الرئيسية » مقالات » هل فسد بيت مال المسلمين ؟

هل فسد بيت مال المسلمين ؟

أستخدم لفظ بيت مال المسلمين في صدر الأسلام وأطلق على المبنى الذي تحفظ فيه الأموال العامة للدولة الإسلامية ، حيث كان يبنى ملاصقا لجدار المسجد الجامع والسبب في ذلك يكمن في أن المسجد لم يكن يغلق في أي ساعة من ليل أو نهار حينها ، لذلك لم يكن يخلوا من المصلين والقائمين ، فكل من في المسجد حين يشعر بأي حركة في بيت المال الملاصق له يبادر الى حمايته من السرقة ، وتطورت الحياة وتباعدت القرون حتى حلت البنوك Bank والمصارف ، الحكومية منها والأهلية ، محل بيوت مال المسلمين وأصبحت بشكل أو بآخر تقوم بعملها في حفظ موارد الدولة وتتناقل كتلها النقدية وتحفظ مال العباد .

وفي عراقنا القديم وعراقنا الجديد ، لم يسلم هذا البيت “المقدس” من السرقة أو الفساد بشتى صوره ، فأحياناً تطاله أيدي الولاة لتنهبه عن بكرة ابيه أو أن يتعرض للسرقة من “عماله” كما حدث في مواقف شتى ، ليس بآخرها ، الموظفة التي أختلست 11 مليار دينار عن طريق تحريرها لمستندات ايداع بمبالغ كبيرة ، 7 أستمارات ، وبشكل وهمي بأسم شخص ثالث له حساب مصرفي ليقوم الأخير بتحرير صكوك ، 49 صكاً ، بلا رصيد عن طريق مصارف أخرى ، لقد أهانت تلك العملية التي قامت بها تلك المرأة ، ثقة ابناء شعبنا بمصارفهم وبأبشع الصور .

والمصرف المركزي العراقي يمثل بيت مال المسلمين وهو مؤسسة مستقلة إستقلالاً تاماً عن الأرتباط بأي سلطة تنفيذية في البلد بل أنيطت مسؤولية هذا الإرتباط بالمؤسسة التشريعية ، مجلس النواب ، في الوقت الحاضر ، ولديه مسؤوليات جسيمة حيوية وتصب في دخل العراق المالي وقيمة الدينار العراقي مقابل العملات العربية والاجنبية ، وكذلك الاحتفاظ باموال الدولة واحتياط النقد في مواجهة العجز والتدخل في اسواق المال من خلال عمليات البيع والشراء كذلك المحافظة على احتياطات البلاد من العملات العربية والاجنبية و احتياطاته من المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة كذلك فإن من مهامه طبع واصدار النقد المالي وآلية الحد او منع عمليات تزوير العملة .

على الرغم من كل ما حصل مع سنان الشبيبي ، محافظ البنك المركزي العراقي ، والذي يمثل ضربة قوية للنظام المصرفي فحين صدرت أوامر إلقاء القبض بحقه ومجموعة من مدراء المصارف بلغت 14 أمراً ، كان إيذاناً بخروج سيل من التعليقات على تلك الأوامر منها من كانت مؤيدة لها ومنها من كانت بالضد منها إلا أنها جميعاً تعتبراً أمراً خطيراً بحق “بيوت أموال المسلمين” في العراق ، فهو من جانب يقوض سلطة المصارف الكبيرة والتي تمتلك آليات محددة في حركة الكتل النقدية ، ويفقد الثقة التي قد نكون بحاجة الى عقد كامل من الزمن لإعادتها بين ابناء الشعب والمؤسسات الصناعية والمصارف العراقية ، من جانب آخر .

كانت أول أصابع الأتهام قد اشارت الى الحكومة العراقية في إصدارها لهذا الأمر وتكاثرت الأحاديث في هذا الموضوع حتى صدور تعليق هيئة النزاهة البرلمانية بأن ما صدر من أوامر قبض كانت بسبب نتائج اللجنة البرلمانية التي حققت بشبهات فساد في أعمال البنك المركزي العراقي ومزاده وهذا ما أكده السيد هيثم الجبوري العضو في تلك اللجنة .

لايخفى على أحد أهمية “رصانة” النظام المصرفي وأهمية أن يتمتع الجميع ممن يعمل به بمستوى عال من النزهة لكوننا معهم نرهن مستقبل الأقتصاد العراقي ، ومستقبل العراق سياسياً ، به ، وأهمية أن يدعم النظام المصرفي بنظام على مستوى عال من الكفاءة نتجب به ومعه حصول أي عمليات فساد وإفساد تضيع علينا أموالنا واموال ابناء شعبنا ، كما إن إشراف البرلمان على أعمال المصرف يجب أن تأخذ طريقاً رقابياً يتمثل في إستمراية المراقبة بلا إنقطاع ، فإذا كانت الشبهات تحوم حول مزاد بيع العملة في المصرف فأين كان البرلمان بلجانه الرقابية والإشرافية منذ سنين وتلك العملية تتم يومياً وبوتيرة مختلفة تبعاً لحركة السوق ؟ واين الجهات الرقابة كديوان الرقابة المالية من تعاملات المصرف المركزي طوال تلك السنين التي مرت متلاحقة يصل بها معدل البيع للعملة ، يومياً ، الى 300 مليون دولار ؟ حيث أشارة التقارير الى أن 300 مليار دولار قد بيعت منذ عام 2003 ؟ كم غريب أن أموراً كثيرة وحساسة يتم التنبه لها بعد فوات الأوان أو بعد أن يستفحل الشر منها ليشغل لنا حيزاً كبيراً من تفكيرنا ولتفسد لنا أهم بيوتنا .

أن حدوث أي أشكالية تخص المؤسسات المصرفية علينا أن نأخذها بتروي بالغ لكون الأحداث تجري لدينا ، في العراق ، بوتيرة متسارعة تغذيها الكتل السياسية وخلفها الصحافة بكافة انواعها مما تعطي ، إحياناً ، إشارة خاطئة للمؤسسات العالمية عن هشاشة الوضع لمصارفنا ، بيوت مالنا ، وتتسبب بضعف القبول في التعامل معها وذلك ما يضع علامات إستفهام كثيرة أمام الإستثمار الخارجي الذي سيفكر ألف مرة قبل أن “يغامر” في نقل أمواله للعراق ، فنحن بفتح جبهة مواجهة داخلية جديدة مع مؤسساتنا المالية نكون قد وسعّنا الهوة مع المؤسسات المالية العالمية ، والتي نحن اليوم بأمس الحاجة لها في أمور شتى بدءاً من صندوق النقد الدولي وحتى مسألة الديون العراقية وغيرها .

لقد كان قرار “سحب يد ” من محافظ البنك المركزي العراقي ـ بعد تحقيق أجرته تحقيق أجرته لجنة برلمانية في اتهامات بالفساد داخل البنك ، صائباً وعلى درجة كبيرة من الموضوعية إذا أننا لا يمكن أن نتهم الجميع بالفساد ، فهل اللجنة البرلمانية فاسدة أو ” مسيسة” بنظر البعض ، كما حصل مع القضاء الذي رميَّ بأشد التهم ؟ وإذا كنا كذلك فالى من تؤول مسؤولية محاربة الفساد الذي يضرب اطنابه بكل جزء من العراق ؟ ولو كان للسيد الشبيبي بتأريخه كله رداً على تلك الإتهامات ، فليفندها من هناك من حيث ما يجلس الآن ؟ وليعرض كل مالديه وأعتقد أن لدى الرجل شيئاً كثيراً ليقوله فلماذا الصمت وهو الذي أكمل ما يقارب 9 سنوات محافظاً للبنك المركزي العراقي ويعرف كل خباياه ودهاليزه ولا أعتقد أم أمر الرد على الإتهامات بتلك الصعوبة التي تجعله يلوذ بالصمت وقبله الفرار من مواجهة القضية .. وإلا فأن بيوت مالنا قد فسدت .. والعوض على الله !