الرئيسية » مقالات » نحن بحاجة الى وطنية (قمبر علي) من جديد

نحن بحاجة الى وطنية (قمبر علي) من جديد

للمرة الثانية على التوالي نلاحظ فكرة الأعمال الدرامية حول وضع المجتمع العراقي في زمن نظام البعث التي تعرض على الفضائيات العراقية ، حيث عرضت قناة بغدادية درامة يوميا خلال شهر سبتمبر / أيلول مسلسلاً بعنوان { قمبرعلي } وهو إنتاج عراقي بدرجة ملحوظة من الناحية الفنية في السيناريو والحوار ؛ كما يشارك فيه نخبة متميزة من النجوم العراقيين ، كان العمل متكاملا من حيث النص والاداء ، فضلا عن الاخراج ، من المحتمل اعتمد كاتب القصة على بعض معلومات اخذها من الاشخاص الذين عاشوا ذلك الزمن التي أوردت بعض الحقائق المتصلة بقصة المسلسل .
والمعروف أن منطقة قمبرعلي من المناطق الشعبية القديمة في قلب مدينة بغداد ” العاصمة ” وانها تتجاور مع شارع الكفاح ، ويقطنها الناس البسطاء من حرفيين وباعة متجولين وبعض الموظفين ، وتعرض اهلها الى تعسف وظلم على أيادي ازلام حزب البعث والاجهزة الامنية بحجة محاربة المعارضين للحكومة وثم متابعة اشخاص مشبوهين الذين تشك بولائهم الى الحزب والحكومة . دور قصة المسلسل حول حياة العراقيون ما لاقاه من الظلم الدكتاتوري في إطار زمنيين متوازيين في القرن العشرين ، أحدهما في الثمانيات أثناء فترة الحرب العراقية الإيرانية ، والثاني في التسعينات في حالة الحصار على العراق اثناء الغزو العراقي للكويت ، الى جانب دور المعارضة العراقية متمثلا بالقوى اليسارية ومقاومتها للنظام الدكتاتوري .
مسلسل قمبرعلي الذي مدججة بنص من الافراح والحزن ، وهو يدور حول مجموعة من الأحداث جوهرها مواجهات بين الخير والشر حيث أثارت انظار المشاهدين ، وثم تناوله للوضع الاجتماعي والسياسي ، ويدور احداثه حول دور حزب البعث في المنطقة من خلال رجاله ما يسمى بالرفاق وتدخلهم في شؤون العوائل وكتابة تقاريرعن اهل المنطقة التي تعاني من سياسة الحكومة ، ويؤشر المسلسل الى التحالف بين رجال الامن وأصحاب النفوذ ، والمسؤول الحزبي كيف ينحاز الى طرف دون طرف اخر حسب مصلحته الخاصة . وكما يؤشر المسلسل الى وجود المعارضة الحقيقية التي تتمثل القوى الوطنية ومنها اليسارية وجسد دورهم في محاربة الدكتاتورية والظلم ، وكيف يتعاطف المجتمع مع هذه القوى لتسهيل امورها وتحركاتها داخل منطقة قمبرعلي .
رغم تتفاوت فيه الحلقات والمَشاهد من حيث درجة إضحاكها إلى درجة أهميتها وفقاً لمقايسي وملاحظاتي . وهو ما أثّر عليّ زاوية الخطاب الوجدانيّ والعقليّ الضّمنيّ كلّ ذلك هيّأ لي لمتابعة المسلسل ، وقد يكون هناك شي من المبالغة عند بعض المواقف وهذا أمر متوقع . فكلنا ندرك تماما أن ما نراه على الشاشة ليس بالضرورة أن يكون واقعاً وإن كانت قصة حقيقية . إضافة الى بعض الأخطاء في الاعمال الفنية التي عرضت على الشاشة .
من وجهة نظري الشخصية فالمسلسل بسيط وممتع وحاملاً العديد من الأبعاد لإدانة النظام البائد . وكانت تمثيل الأبطال فى المسلسل كان رائع ، كل فى مكانه ، حيث يجسد الفنان اياد راضي دوره في المسلسل وتمثلت في تقديمه شخصيّة رجل شقي وسكّير باسم ” صلاح ابو البشرة ” ، وهروبه من أمن الدولة الذي مطلوب فى قضايا القتل والنهب ، وكيف يتعايش ابو البشرة مع أهل منطقة قمبرعلي ، ويقف معهم في وجه الاجهزة الامنية والحزبية وكما يقف وجه التجار المستغلين والمحتكرين فى فترة الحصار على العراق ، أنه دخل بصمت وبطريقة غير مباشرة في عمق أزمة المجتمع الذي يعيش في قمبرعلي من خلال تناوله الصراع الدائم بين التطرف والتسامح … حيث اجتمعت فى شخصية ” صلاح ابو البشرة “. رجل ظالم ورجل مظلوم.. رجل خير ورجل شقي . إلى وقوعه في العديد من المشاكل والصدامات مع كل من حوله مما يجعله فى كل مرة يقف فى وجه أعدائه مدافعاً عن الحق . ومثلا محمد طعمة وعادل عباس المتقاربين من بعض فى السن .. مثلوا علاقة الصداقة والتجارة وكيفية احتكارهما لسوق الشورجة .. وجسد طه سالم شخصية المدرس وكان مكافح ولم يصبه اليأس على الاطلاق رغم المضايقة التي واجهها من كبار الحزبيين وهو ينتظر الامل في عودة ابنه ، ونجح في جذب الناس بشخصيته السياسية والإنسانية ، الى جانب الممثلة القديرة فوزية عارف اثبتت في المسلسل انها تقدر ان تبتعد عن ادوارها النمطية وتقدم شخصية جادة ومحافظة على بيتها وزوجها وانتظار ابنها ، كما قدموا كل من انعام الربيعي وهند طالب واسماء صفاء دوراُ جديدا وقويا ، كانوا لهم تأثير كبير في المسلسل في حالة اختيارهم الزواج ، وتأمين العيش الكريم لهم من خلال تكوين الاسرة ؛ وصراع طويل للممثلة سناء عبد الرحمن وهي تتنظر الامل في عودة الزوج برؤية فنطازية ، التي يمثل لها الرجل الامال والاحلام والمستقبل . الى جانب نخبة متميزة من النجوم العراقيين كل من سعد محسن وكريم محسن وسنان العزاوي واحمد طعمة وعلي منشد وذوفقار خضر والفنان مهدي الحسيني ، وكان للجميع أدوار بارزة في نجاح المسلسل وخاصة في تجسيد الادوار والترميز والتعبير .
يعبر المسلسل عن الواقع الحقيقي لمجتمع قمبرعلي الذي عاش في ظروف صعبة ومهلكة في زمن نظام البعث ونقل وجهة نظره في امور كثيرة في الحياة تلك المنطقة كأساس للعمل ، ويعالج مرافق كثيرة من حياة الانسان العراقي وفق الاحداث ومن خلال الشخصيات وانفعالاتها وحواراتها ، كما يعرض فيه كثير من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية الى جانب الاحداث الشيقة ، برغم الديكورات كانت ضعيفة وضاعت منه الكثير من الخطوط بسبب غرابة البيئة ( لان المسلسل معتمد على النمط السوري خصوصا في المشاهد الخارجية لمنطقة قمبرعلي والمشاهد الداخلية للمنازل سواء داخل المنطقة وخارجها ) . الجميع على قناعة تامة أن البيئة العراقية ستكون من أهم عوامل نجاح المسلسل .
مع كل اعتبارات الإنصاف والاحترام لمخرج مسلسل قمبرعلي ” طلال محمود ” ومؤلفه ضياء سالم وجميع الذين جسدوا شخصياته من فنانينا المحترمين .. فإن هذا العمل يبقى عملا إنسانيا له مضمون علمي قصصي توثيقي لان له ظهور سلس فى خلفية الأحداث بشكل حقيقي وممتع ، لان يرسم المسلسل على ارض الواقع في صورة فكر وتثبيت روح وطنية في وجدان شباب المنطقة لمقاومة للنظام الجائر ، وكشف عن واقعية نظام البعث خلال فترة سطوته على الحكم في العراق . ويسير المسلسل الذي يلقي بعض الاضواء الكاشفة عليه لسير اغوار احلام العراقيين كما تكلم عنها التاريخ في بطون الكتب او ما تناقلته الالسن على مدى نصف قرن .