الرئيسية » مقالات » هل نحن نفهم الوطنية بشكل صحيح؟

هل نحن نفهم الوطنية بشكل صحيح؟

 




إن فكرة التضحية للوطن ووجوب تقديم الغالي والنفيس له, فكرة استعملتها الدكتاتوريات والحكومات المستبدة على مر العصور لتدجن الشعوب وتستغلها تحت مسميات عديدة كالوطن, القومية ,الدين, وجعلت الشعوب ترضخ مما سهل استعبادها قرونا طويلة.
إن الوطن لايحتاج أن نقدم له العمر ونفديه بكل شيء لندعى من الوطنيين , إنما يكفي الوطن أنك مخلص في عملك, ويكفيه أنك تخدمه بوفاء بخدمة عائلتك وهي نواة اولى لبناء المجتمع, يكفي الوطن انك انسان ملتزم بالقوانين والعلاقات البشرية بدون اخلال بأمن الدولة ولا اقتصادها, يكفي الوطن انك تنجب له أبناء وتتعب من أجل تربيتهم وتتحمل مسؤوليتهم حتى يستقلوا ليقدموا بدورهم خدماتهم له, ويكفي الوطن انك تبدع فوق عملك شيئا كفن وأدب وعلوم فتصبح مساهماً ببناء حضارته بشكل مباشر. أما أن تعطي أكثر من ذلك, فالوطن يكون سجنا ويكون جلاداً لك, وتأنيبا للضمير يخرب الحياة, ويكون قاتلا لك متى ماشاء قادته, وهذا ماتغرسه هذه الانظمة المستبدة وتلقي على الشعب عبء كل تقصيرها ازاء الفرد والشعب, وتلقي عليه مسؤولية جنون عظمة قادتها وطموحاتهم الرعناء وحروبهم المجنونة .
وكي يُسمى الوطن وطناً, لابد وان تكون فيه سلطة تحمي أمن الشعب, وتكفل له حقه في السكن والطعام والشراب والأمن والتعليم والتطبيب وكل مايحتاجه المرء من خدمات, وهذا كله نجده في حكومات الدول المتحضرة. أما نحن فلا زلنا نحل الحكومات من المسؤولية لنلقيها على كاهل ابن الشعب الذي يموت, ويضحي, ويقتل, ويجوع, ويجرد من كل حقوقه البشرية تحت مسمى حب الوطن…
ورغم كل الحرمان الذي يعيشه, يبقى يعذب نفسه بسؤال ماذا قدمنا للوطن؟ وكأن الوطن وحش ومصاص دماء لابد وان نقدم له مايريد حتى حيواتنا.
اتمنى أن تعي شعوبنا العربية هذا, ويتعلمه بسطاء الناس ليعرفوا ماهي حقوقهم كبشر, حقوقهم التي ضمنتها لهم القوانين والدساتير الدولية لحمايتهم لا ان يضحوا حتى ببقايا حياة بائسة لم تدع لها أنظمة الاستبداد شيئا مما ندعوه حياة كبقية البشر..
يذكرني هذا ببيت شعر قديم كتبه شاعر قبل ان يشيع مفهوم الوطنية والوطن وحدود الاوطان.. يقول:
ونفسك فز بها ان خفت ضيماً
وخلّ الدار تنعي من بناها
فانك واجدٌ أرضاً بأرض
ونفسك لم تجد نفساً سواها
عجبتُ لمن يعيشُ بدارِ ذلٍ
وأرض الله واسعة فلاها..
أليس منطق الشاعر متفق مع حق الانسان المقدس بالحياة والتي قدسته جميع الشرائع والأديان؟
إذن القبول بالموت من أجل أي شيء حرام, لأن الأديان قدست الروح وسمحت حتى بالقتل دفاعا عنها, وبكل القوانين الوضعية والسماوية حينما يقوم شخص ما بقتل من يريد قتله دون وجه حق, فله عذر محل من العقوبة لأن الحياة مقدسة.
ومانفع أرض يموت ربع شبابها في الحروب والمواجهات, والربع الآخر معاق, والنصف الباقي مقهور كالأرامل والمهجرين والفقراء والأيتام والمدمرين نفسياً؟
كيف استطاعوا لمصالحهم أن يغسلوا أدمغة أجيال ويجعلوا الموت في سبيل الوطن واجبا مقدسا ليبقوا هم حكاماً متسيدين على أبناء الشعوب, ويقودوهم كالخراف الى المذابح؟
أليس بسبب جهلنا نحن وعدم مناقشتنا الفكرة أساسا, وتلقيها هكذا على علّاتها؟
22-10-2012