الرئيسية » مقالات » أضواء … على أنواء !

أضواء … على أنواء !


(1) ملالة يوسف طالبة باكستانية عمرها 14 سنة تدرس في مدرسة إعدادية في مدينة منغورة كبرى مدن وادي سوات شمال غرب باكستان تعرضت لمحاولة اغتيال أثناء عودتها من المدرسة لمنزلها، وكشف مسؤول في الشرطة المحلية أن مسلحين من حركة طالبان الباكستانية أوقفا مركبة تقل ملالة وسألوا عنها بالاسم وعندها قام أحدهما بإطلاق الرصاص عليها قبل أن يلوذا بالفرار. وقد أعلنت حركة طالبان الباكستانية أن إطلاق الرصاص على الطفلة ملالة إنما جاء لردعها هى ونظيراتها عن دعوتهن لتعليم البنات … وقد استهجن (بل استبشع) العالم هذا الجرم شديد القبح والسفالة والندالة. ولكن كانت هناك اسستثناءات ! فلم يستهجن أو يدين هذا الجرم ، بل ولم يذكره احد من هؤلاء : كل تنظيمات الاسلام السياسي الاخوانية والسلفية في مصر وغيرها (مثل تونس والمغرب والأردن)، وكذلك “حماس” في الأراضي الفلسطينية، ومثلهم ، لاذت بالصمت (غير النبيل) المؤسسة الدينية الكبيرة في السعودية. ولعل ذلك يؤكد ما نقوله ونكرره ولا نمل من تكراره من ان الفارق بين تيارات الاسلام السياسي التي تصف نفسها بالاعتدال وباقي التيارات السلفية والجهادية هو فارق على مستوى التكتيكات وليس الاستراتيجيات.


(2) غريب وعجيب أمر الاسلاميين في مصر الذين يريدون أن يتضمن دستور مصر الجديد النص على ان تعبير “الشريعة الاسلامية” إنما يعني “الشريعة الإسلامية وفق احد المذاهب السنية الأربعة” ! فبضربة واحدة يقومون بالغاء كل المذاهب الشيعية وعلى رأسها مذهب جعفر الصادق الذي اعترف به الازهر دائماً …. وكذلك كل مذاهب الخوارج (وبالذات مذهب الاباضية المعمول باحكامه في سلطنة عمان …. اما العلويون والموحدون (الدروز) والاسماعيلية …الخ ، فلا داعي (اصلاً) للحديث عنها !! وهكذاتثبت جماعات وحركات الإسلام السياسي صحة ما نكرره عنهم من كونهم غير قادرين على التعايش مع “قيمة” من اهم قيم الانسانية المعاصرة وهى ” التعددية” و “قبول الآخر”.


(3) السيد/ م. ف صديق عزيز. وهو استاذ بريطاني بجامعة

Queen Mary London University وهي فرع من جامعة لندن العريقة والتى تربطني بها حاليا صلة عمل غير متفرغ … وأنا أظن أن صديقي م. ف هو من اكثر من أعرف من استاذة الجامعات البريطانية والامريكية والكندية معرفة بتاريخ الاسلام والفرق الاسلامية وتاريخ مشروعات الاسلام السياسي المعاصر. كما أظنه الاكثر (بين هؤلاء) معرفة بأدبيات الوهابية والاخوان المسلمين والتيارات السلفية. منذ ايام قليلة (سبتمبر 2012) كان هذا العلامة في القاهرة ، واستقبله سفير بريطانيا لمصر . دار الحوار حول الاخوان وهل بالفعل صاروا معتدلين ام لا . اخذ صديقى يقيس افكار الاخوان كما هي واردة في ادبياتهم القديمة والمعاصر بمقاييس محددة سمّاها “قيم الانسانية” المعاصرة المتقدمة” .وذهب بذلك لتقرير ان القول باعتدال الاخوان هو دليل على عدم معرفة القائل به بحقيقة استراتيجيات الاخوان. واذا بالسفير البريطاني في القاهرة يقول لصديقي العلامة م . ف : لا يا عزيزي ! … الاخوان المسلمون اصبحوا شديدى الاعتدال . ألاَّ ترى كيف يجيئون للحوار معي وهم يرتدون البدل والقمصان واربطة العنق! اصاب الذهول صديقي العلامة البريطاني ! وعندما حكى لي تلك القصة ذات الدلالات الواضحة اختتم الحكاية بقوله : ظننت لوهلة ان محدثي هو سفير الولايات المتحدة الامريكية وليس سفير بريطانيا ! فهذا عهدنا بعمق أحكام (بعض) الدبلوماسيين الامريكيين واتسامها بالثقافة العارمة !!


(4) “الكفر” … “الزندقة” … “ازدراء الاديان” … “الاساءة للكتب المقدسة” … هل هذه مفردات القرن الحادي والعشرين ، أم مفردات القرن الحادي عشر في أوروبا ؟؟!!.


(5) البعض يطالب بتشريعات دولية تمنع القيام بما يعتبرونه مساسا بمقدساتهم. ورغم ان إهانة مقدسات اي مجموعة بشرية هو عمل مستهجن ومرفوض إنسانيا وأخلاقيا ، ولكن ماذا ستقول البشرية فيما يقوله البعض عن معتقدات مئات الملايين من الهنود وعن الكثير من معتقدات المسلمين الشيعة وعن اليهود ؟ وماذا ستقوله البشرية عما يقوله البعض عن عقيدة الثالوث المسيحية وعن وصفهم للمسيحين بأنهم “عباد الصليب” ، وعما يقولونه (ويفعلونه) فى حق البهائيين ؟ كيف يكون بيت إنسان من زجاج ، ومع ذلك فإنه ﻻ يتوقف عن رمي غيره بالحجارة !!؟؟ والحق أقول أنه فى حالة تبني المجتمع الدولي (من خلال الأمم المتحدة) مثل هذا القانون فإن كثير من المسلمين سيكونون أكثر المتضررين منه !


(6) ﻻيمكن هزيمة التيارات السياسية اﻹسلامية بالمظاهرات والمليونيات والمقاﻻت والحوارات التلفزيونية. هزيمة اﻹسلاميين ﻻ يمكن (وﻻ ينبغي) أن يحققها الجيش كما كان البعض يريد. الوسيلة الوحيدة لهزيمة اﻹسلاميين سياسيا هى عن طريق قيام فريق سياسي بالعمل الدؤوب على تحفيز الثلاثين مليون مصري ومصرية الذين ﻻ يشاركون فى التصويت لترك السلبية وموقع حزب الكنبة والإنتقال للفاعلية والمشاركة والتصويت. وحتى هذه اﻵلية فإنها لن تتحقق قبل إندماج كل التيارات السياسية المؤمنة بالدولة المدنية فى حزبين أحدهما يؤمن باﻹقتصاد الحر واﻵخر يؤمن باﻹقتصاد الموجه.

(7) سألتني طالبة بقسم الدكتوراة بجامعة Queen Mary, London university هل فقدت اﻷمل فى تغيير اﻷحوال السوداء الحالية فى مصر ؟ … وكانت إجابتي لها كالتالي : أنا لم أفقد اﻷمل … ولكنني (بحسي التاريخي) أدرك حتمية أن يخوض المجتمع المصري التجربة التاريخية. وقد يخرج منها (وقد ﻻ يخرج) ليقف على أرضية الديموقراطية والتى ﻻيمكن أن تكون إﻻ علمانية. وﻻ يجب القفز للحكم بأننا سنكرر تجربة الشعوب

اﻷوربية بحذافيرها ، وأعني تجربة الخروج من ربقة الحكم بإسم ونيابة عن الدين (الثيوقراطية). فبنية التراث والنصوص اﻹسلامية تختلف عن بنية التراث والنصوص المسيحية ، فاﻷخيرة أكثر قابلية للعلمنة من اﻷولي. وللأسف الشديد ، فإنه رغم إنخفاض المستوي الثقافي والمعرفي والقيمي لقادة التيارات السياسية اﻹسلامية اليوم فى مصر ، فإن “المتوسط العام” لعقل هؤﻻء القادة (المنتمية عقولهم لظلمات القرون الوسطي) هو أعلي من “المتوسط العام” للحالة العقلية للشعب المصري اليوم.


(8) فى مجاﻻت الطب واﻷدوية وسائر مجاﻻت الهندسة والفضاء والطيران والمواصلات وتكنولوجيا اﻹتصاﻻت والزراعة الحديثة والصناعات الحربية ، فإن مساهمة شعوب صراخ-ستان هى ببساطة “صفر”. وبدﻻ من أن يلوم شعوب صراخ-ستان أنفسهم على حالتهم العقلية المزرية ، فإنهم يلومون “اﻵخر” دائما ! فهو وحده المسئول عن كونهم عالة على البشرية فى سائر مجاﻻت العلوم (إﻻ العلوم الدينية) !! وعندما يقال لهم كل عام : أﻻ تخجلون أن قوائم الحاصلين على جائزة نوبل فى الطب والفزياء والكيمياء والبيولوجيا تخلو كل عام من أي إسم من صراخ-ستان ، فإنهم يرفعون عقيرتهم ويكيلون التهم لهذا الجائزة التى تنحني لها رؤوس البشرية بإستثناء رؤوس شعوب صراخ-ستان ! بل ويدمغون جائزة نوبل بعدم المصداقية !


(9) دافعت في كتاباتي عن النوبيين في مصر وعن الاكراد في سوريا وعن الشيعة في السعودية وعن المرأة في المجتمعات الإسلامية وعن الاقباط في مصر . وكنت اظن ان اي انسان متعلم سيدرك ان دفاعي في كل حالة من هذه الحالات انما ينطلق من دفاعي عن حقوق الانسان . ولكن ذلك لم يكن واضحاً لكثيرين من ابناء وبنات مجتمعاتنا الناطقة بالعربية. فما أكثر من اتهمني موقع اليكتروني سعودي بانني تنصرت (اي اصبحت مسيحياً). وهو زعم جهول! فالكاتب والمفكر الذي يعيش عقله في أروقة ايمانويل كانط واوغست كونت وبرتراند راسل وكيريك غيغارد ومارتن هايدغر ، لايمكن أن “يتنصر”! واكتفي بهذا القول. ومن اغرب العجائب انني بعد محاضرة لي بالكاتدرائية المرقسية في القاهرة منذ شهور ، اقترب مني رجل قبطي وسألني: حضرتك تعمدت … اليس كذلك؟ هنا ، بلغت المأسأة ذروتها !! فبعض الأقباط لا يمكنهم أن يرون في دفاعي عن حقوق اقباط مصر أية صلة بحقوق الانسان ! ويرون انني ما كنت لأدافع عن حقوق الاقباط في مصر إلاَّ اذا كنت (من ناحية العقيدة) “قبطياً” . يومها تساءلت : بعد هذا التردي ، انستحق حكاماً افضل ممن يحكمون مجتمعاتنا الآن ، وهم (رغم هزال تكوينهم المعرفي والثقافي والعقلي) أعلي بكثير من المتوسط العام شديد الهبوط وبالغ الانحدار !!؟


(10) تصدرت الصفحة الاولى من جريدة الشرق الأوسط (السعودية) يوم عيد الأضحى منذ أيام (يوم 27 أكتوبر 2012) صورة كبيرة ظهر فيها ملك السعودية والى جواره بعض الامراء. في الصورة كان الملك متصدراً ، وعلى يمينه “مفتي السعودية” ثم “ولي العهد وباقي الامراء”. والمعنى واضح !…. فالمفتي يأتي في البروتوكول السعودي بعد الملك وقبل ولي العهد والأمراء!! ويمكن استخلاص عشرات المعاني والعبر من هذه الصورة التي اخذت في القرن الحادي والعشرين الميلادي وليس في يوم من أيام سنة 1744 (ميلادية) عندما تعاهد جد الملك الحالي مع جد المفتي الحالي الذي يجلس عن يمين الملك بان يحكم الأول بموجب فتاوي الثاني! يومها تعاهد الرجلان (محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب) عهدهما الذي تجسده وتوضحه هذه الصورة المنشورة بعد 268 (مئتين وثمانية وستين) سنة من عقد حلف الدرعية الذي لخصته الكلمات التي كررها يومذاك المحمدان : الدم الدم … الهدم الهدم !!!