردي

مذكرات طالب من كوردستان

******************


(5)

مرت أيام على اختلافي المنتظم إلى المدرسة طالباً تتكرر تلكم الصور في حياته متخذة مآسيها سبيل البروز والتجسم، حتى تمكنت أن أحدد بسهولة المشكلات الحقيقية التي تعترض مجرى تواثبي في هذا المجال من تحصيل العلم. وهذه المشكلات لم تكن لتتجاوز منابعها ثلاث كهوف تعاونت الطبيعة ، والنظام الاجتماعي، والعقلية السياسية آنذاك على نحتها وتعميقها، بحيث ظلت ترفد تلكم المشكلات بسمومها، وتزودها بأنيابها، حتى يوم تخرجي في كلية العلوم والآداب سنة (1958) ألف وتسعمائة وثمان وخمسين ميلادي. أجل فأول مشكلة تصر على شدي إلى البيت وتشريدي في طرقات مستجدياً أو قارئاً للقرآن العظيم هي: آفتي الجهنمية، ثاني مشكلاتي: هي كوني من طبقة ليست بميسوره الحال لا يستطيع وضعها المادي أن يعينني على الجلوس في صف من مدرسة أهلية يتقاطر عليها أبناء الطبقة الخاصة، وثالث مشكلاتي هي: إن لغة العلم ليست بلغتي التي اتحدث بها في بيتنا والتي تعلمتها من بيئتي الكردية.
وقد كانت هذه المشكلات الثلاث تتكاثف لوحدة منابعها فتكون أمامي بحراً صاخب الأمواج عليّ أن أخوض فيه بما أملكه، وأنا ذلك الطفل المعذب الذي نزل إلى الميدان لأجتياز ذلك البحر بوسائل بدائية ضعيفة عاجزة من السير بي قيد انملة. فكيف وأنا أريدها سفينة بريه تعبر الى شاطئ الحياة السعيدة التي لمحها عقلي الصغير لأمر ما و وحي ما.
إن قلبي الصغير يملي عليّ شعار السير الى الامام مهما كانت العوائق، وها أنا أواظب على الدوام بصورة متناغمة تناغم دقات قلبي دون أن يعوقني شئ. أجلس على مقعدي مصغياً بأذني وأنفي وفمي، وربع عيني اليمنى إلى المعلمين الذين كانوا يدرسونا مبادئ التعلم وكانت في ذهني هذه المبادئ، ترسخ حبي للمدرسة. فإذا أنا بعد أسابيع محبوب المعلمين جميعهم، وإذا أنا موضع تقديرهم واعجابهم . إن معلم الدين يكلفني بترداد ما كان يردده أمام الصف بعده مباشرة ، لماذا؟ لأن صوتي كان قوياً واضحاً، ولان ذهني حاد يلتقط المعلومات ويبرزها دون اي خطأ. وماذا كانت تلكم المعلومات؟ لقد كانت بسيطة في نظري، صعبة معقدة في نظر الطلاب الآخرين. لذلك لا عجب في لأن أقوم بدور المعلم الثاني أثناء الدرس، ولا غرابة في أن إنهض بواجب المعلم الآول أثناء الفرص، تراني واقفاً على قدمي أرتل بصوتي أسماء الآئمة ألاثني عشر التي كانت موضوع درسنا الأول في الدين. وكنت تراني أيضاً القن الطلاب الأناشيد التي كان معلم الرياضة يلقنها إيانا (واحد وأثنان نلعب في البستان). لقد كانت إمتيازاتي هذه نسمات تهب من حين لآخر في وجه مشكلاتي تلك ، فتصد عني شيئاً قليلاً من شواظها. وقد تجمعت هذه النسمات بعد اربعة أشهر على دخولي في المدرسة لتكون نفحة طيبة عطرة، دفعت المدير والمعلمين الى أن ينقلوني من الصف التمهيدي الى الصف الابتدائي. ففي ذات يوم نادى علي (المدير كاظم أفندي) وزف إلي بشرى قراره بنجاحي إلى الصف الأول الأبتدائي، حيث سأقرأ فيه القراءة الخلدونية ومبادئ الجمع والطرح في الحساب. إنني أسير نحو البيت بعد سماعي ذلك القرار الذي لم أفهمه على وجه الدقة، مما حمل (خالي) بعد أن سمعه مني غامضاً على أن يقابل المدير صباح اليوم التالي، الذي كانت ظهيرته وعصره ملعبين جلت عليهما. وصلت بين البيت والأزقة التي الفت قدمي والفتها قدماي، متحدثاً الى هذا ومفتخراً على ذاك، وأنا أحمل في يدي القرأءة الخلدونية وجزء (عم). إنكم أيّها الصبية وأنت يا (نجم) الغائب عن سماع صوتي، أشهدوا بأني طالب (كمجيد) إذ قد أخبرني المدير بأنني سأنجح بعد أيام إلى الصف الثاني.
إذن فقد صرت في الصف الاول الأبتدائي والحق يقال إن هذه الصيرورة سلطت عليّ أكثر فأكثر مشكلتي النابعة من آفتي. فأنا أجلس على المقعد الأخير في الصف، وهو مقعد بعيد عن السبورة التي كان المعلم يستعملها كثيراً ، أحدق فيك أيتها اللوحة السوداء الكبيرة، دون أن أستطيع تمييز ما قد كتب في وجهك. ما ضرهم لو وضعوا أمام كل مقعد سبورة ؟ إذن لما لاقيت صعوبة في قراءة السطر الذي يكتبه معلم الخط على صفحتك، نعم … ولما غمرني العجز عن تقليد الصورة التي ينقشها معلم الرسم على صدرك … تعالي وأنبتي أمامي! أوقفي في محلك واسمحي لمقعدي أن يمثل بين قدميك !؟ أواه أنني طويل القامة فلا يسمح لي أن اجلس في المقعد الآول لأنني لذلك سأمنع الطالب خلفي عن القراءة … ماذا عساي أن افعل؟ لقد وقف المعلمون على مصيبتي هذه، فاذنوا لي بالذهاب الى السبورة بعد ان ينتهي الطلاب من حاجتهم اليها. أن هؤلاء الطلاب يتأخرون كثيراً في نقل ما يكتب على صدرك أيتها السبورة الحبيبة، أما أنا فكما تشهدين سريع في تلقف هباتك فثوري على هذا القانون الجائر. أواه إنك جامدة كقلب الطبيعة تماماً، سلبتني هي ما منحته للآخرين ، وانت تسلبينني حقي وأنا الذي لا أسئ اليك، أما أنتهي من عملي معك؟ في لمح اللسان. فيتجه المعلم اليك مزيلاً عن صدرك ما قد كتبه عليه. نعم … ولكنك لا تنطقين … أنت شبيهه لأولئك أنت صنو لأمي سأتحمل جورك كما تحملت جور الآخرين. إن قرأءتي الخلدونية خير من سبورتي، فخطوطها كبيرة تستطيع نافذة نوري العزيز أن تلمح كيان كلماتها المرسومة في وضوح. لا يشوهه إلا الدرسان الأخيران من دروسها. وقد كانت عوائق هذه المشكلة سهلة على قلبي لو تسهم مشكلة اللغة في تقويتها، ومدها بالنار والحديد، فأنا لا أفهم معاني ما كتب فأنا لا أفهم معاني ما كتب في القراءة الخلدونية التي أحببتها وفضلتها على تلك السبورة . وقد كان عدم فهمي هذا مثار لسخرية الطلاب ومعلم القراءة، أو ينسى قلبي الغض البرئ ذلك اليوم المشؤوم الذي سألني فيه المعلم عن معنى عبارة (رازي درب بازي)، فصرت أجيبه بصوت قوي وبلهجتي الكردية:
أن رازي أسم شخص، وإن الدرب – دربونة- (الشارع)، وإن بازي كلمة كوردية معناها اللعب، فمفهوم العبارة كلها، إن شخصاً اسمه رازي ذهب ليلعب في الشارع، مفهوم آمن له عقلي الصغير، وعلمته أياي بيئتي ومع ذلك أرى المعلم غاصاً في ضحك قوي اشتبك مع ضحكات الطلاب، فاعادت الى ذهني الذكرى الأولى لليوم الأول الذي دخلت فيه الصف التمهيدي، إن شبح الماضي القريب يلاحقني ، وهو يتجسم في هذا اليوم، فقد نقل ذلك المعلم الحادث إلى جميع المعلمين الذين شرعوا يسألونني عن معنى تلك العبارة كلما سنحت لهم الفرصة، حتى لقد اشتهرت قصتي هذه لدى كل من كان يتردد على المدرسة الهاشمية فعرفت بينهم بلقب (أبو رازي درب بازي).