الرئيسية » مقالات » مثقفي : تي تي … تي تي .

مثقفي : تي تي … تي تي .




على البالتاك, كانت غرفة المنتدى الثقافي العراقي, ومحاضرة للدكتور اسامه حيدر حول المثقف والثقافة, تعريف وماهية ووظيفة وموقف , اشترك في الحوار اساتذة متخصصين , وكان الباحث والمؤرخ الدكتور خير اللـه سعيد , مديراً للندوة ومشاكاً فيها , شخصياً خرجت بأنطباع عما يجب ان يكون عليه المثقف الوطني , صادقاً مع نفسه محترماً لموقفه , مستوعباً للمنظومة القيمية للمجتمع الذي ينتمي اليه , وان الأستقامة والموضوعية وصلابة الموقف وتحمل مسؤولية اصلاح ما تفسده السياسة وامور اخرى كثير , هي من صلب واجباته .

الأمر يذكرني بأسراب من ناعقي الثقافة, من حيث الكم ورداءة ما تفرزه مؤخرات اقلامهم , بعضهم حوًل الثقافة الى جارية في بلاط السياسة او مكيفة لترطيب امزجة سلاطين المكرمات .

سرب هنا وآخر هناك, ومهما تعددت المبررات والأساليب والممارسات , يبقى حبل الأنحياز والأستقطاب وذل التبعية يمسك رقاب توجهاتهم ومهامهم وميوعة مواقفهم , مع كل مرحلة لهم موقف ومع كل انعطافة لهم انحنائة , سريعي الألتفاف كصغار السمك , سهل عليهم ان يشكلوا اكثر من منظمة واتحاد وتجمع وقائمة وحملة تضامنية واخرى استكارية , ابواق تحت الطلب , كل يستطيع فيها ان يعزف اللحن الذي يريد .

لكثرة تكرار اسمائهم على قوائم التضامنات والأستنكارات وغزارة المقالات والبيانات , فمن اول اسم , يستطيع القاريء معرفة المتبقي , عددهم اسمائهم شهاداتهم القابهم ميولهم ارتباطاتهم وظائفهم ــ السابقة طبعاً ــ ومن السخرية , كنا مرة في زيارة احدهم وهو في غرفة الأنعاش داخل المستشفى بعد عملية جراحية , وفي المساء كان اسمه يتصدر برقية استنكار , سرب متجانس , لا يختلف ولا يتحاور ولا يستشير بعضه , الجميع مخول من الجميع , ومع انهم في حالة تناقض حاد مع الأفكار الشابة التي تضاعف حجمها ونوعيتها وصلابتها , لكنهم ولحد اللحظة يجدون دائماً كورة يجتمعون حولها من داخل مؤسسة اعلامية تتسع لبقاياهم , بحبوحة رزق ينسجمون ويندمجون ويعيدون غسيل تواريخهم من داخلها .

ليس كل من كتب مقالة انشائية مطولة , او اصبح ضمن الأدوات الأحتياطية لهذا الطرف القومي بالضد من الآخر الطائفي او العكس , او قاد سرباً من بقايا سكراب ازمنة المزايدات ومراحل الأنتكاسات والهزائم التنظيمية والمعنوية والنفسية , يحق له ان يطلق على نفسة ــ مثقفاً ــ , المثقف يجب وبالضرورة , ان يكون قيمة اجتماعية يحتاجها ويتداولها المجتمع , وليس مستهلكات في اسواق التحاصص السياسي, انه ذلك الأنسان ( المثقف ) الذي سمعت الدكتور اسامه حيدر , يستعرض صفاته ومزاياه وصدق التزاماته الوطنية الأنسانية من داخل غرفة المنتدى الثقافي العراقي , انه ليس ناقداً منتجاً ومبدعاً فحسب , بل انيقاً في عطاءه , ولا تحتاج شخصيته الفكرية والمعرفية الى رقع القاب لا تعنيه ولا يعنيها , وفوق كل هذا , يجب الا يكون اسمه في سجلات الصرف الخاص بجلالة السلطان .

المثقف الوطني , عليه دائماً ان يراجع مواقفه على ضوء المتغيرات العاصفة التي ترافق الآن حراك الشارع العراقي , وعليه ان يتناول ــ نقداً جريئاً ــ مجمل المحطات التاريخية لنقاط ضعفه , ويخلع عنه ما كان معيباً , ويرتدي الجديد الذي تفرزه دورة المتغيرات , ويبتعد عن تكرار المواقف والسلوكيات والممارسات التي تخجل ــ حليمة ــ احياناً من تكرارها , وقبل ان يغزل رقع التضامن مع السجناء , عليه ان يدلنا على سجين سياسي واحد بينهم , وقبل ان يتضامن مع هذه الكتلة ضد الآخرى, عليه ان يثبت لنا انه غير ملوثاً بأوحال التحاصص , وقبل ان يوجه نداءات التضامن والأستنكار وطلب تدخل فلان وعلان وفلتان وبعثيي القائمة العراقية , وربما ستشمل القائمة في المستقبل القريب حزب العودة , وهذا وارد حيث ارتفعت حمى انتهازية الأستقطابات الى نصف ساريتها , فالموقف السليم , ان يتناول المثقف الوطني , بموضوعية وانصاف مجمل الحالة العراقية ومسؤولية جميع الأطراف التي تشكلت منها حكونة الشراكة , الغطاء السياسي لنظام التحاصص والفرهود الشامل دون استثناء .

ذات الثقافة لذات السرب , جعلت يوماً من الحركة الكوردية ( جيب عميل ) ومن تخريفات عبد السلام عارف ( اشتراكية رشيدة ) ومن المخصي صدام حسين ( فيديل كاسترو ) ومن تهريج جمال عبد الناصر ( تطور لاراسمالي ) ومن مفوض وشرطة مركز ( اتحاد اشتراكي ) ومن بعثيي القائمة العراقية ( لبراليين وعلمانيين وديمقراطيين ) , انهم كضفادع الأهوار , رمادية على اليابسة خضراء بين اعواد البردي , وفي مراحل التحول من حالة الى اخرى , يأخذون هيكلية الـ ( نص حيه ونص جريه ), لكنهم والحق يقال , اذكى من الغراب , يحسنون القفز على اكثر من مشيتين , وهم كما يقول المثل , كالطماطة دائماً تجد لها مكاناً داخل كل طبخة .

تلك الثقافة السياسية, التي افرزتها الأنهيارات التاريخية, من خارج الفضاء الصحي للثقافة الوطنية , افرزت لها سرباً ارمداً ينعق بلا رؤيا , يدخل الآن طرفاً في تدمير العقل العراقي وتشويه الوعي الجماهيري وشرذمة الرأي العام , يلحق ضرراً فادحاً في التاريخ الوطني لحركة تحررية وطنية عريقة , وشوه تقاليدها النضالية وتاريخ امجادها , وتركها عثرة في طريق المشروع العراقي , وهنا على اطراف الحركة الوطنية , احزاب ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات وطنية مستقلة , ان ترسم حدوداً فكرية وثقافية وسياسية وكذلك اجتماعية واخلاقية تفصلها عن ذلك السكراب البائس من طرف واحد , ولا يوجد هناك مبرر لدفع ضريبة ارهاصاتها الى ما لا نهاية .

29 / 10 / 2012