الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة السابعة

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة السابعة







جيورجي ديمتروف
1882-1949

القسم الثالث


المناضل الأممي البارز ، المنتصر في محاكمة حرق الرايخستاغ


الفصل الأول


ــ مسؤوليته في الحركة الشيوعية العالمية ــ


سجلت إنتفاضة ايلول ( سبتمبر ) 1923 بداية لمرحلة جديدة في حياة جيورجي ديمتروف ، مرحلة النفي والعمل السري التي إضطرته ليعيش ويعمل خلالها في اوربا بأسماء مستعارة . لقد كرًس ديمتروف خبرته وطاقته التي لاتنضب لتقوية الحركة الشيوعية في بلغاريا ودول البلقان ودول اوربا الغربية ، وتنظيم النضال ضد الحرب والفاشية على مستوى عالمي .

ولدى وصول ديمتروف وكولاروف الى يوغسلافيا أواخر ايلول ( سبتمبر ) 1923 ، بعثا من هناك رسالة الى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري وأجريا عددا من اللقاءات مع قادة الحزب الشيوعي اليوغسلافي ومع اعضاء قياديين في إتحاد المزارعين البلغار ، وعالجا معهم مشكلات توفير الأمن للمنفيين السياسيين البلغار وإعالتهم وتوفير الضمانات لنشاطهم التنظيمي . وفي مدينة “ فش “ كتب ديمتروف وكولاروف رسالتهما التاريخية الى عمال وفلاحي بلغاريا .

وناشد قائدا إنتفاضة ايلول ( سبتمبر ) الشغيلة في كل انحاء العالم ، والأحزاب الشيوعية الشقيقة في البلقان وعدد من من المنظمات العالمية للطبقة العاملة ومنظمات الإغاثة العالمية القيام بحملة فورية للدفاع عن المناضلين والسجناء السياسيين البلغار ، وفضحا امام الرأي العام العالمي جرائم حكومة تازانكوف وطالبا بالقيام بحملة إحتجاج مكثفة ضد إرهاب الحرس الأبيض في بلغاريا .

وبعد أن مكث ديمتروف وكولاروف فترة قصيرة في يوغسلافيا ، غادرا معا الى النمسا في 12 تشرين الأول ( اكتوبر ) 1923 وشكلا في فيينا لجنة المنفى للحزب الشيوعي البلغاري . وبعد مناقشتها للقضايا ذات الأهمية البالغة بالنسبة للحزب ، قامت هذه اللجنة بتقديم مقترحاتها حول التركيبة الجديدة للجنة المركزية والمهام المنتصبة امام الحزب الشيوعي البلغاري والخط السياسي الذي يجب ان ينتهجه الحزب بعد إنتفاضة ايلول ( سبتمبر ) . وقد أشار تقرير لجنة المنفى الى ضرورة تجميع وتوحيد قوى الحزب المبعثرة ، وإعادة بناء روابطه مع الشغيلة وتأسيس حزب علني ، واكًدت اللجنة بأنها تحبذ سياسة الإنتفاضة المسلحة .

وفي النصف الثاني من تشرين الأول ) اكتوبر ) 1923 ، توجه كولاروف الى موسكو لإستلام مهام عمله كسكرتير عام للكومنترن ، بينما اخذ ديمتروف على عاتقه مهمة قيادة الحزب من خارج بلغاريا ، ومارس عمله هذا في العاصمة النمساوية طيلة سنة ونصف تحت طائلة التهديد المتواصل بإكتشاف امره من قبل عملاء الحكومة البلغارية الفاشية . وفي ظروف العمل السري الشاق ، لم يدخر ديمتروف جهدا من اجل قضية الحزب والشعب . لقد عاش بكل جوارحه مشاكل وهموم الحزب الشيوعي البلغاري وكافح بكل قوته لإعادة بناءه وتوطيد وحدته .

ومن المهمات التي نهضت بها لجنة الحزب في المنفى ، إصدار صحيفة الحزب “ رابوتينشيسكي فيستنك “ وعمل ديمتروف محررا فيها ، كما كان يقوم بدور مصحح بروفات وموزع لها كلما إقتضى الأمر. كما كتب فيها العديد من المقالات كرسها لمعالجة القضايا التي تهم الحزب والحركة المعادية للفاشية .

وعاودت صحيفة الحزب الظهور في بلغاريا في وقت كان فيه الإنتقام الشرس من المشاركين في الإنتفاضة على اشده . وفي هذا الوقت بالذات اخذ الحزب يسترد ببطء عافيته وسط الخراب الذي خلفته الحرب الأهلية . وساعدت الصحيفة الحزب الشيوعي على إسترداد صحته وساهمت بنشاط في النضال ضد الإنحرافات اليمينية والإنهزامية والتصفوية ، ولم تنقطع صلات جيورجي ديمتروف مع اللجنة المركزية في صوفيا رغم ظروف حياته السرية في المنفى وبعده القسري عن الحزب ، و أُقيمت لهذا الغرض طرق سرية سلكها رسل الحزب الذين خاطروا بحياتهم لتأمين هذه الصلات . ففي تلك الأيام العصيبة التي عاشها الحزب بعد إنتفاضة ايلول ( سبتمبر ) ، كان من الضروري على ديمتروف ان يحلل دروس الإنتفاضة ويخرج برأي جماعي في تقييمه لها بغية رسم الطريق السياسي الصحيح اللاحق .

لقد أطلع جيورجي ديمتروف اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري على وجهات نظره بصدد المسائل الأساسية ، ساعيا من وراء ذلك مساعدتها في الوقوف عند التفسير الماركسي اللينيني الصحيح للأحداث وتحديد مهماتها المستقبلية . وكان تقييمه لإنتفاضة ايلول ( سبتمبر ) بأنها “ إنجاز ملهم للحزب ومصدر قوة ثمين جدا لمستقبل الحركة الشيوعية في بلغاريا “ ووجه الحزب بإتجاه تحسين وتوسيع المكتسبات الثورية التي افرزتها الإنتفاضة ….

ولعب ديمتروف دورا قياديا في النضال من اجل فضح التصفويين الذين نظروا الى الإنتفاضة كمغامرة ، وطالبوا بقطع علاقات الحزب مع الأممية الشيوعية . وكعضو في لجنة الحزب الشيوعي البلغاري في المنفى وسكرتير هيئة رئاسة إتحاد شيوعيي البلقان ، بذل ديمتروف جهدا كبيرا لتوضيح حقيقة الأوضاع داخل الحزب وفضح طبيعة وبواعث الإتجاه الإنتهازي . وعارضت القوى السليمة في الحزب المرتدين في محاولتهم لشق الحزب وعرقلة نضاله الرامي الى إنهاء الإضطهاد الفاشي والاستغلال الرأسمالي . وأدان الشيوعيون البلغار الموقف الخياني للإنهزاميين وإتخذت اللجنة المركزية قرارا بطردهم .

وبنضاله ضد التصفويين ، دافع جيورجي ديمتروف عن المفهوم اللينيني حول ضرورة الحفاظ على الحزب وتقويته، بإعتباره القوة الرئيسية القائدة للطبقة العاملة والتي تتلخص مهمتها في توجيه النشاطات المتعددة للجماهير وجهة ثورية . وأدرك ضرورة دمج العمل السري مع النشاطات العلنية المشروعة وحدد خصائص ومهمات حزب العمال العلني الذي كان مقررا تأسيسه . إن هذا الربط يين العمل السري والعلني ينطلق من طبيعة الحزب كطليعة للبروليتاريا . فبعد أن أجبر الحزب على العمل السري توجب عليه أن يجد الطرق والوسائل التي تكفل له الإتصال بالجماهير ، وتمكنه من الإستمرار بعمله للتوعية في صفوفها وبنشاطه الهادف الى تنظيمها .
في أوائل 1924 ، قدًم ديمتروف توصية الى اللجنة المركزية طالب فيها بإعادة تنظيم الحزب بالطرق السرية ، وفي الوقت نفسه إقامة منظمة سياسية علنية للطبقة العاملة وبهذه الفكرة تبلورت فكرة تشكيل حزب علني من التصفويين .

إن وجهات نظر ديمتروف وقيادة الحزب حول ضرورة الربط بين النشاط السري وبين اشكال وطرق العمل العلني ، لم تلقَ التأييد من قبل البعض من ذوي النزعات “ اليسارية “ . ورغم معارضة هولاء ، إتخذت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري بالأغلبية قرارها بتأسيس حزب علني للطبقة العاملة وتمً الإعلان عن تأسيس منظمة جديدة تحت اسم ( حزب العمل ) ، وجرى حظرها بعد عدة شهور من تأسيسها حسب القوانين الفاشية . ومع ذلك فقد ساعدت هذه المنظمة العلنية العمال على تحريك وتعبئة الشغيلة ، وافشلت محاولات التصفويين في إقامة حزب علني خاص بهم وجذب جماهير الطبقة العاملة اليه ، الأمر الذي ادى الى عزل التصفويين عن حركة الطبقة العاملة البلغارية .

وطرحت اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية على بساط المناقشة تقييما لإحداث حزيران ( يونيو ) وايلول ( سبتمبر )في بلغاريا وسياسة الحزب الشيوعي البلغاري الجديدة . ولهذا غادر ديمتروف فيينا متوجها الى موسكو في كانون الثاني ( يناير ) 1924 ، ليشارك في المناقشات التي تجري هناك حول مشاكل الحزب . ونالت القضية البلغارية إهتماما كبيرا ليس من قبل اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية فحسب ـ بل وكانت موضع إهتمام بالغ من قبل الأحزاب الصديقة ايضا . ففي القرارات التي إتخذتها اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية في كانون الثاني ( يناير ) 1924 ، ادانت السياسة الإنتهازية لحياديي التاسع من حزيران ( يونيو )1923، واكدت على اهمية إنتفاضة ايلول ( سبتمبر ) لتطور الحركة الثورية في بلغاريا ، كما وحددت إتجاهات نشاط الحزب المقبلة وصادقت على سياسة الحزب في التحضير لإنتفاضة جديدة .

كان ديمتروف في موسكو عند الإعلان عن وفاة لينين المبكرة ، واحسً بالخسارة الكبيرة التي المت بجميع الشيوعيين والشغيلة في انحاء العالم لفقدان هذا المفكر الفذ والقائد البروليتاري العظيم . وكان ديمتروف ضمن وفد اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية التي رافقت جثمان لينين من غوركي الى موسكو .
وفي المقالات والمحاضرات التي كتبها في تلك الأيام ، أشار ديمتروف الى عظمة افكار لينين ، التي إنتشرت في البلقان وجميع انحاء العالم ، وكانت بمثابة النجم الهادي في النضال من اجل تحرير العمال والفلاحين . وقد إستفاد ديمتروف شخصيا من تلك الأفكار الثورية وإعتمدها مرشدا في نشاطاته المتعددة الجوانب . وبإيمان راسخ في صحة الأفكار اللينينية حول تحالف العمال والفلاحين ، عمل ديمتروف جاهدا لتحقيق وحدة العمل بين الشيوعيين والمزارعين . ففي موسكو إلتقى ديمتروف مع ممثلي إتحاد المزارعين البلغار في المنفى وتمخضت المحادثات بينهم عن التوقيع على وثيقة للحزب الشيوعي البلغاري وإتحاد المزارعين البلغار تحدد المهام المشتركة الماثلة امام المنظمتين وقعها عن الحزب الشيوعي البلغاري فاسيل كولاروف وجيورجي ديمتروف . وبعد ذلك عاد ديمتروف الى فيينا عن طريق برلين وبراغ وأطلع الشيوعيين البلغار بالقرارات التي إتخذتها اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية . وإنعقد للفترة من 3 ـ 4 آذار (مارس )1924 كونفرنس حزبي برئاسة ديمتروف حضره ممثلون عن الشيوعيين البلغار في المنفى . وإستقبل اعضاء الكونفرنس قرارات اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية بقناعة كبيرة وأكدوا على صحة هذه القرارات وفائدتها لحل جميع المشاكل داخل الحزب ولإزالة العقبات التي إعترضت طريق إستعادة وحدته .

وخلال الفترة من 17 ـ 18 ايار ( مايو ) 1924، انعقد الكونفرنس السري الأول للحزب في جبل “ فيتوشا “ في بلغاريا وفيه توحدت منظمات الحزب الشيوعي البلغاري وإلتفت حول راية سبتمبر الثورية واقرًت إنتهاج سياسة الكفاح المسلح والتحضير لإنتفاضة مسلحة جديدة ، ولهذا وبعد الكونفرنس إنصب عمل الحزب على الإستعداد السياسي والعسكري والفني للإنتفاضة ، وتمً بناء منظمة عسكرية واسعة وشُكلت وحدات قتالية . وأعاد الكونفرنس إنتخاب جيورجي ديمتروف للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري . وعند دراسته المتعمقة لإتجاهات النشاط الحزبي اللاحق أشار ديمتروف الى خطر الأعمال المتطرفة واكدً على اهمية العمل بين الجماهير وضرورة إيلائه مركز الصدارة بين نشاطات الحزب المختلفة . وتدارست اللجنة المركزية قضية تنظيم الإنتفاضة المسلحة الجديدة في خريف 1924 . وبصدد هذه القضية ، قدًم فاسيل كولاروف وجيورجي ديمتروف ومناضلون آخرون تحليلا مفصلا للأوضاع في بلغاريا وتوازن القوى الطبقية فيها وخلصوا الى الإستنتاج بأن الأوضاع في صالح العدو وان الوضع العالمي غير مناسب للقيام بالإنتفاضة المسلحة . وبناء على ذلك قدًم ممثلو الحزب في المنفى إقتراحا بتأجيل موعد الإنتفاضة وتمً إقراره من قبل قيادة الحزب ، إلا أن قيادة الحزب فشلت لاحقا في فهم الأوضاع داخل البلاد فهما واقعيا . فبدلا من التمسك بقرار تأجيل الانتفاضة وإعتماد سياسة التراجع المنظم وإستجماع القوى والعمل بين الجماهير، سيما وان الحركة الثورية كانت تعيش حالة إنحسار مستمر ، نجد قيادة الحزب تستأنف النشاط التحضيري للأنتفاضة .

وفي هذا الظرف الذي بدأت الحكومة الفاشية تصعًد من اعمالها الإنتقامية الوحشية ضد الحركة الثورية، طالب بعض العاملين في الحزب ومنظمته العسكرية بمقاومة إرهاب السلطة بالعنف الجماهيري . إلا أن ديمتروف بذل جهودا كبيرة لحماية الحزب الشيوعي البلغاري من هذه الميول “ اليسارية “ المتطرفة وحاربها بكافة الوسائل الممكنة ، إبتداءا من الرسائل التي وجهها الى قيادة الحزب في الداخل وإنتهاءا باللقاءات الشخصية التي اجراها في فيينا مع سكرتيري اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري ، ستانكي ديمتروف وإيفان مونييف ومع رئاسة إتحاد شيوعيي البلقان وكذا إتصالاته بالصحافة وغيرها .

وفي رسالة الى كولاروف كتب ديمتروف يقول : ” هناك ميلا داخل صفوف شعبنا الى الأعمال الإرهابية الفردية ، الأمر الذي يشكل خطرا كبيرا ينبغي مقاومته بحزم . ” وفي آذار ( مارس ) 1925 ، غادر ديمتروف الى موسكو للإشتراك في الكونفرنس مع كولاروف ، ستانكي ديمتروف وممثلين عن اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية ونوقش فيه وللمرة الثانية ، وضع بلغاريا الداخلي والعالمي . واوصى الكونفرنس الحزب الشيوعي البلغاري بالتخلي عن سياسته في التحضير للإنتفاضة المسلحة ، والعمل بين الجماهير التي ينبغي عليه قيادة نضالها لتلبية إحتياجاتها الآنية .
ورغم كل ذلك عجزت قيادة الحزب الشيوعي البلغاري عن معالجة امر الإنحراف اليساري داخل المنظمة العسكرية التابعة للحزب .وإستمر الإنحراف اليساري المتطرف في صراعه غير المتكافيء مع الفاشية وواصل مواجهته للعنف الفاشي بأعمال ارهابية فردية كان آخرها التفجيرات التي قام بها في الحشد الذي نظمه الفاشيون في شارع “ كنيسة نيديلاي “ في صوفيا في 16 نيسان ( ابريل ) 1925والذي كان من المتوقع ان يحضره الملك .وإتخذت الحكومة الفاشية هذا الهجوم بالقنابل ذريعة لقتل عدد من الشيوعيين والمزارعين من اعضاء الجبهة الموحدة .

وعبرً جيورجي ديمتروف عن موقفه حيال هذه التفجيرات وحمام الدم الذي أريق بسببها ، من خلال البيانات التي اصدرها ممثلو الحزب في المنفى، وإتحاد شيوعيي البلقان التي لم ترفض اساليب النشاط الإرهابي الفردي فحسب ، بل وادانت بقوة نظام “ شانكوف “ الذي دفعت وصيته بأعضاء المنظمة العسكرية للقيام بتلك الأعمال اليائسة ، كما وناشد ديمتروف البروليتاريا في جميع البلدان الإحتجاج على الأعمال الإنتقامية الوحشية التي قام بها القتلة من مرتزقة “ شانكوف “ ضد المناضلين الثوريين .
وفي مجرى هذا الصراع الدامي فقد الحزب الشيوعي البلغاري والجناح اليساري في إتحاد المزارعين البلغار والإتحادات النقابية الثورية والمنظمات الجماهيرية للطبقة العاملة ، افضل الكوادر ودخلت الحركة الثورية في مرحلة عصيبة . إلا أن الحزب الشيوعي البلغاري إستطاع أن يرسم الطريق الصائبة لنشاطه المستقبلي وأن يُعيد بناء منظماته المبعثرة من جديد على اسس بلشفية بفضل الدروس التي إستخلصها من مسيرته النضالية السابقة .

وفي 17 كانون الأول ( ديسمبر ) 1925 ، تمً إنتخاب جيورجي ديمتروف سكرتيرا لهيئة رئاسة إتحاد شيوعيي البلقان ، ومن هذا الموقع المسؤول ناضل ديمتروف من ان اجل ان يوفر للإتحاد الظرف الذي يتيح له فرصة النهوض بوظيفته على اكمل وجه ، مما عجًل في عملية تطوير وإندماج الأحزاب الشيوعية البلقانية وتنسيق نشاطاتها . ودعى ديمتروف هذه الأحزاب الى قيادة نضال العمال والفلاحين في بلدان البلقان . وعند تعيينه ممثلا للمكتب التنفيذي للبروفنترن في البلقان ، إستطاع ديمتروف أن يلمس عن كثب تقدم الحركة النقابية في البلقان ، وحرص على الإتصال المستمر مع المنظمات المحلية .

وواصل إتحاد شيوعيي البلقان عمله بهدوء وفاعلية في المجالين التنظيمي والسياسي . وكشخصية مركزية في هيئة الرئاسة ، نهض ديمتروف شخصيا بمعظم المسؤوليات ، من توجيه نشاطات هيئة الرئاسة ووضع مسودات وثائق الإتحاد والإشراف على تحريرها وتحرير المراسلات مع اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية والأحزاب البلقانية .

لقد عاش ديمتروف وناضل في ظروف صعبة مع بقية المناضلين العاملين في هيئة رئاسة اتحاد شيوعيي البلقان وممثلي الحزب الشيوعي البلغاري في المنفى .كانوا جميعهم يعيشون تحت طائلة التهديد والملاحقة من قبل البوليس النمساوي ، وكانوا يخشون أن تنكشف تنظيماتهم لعملاء البوليس السري التابع لدول بلقانية اخرى . كان الشيوعييون النمساويون واعضاء رابطة الشباب الشيوعي يمدون لهم يد المساعدة في الوصول الى الأماكن التي يصعب على الغريب وصولها دون أن يثير شكوك المواطن النمساوي . وبدوره قدًم ديمتروف المساعدة الفعالة للحزب الشيوعي النمساوي .ففي نيسان ( ابريل ) 1924 ، إنتدبت اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية ديمتروف لتمثيلها لدى الحزب الشيوعي النمساوي ، فشارك بإسم مستعار “ اوزوالد “ في جلسات اللجنة التنفيذية لهذا الحزب وقدًم لها المساعدة الضرورية للتغلب على النزاعات داخلها والإنشقا ق داخل صفوف الحزب وابلغ اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية بذلك . وقد تطلب ذلك من ديمتروف عزيمة لاتلين وخبرة واسعة وتمسك ثابت بالمباديء ويوم عمل طويل . وقد تحمل القائد الثوري كل هذه الاعباء ليخدم قضية الطبقة العاملة ، القضية التي كرس لها ديمتروف كل حياته .

اصبح ديمتروف واحدا من ابرز المناضلين في الحركة الشيوعية العالمية. ففي صيف 1924، شارك في اعمال المؤتمر الخامس للكومنترن في موسكو ممثلا عن الحزب الشيوعي البلغاري وإتحاد شيوعيي البلقان وساهم في عمل لجان المؤتمر السياسية ، التنظيمية ، النقابية ولجنة المستعمرات البولونية ، الانكليزية والنمساوية .وفي هذا المؤتمر تمً إنتخابه عضوا مرشحا للجنة التنفيذية للأممية الشيوعية . كما ساهم ديمتروف في اعمال المؤتمر الثالث للبرفنترن الذي إنعقد في الفترة نفسها وأنتخب عضوا في هيئة الرئاسة ، وشارك في اعمال اللجان الانكليزية والألمانية وأُعيد إنتخابه مرة اخرى عضوا في المكتب التنفيذي للبرفنترن . وشارك ديمتروف ايضا وبنشاط في اعمال الكونفرنس السابع لإتحاد شيوعيي البلقان الذي عُقد في تموز ( يوليو ) 1924 .

وفي ربيع 1925 ، أُنتدب ديمتروف الى الدورة الموسعة الخامسة للجنة التنفيذية للاممية الشيوعية ، وبعد هذه الدورة عُين في جهاز اللجنة التنفيذية للاممية الشيوعية . فشارك في في دورات هيئة رئاسة اللجنة التنفيذية للاممية الشيوعية وأمانة سرها واسهم في التحضيرات للجلسات الموسعة للجنة التنفيذية ووضع مسودات الرسائل والوثائق للهيئات القيادية للاممية الشيوعية . وفي شباط ( فبراير ) ــ آذار ( مارس ) 1926 ناقشت الدورة السادسة للجنة التنفيذية للاممية الشيوعية مهمات الأحزاب في النضال من اجل وحدة الحركة النقابية العالمية والوضع الداخلي لعدد من اقسام الاممية الشيوعية ومن ضمنها القسم الالماني . وفي هذه الدورة قدُم ديمتروف تقريرا حول حل المسألة الالمانية ، وحذًر من نشاط اليسار المتطرف ، وطرح الموضوعة القائلة بعدم وجود سبيل لتطور الحزب الشيوعي الالماني وتحويله الى حزب جماهيري بروليتاري إلا بتخليصه بصورة كلية من الإنحراف اليساري ، الذي يشكل في ذلك الوقت الخطر الرئيسي على الحزب . وفي هذا السياق قاوم ديمتروف بشدة محاولة المجموعات البرجوازية الصغيرة الرامية لتقويض وحدة الحركة الشيوعية العالمية .

وبعد الدورة السادسة تمً تشكيل لجان دائمة سُميت ( سكرتاريات الأقاليم ) تابعة للسكرتارية السياسية للجنة النتفيذية للاممية الشيوعية ، تنحصر مهمتها في معالجة القضايا المتعلقة بنشاطات مجموعة من اقسام الكومنترن . واصبح ديمتروف مسؤولا عن سكرتارية بولندا والبلطيق التي تضم الاحزاب الشيوعية في كل من بولندا ، فنلندا ، لاتفيا ، لتوانيا ، استونيا . وقاد ديمتروف إجتماعات السكرتارية التي كُرست لمعالجة القضايا الرئيسية من قبيل مخاطر الفاشية والاوضاع الداخلية لبلدان البلطيق ومهمات الأحزاب في هذه البلدان .

وكعضو في سكرتارية الاقاليم البلقانية واصل ديمتروف عمله المنتظم فيها لفترة من الوقت ، بعدها أُنتدب ممثلا عنها في هيئتها التنفيذية . وخلال الفترة من 1926 وحتى نهاية 1928 ، إندمجت هيئة رئاسة إتحاد شيوعيي البلقان بسكرتارية الاقاليم البلقانية في موسكو ، فتصبح هذه الأخيرة الهيئة القيادية للإتحاد المذكور ويبقى محتفظا بسكرتارية له في فيينا تتألف من ممثلين عن الاحزاب الشيوعية البلقانية الداخلة فيه ، إلا أن صلاحيات هذه السكرتارية كانت محدودة .

وعلى مدى سنوات عديدة كان ديمتروف قائدا موجها للنشاط النقابي الطبقي في بلغاريا بحكم الخبرة الواسعة التي إمتلكها في هذا المجال ، وظلًت تشغله مسألة الوحدة النقابية . ومن موقع مسؤولياته الجديدة ، ناضل ديمتروف من اجل تحقيق سياسة الكومنترن والبروفنترن في إقامة منظمة موحدة تحت راية الصراع الطبقي ، واوصى العمال ان يبذلوا كل طاقتهم في سبيل تحقيق وحدة الحركة العمالية وناشدهم لتشكيل لجان موحدة تضم ممثلين عن مختلف مراكز الإتحادات النقابية في المدن والمعامل الكبيرة لتتزعم هذه اللجان النضال الآني من اجل الوحدة ، وان تقوم بالدعاية لفكرة عقد مؤتمر للتوحيد .ونصح ديمتروف الإتحادات النقابية المختلفة بالعمل سوية للدفاع عن مصالح العمال وذلك بتشكيل الوفود المشتركة لتقديم المطاليب وتوحيد قيادة كافة الإضرابات ، وكتب يقول : ” ينبغي عدم التخلي عن اية فرصة وأن تُستثمر كافة اشكال التنظيم لكسب العمال سواء المنتظمين منهم في إتحادات نقابية أو غير المنتظمين ، وخلق اجواء من الصداقة بينهم للتحرك سوية ضد العدو المشترك.”

ولعب ديمتروف دورا بارزا في النضال للدفاع عن وحدة الحركة الشيوعية العالمية . وفي خريف 1926 ، قضى ديمتروف بعض الوقت في برلين وفيينا واجرى مقابلات وحوارات مع الشيوعيين الالمان والنمساويين والشيوعيين الآخرين بصدد المصاعب الجديدة التي برزت بشكل غير متوقع في الحركة الشيوعية واصبح من الضروري التغلب عليها . وتمثلت هذه المصاعب في ظهور المعارضة التي قادها تروتسكي داخل الحزب الشيوعي السوفياتي والتي إتحدت مع تيارات المعارضة في الاحزاب الشيوعية الأخرى . وتشكًلت من هذه التيارات زمرا إنشقاقية داخل الحركة الشيوعية العالمية ، واكًد ديمتروف على ضرورة أن يأخذ النضال ضدها طابعا عالميا لأن هذا النضال من اجل وجود الاممية الشيوعية .

وفي الإجتماع الكامل والموسع للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري الذي عُقد في 1926 في فيينا ، قدًم ديمتروف تقريرا حول نشاطات اللجنة التنفيذية للاممية الشيوعية والوضع داخل الحزب الشيوعي السوفياتي ( البلشفي ) . كما وجًه رسالة مطولة الى اللجنة التنفيذية للاممية الشيوعية عبًر فيها عن قلقه وامله في إتخاذ الأجراءات اللازمة لتقوية الحركة الشيوعية العالمية ، ونصح جميع الاحزاب الشيوعية لتعبئة جهودها لتحقيق وحدتها . وعبًر إجتماع الجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري في فيينا عن تأييده لقرارات المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي السوفياتي ( البلاشفة ) الذي اقًر المبدأ اللينيني القائل بإحتمال بناء الإشتراكية في بلد واحد ، ووافق على جميع الإجراءات التي إتخذها الحزب الشيوعي السوفياتي ( البلاشفة ) ضد “ المعارضة الجديدة “ التي إتحدت مع التروتسكيين في صيف 1926 . وأدان الحزب الشيوعي البلغاري نشاطات المعارضة وأكدً على أن المصلحة الحقيقية للاممية الشيوعية هي إستعادة الوحدة بأسرع ما يمكن . وقدًم الحزب الشيوعي البلغاري وديمتروف عضوا فيه ، عرضا للاوضاع العالمية يصب في إتجاه إستنتاجات الاجتماع السابع للجنة التنفيذية للاممية الشيوعية .
ومنذ كانون الثاني ( يناير ) 1927 ، كان ديمتروف يمارس واجباته في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري وإتحاد شيوعيي البلقان ومحررا في صحيفة الحزب النظرية كومونيستشكوزنام

وتركز إهتمام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري على مسائل موضوعية مثل إقامة منظمات علنية كحزب العمال ، وإتحاد الشبيبة العمالية ، وتوحيد العمال والفلاحين والفئات الأخرى من الشغيلة في جبهة عمل ، وتوثيق العلاقات مع إتحاد المزارعين البلغار والنضال بصلابة خلال الإنتخابات البرلمانية في 29 ايار ( مايو ) 1927 وتنظيم مسيرة الأول من مايو والتحضيرات للمؤتمر الثاني للحزب … الخ .

لقد عمل جيورجي ديمتروف جاهدا في كل هذه المسائل ، فقدًم مسودات التوجيهات والتعليمات الى اللجنة التنفيذية في بلغاريا ، وتقريرا للجنة المركزية حول الوضع السياسي ومهمات الحزب ، والوضع العالمي ، والحركة الوطنية الثورية في البلقان . وكتب رسائل وتقارير وأجرى لقاءات مع رفاق الحزب من بلغاريا وأقطار البلقان الأخرى ، كونه مسؤولا عن سكرتارية إتحاد شيوعيي البلقان في فيينا . لقد كانت إحدى مهمات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري الملحًة هي التحضير لمؤتمر الحزب الذي عُقد في برلين للفترة من 8 كانون الأول ( ديسمبر ) الى 15 كانون الثاني ( يناير ) 1928 . وكانت الوثيقة الرئيسية في المؤتمر هي تقرير اللجنة المركزية للحزب الذي تلاه ديمتروف متناولا فيه تطور ومهمات الحزب بعد احداث 9 حزيران ( يونيو )1923 ومسلطا الضوء على عدد من مشاكل الحزب الماضية . ودارت نقاشات مطولة حول هذا التقرير من قبل المساهمين في المؤتمر إنتهت في 28 كانون الثاني ( ديسمبر ) بالخطاب الختامي لديمتروف .
فقد كان المؤتمر وقفة جادة وضرورية لتحليل وتقييم ماضي الحزب ، وشكًل خطوة كبيرة الى الأمام مقارنة بالمؤتمر الذي عُقد في موسكو عام 1925 ومقارنة بالاجتماع الكامل للحنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري الذي عُقد في فيينا عام 1926 . ومع ذلك فالخلافات الجذرية العميقة بين الجناح “ اليساري “ للإشتراكية والجناح اللينيني لم تبرز بشكل كبير وجرى التشديد على النقاط المشتركة .

وإستمر الجدل حول القضايا التي تتعلق بماضي الحزب لفترة طويلة بعد المؤتمر مما أبطأ عملية بلشفة الحزب الشيوعي البلغاري وأعاق تقدمه .إضافة الى ذلك ان بعض النشاطات ذات الطبيعة “ اليسارية “ التي إعتمدت على مواقف متطرفة في نقد عدد من الممارسات التاريخية للإشتراكية الديمقراطية ، وصنًفت كل جناح يساري إشتراكي سابق في خانة الإنتهازية ، بكل هذه النشاطات اضًرت بالحزب واضعفت من جهاديته وإرتباطه بالجماهير .

لقد أكدً مؤتمر الحزب على ضرورة تعزيز الدور القيادي للحزب الشيوعي البلغاري بين الجماهير ، سيما وبدأ نهوضا جماهيريا جديدا . وإنتخب المؤتمرلجنة جديدة يعمل غالبية اعضائها داخل البلاد رغم ظروف العمل السرية الصعبة ، وثلاثة من اعضائها فقط في الخارج ، حيث شكلوا مكتبا للحزب في المنفى و على رأسهم ديمتروف .

لقد ساعد جيورجي ديمتروف في تطوير الاحزاب الشيوعية والحركة الثورية في الاقطار الأخرى ونهض بهذه الوظيفة بصورة دائمة بالنسبة لإحزاب بلدان البلقان وللحزبين النمساوي والالماني كونه ملما بشكل جيد بأوضاع هذه الاحزاب . كما تابع عن كثب التطورات السياسية في النمسا ، وفي ضوء تحليله لنتائج الإنتخابات البرلمانية التي جرت في البلاد عام 1927، توصل الى عدد من الإستنتاجات المتعلقة بتهديد الفاشية أوجزها في عدد من الموضوعات التي ارسلها الى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي النمساوي . وعلى اساس إستنتاجاته هذه ، أكدً ديمتروف ان الرأسمال الكبير يقترب اكثر واكثر من الفاشية نظرا للوضع القائم وتوازن القوى في البلد المذكور . وعلى البروليتاريا النمساوية أن تسرع دون تأخير بتعبئة قواها الطبقية وتنظيماتها لشن تضال حازم ضد الفاشية . كما طالب الحزب الشيوعي النمساوي بضرورة حظر جميع المنظمات الرجعية ونشاط العناصر الفاشية واكدً على ضرورة إزاحتها من جهاز الحكومة وضرورة الشروع بتسليح العمال ، كما قدًم إقتراحا الى الحزب الإشتراكي يدعوه فيه الى النضال المشترك ضد الهجوم الفاشي .
وفي رسالتين بعث بهما الى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي النمساوي ،عبرً فيهما عن تضامنه وتضامن البروليتاريا الثورية في البلدان الأخرى مع ضحايا احداث فيينا في يوليو 1927 وفي هاتين الرسالتين شرح ديمتروف المهمات الكبيرة والشاقة التي تنتصب امام الحزب الشيوعي النمساوي ، و نصح الحزب بتنظيم حملة للدفاع عن الضحايا وإدانة إضطهاد العمال والمنظمات موضحا الدرس الرئيسي الذي يجب تعلمه من هذه الأحداث وهو بناء وحددة الطبقة العاملة . كما ونصح ديمتروف الحزب الشيوعي النمساوي بتنظيم لجان عمالية في كل انحاء البلاد للنضال المشترك ضد الرجعية ومن اجل الوجود العلني للحزب ، وقدًم معايير دقيقة لتدريب الحزب على العمل السري . وإقترح على الحزب الشيوعي النمساوي إتخاذ إجراءات عاجلة ضد مظاهر الإنهزامية أو اية اعمال إرهابية فردية مغامرة قد تجري خلال مقاومة الهجوم الرجعي .

ومن على منبر المؤتمر الرابع للبروفنترن الذي عُقد في موسكو من 17 آذار ( مارس ) الى 8 نيسان ( ابريل ) 1928 ، تحدث ديمتروف بإسهاب عن تنامي خطر الفاشية وضرورة النضال ضده وناشد الطبقة العاملة إتخاذ مواقف حازمة وصرًح قائلا : ” ان الفاشية هي العدو اللدود للبروليتاريا والإتحادات النقابية ، لذا من الواجب ان يكون النضال ضدها عنيدا وبلا رحمة حتى النهاية المظفرة ، ولا يمكن ان يكون هناك صلح بين الحركة النقابية والفاشية . ” ( 1 )

وفي هذا المؤتمر أُعيد إنتخاب جيورجي ديمتروف الى عضوية المجلس المركزي واللجنة التنفيذية للبروفنترن . وبعد عودته الى النمسا والمكوث فيها لإقل من شهرين ، غادر الى موسكو عبر عدة اقطار اوربية لحضور المؤتمر السادس للكومنترن . وشارك مع 66 حزبا ومنظمة بروليتارية بجلسات هذا المؤتمر التي إستمرت من 17 تموز ( يوليو ) حتى الأول من ايلول ( سبتمبر ) 1928 .
وفي خطابه الى المؤتمر في 16 آب ( اغسطس ) 1928، تحدث ديمتروف بإسهاب عن التناقضات المتفاقمة للرأسمالية وعن تنامي خطر الحرب وأدان اي إستخفاف بهذه المخاطر . إن الخطر الرئيسي ، كما أشار ديمتروف يكمن في إمكانية شن الحرب ضد الإتحاد السوفياتي ، بلد الإشتراكية . ومن هنا تبرز المهمة الاساسية التي تتلخص في ربط النضال ضد الحرب مع النضال من اجل الدفاع عن إتحاد الجمهوريات السوفياتية الإشتراكية . واكدً على ضرورة ربط الحملة المعادية للحرب بالنضال الشامل ضد الهجوم الرأسمالي ، والدفاع عن المصالح الآنية للعمال والفلاحين وشغيلة الفكر . واولى ديمتروف اهمية كبيرة لمسألة إضعاف معنويات الجيش ، إضافة الى تعزيز تأثير الاحزاب الشيوعية في صفوف البروليتاريا في الريف ، وبين الفلاحين الفقراء والمتوسطين ،الذين هم المصدر الرئيسي للتجنيد في الجيش . وأشار في حالة إندلاع حرب امبريالية جديدة ، فالمهمة الرئيسية للبرولبتاريا الثورية وطليعتها الشيوعية هي ان تحول هذه الحرب الى حرب اهلية ــ لإنتصار الثورة البروليتارية و فرض حظر عام على كافة الحروب .

وعلى اساس الآراء التي طرحها ديمتروف حول الوضع العالمي ، رسم المؤتمر السادس للكومنترن مهمات الحركة الشيوعية العالمية ، ومن ضمنها الاحزاب الشيوعية البلقانية . وناقش ديمتروف في خطابه الوضع في اقطار البلقان والمهمات الرئيسية للاحزاب الشيوعية فيها وتعاونها مع بعضها البعض ، لذا نجده يؤكد على ضرورة تقوية إتحاد شيوعيي البلقان وإسناد نشاطه . ومن على منبر الكونفرنس الثامن لإتحاد شيوعيي البلقان ، الذي عُقد في موسكو أوائل ايلول ( سبتمبر ) 1928 جدد تأكيده مرة اخرى على هذه الضرورة ودعا الى تعزيز نشاطات الإتحاد وتنظيم العمل والنضال المشترك للاحزاب الشيوعية البلقانية . وشارك في هذا الكونفرنس ممثلون عن الأحزاب الشيوعية في يوغسلافيا ، رومانيا ، اليونان ، بلغاريا ، سكرتارية اللجنة التنفيذية للاممية الشيوعية في البلقان وعصبة الشباب في اقطار البلقان . وساهم ديمتروف في اعمال الكونفرنس كعضو في الوفد البلغاري .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) ج ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 8 ص 348


إبتداءا من عام 1929 ولفترة لاحقة ، اصبحت برلين مركزا لنشاطات ديمتروف الثورية من خلال المكتب الذي شكله الحزب الشيوعي البلغاري في المنفى إضافة الى المكتب التنفيذي لإتحاد شيوعيي البلقان والذي اصبحت برلين مقرا لقسمه القيادي وأُنتخب ديمتروف في منصب السكرتير السياسي . وكانت إحدى مهماته الأولى هي تنظيم حملة إحتجاج في كل دول البلقان ضد الديكتاتورية في يوغسلافيا التي أُقيمت في 6 كانون الثاني ( يناير ) 1929 ومن ثم ضد إغتيال يوروياكويك ، السكرتير التنظيمي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوغسلافي ونيقولا مليسيموفك ، سكرتير منظمة الإغاثة الحمراء في يوغسلافيا . وبخصوص الإضرابات الواسعة في بلغاريا ، رومانيا ، اليونان ، ناشد ديمتروف العمال تضامنهم المادي والمعنوي للمضربين . وكتب ديمتروف بهذا الصدد : ” أن ذلك لايسند الروح النضالية للمضربين فقط ، بل ويساعد على التثقيف بأهمية تطوير وتقوية التماسك البروليتاري الطبقي “ ( 2 )

وبالإضافة الى مساعيه من اجل تحقيق الوحدة ، إنشغل ديمتروف بالتحضيرات لإحتفالات الأول من ايار ( مايو )، اليوم العالمي للنضال ضد الحروب الإمبريالية ، والتحضير للإحتفالات التي تمجد الذكرى السنوية لثورة اكتوبر الإشتراكية العظمى ، كما إنشغل بتأمين عملية إشراك مندوبين من اقطار البلقان في عدد من المرتمرات العالمية ، مثل مؤتمر معاداة الفاشية العالمي ( إنعقد في برلين ، آذار ( مارس ) 1929 ومؤتمر عصبة معاداة الامبريالية ( إنعقد في فرانكفورت ، تموز ( يوليو ) 1929 ومؤتمر الفلاحين الاوروبي ( إنعقد في برلين ، آذار ( مارس ) 1930 ) … الخ وفي رسائله التي وجهها للجان المركزية للاحزاب الشيوعية البلقانية ، شرح ديمتروف اهمية هذه الاحداث العالمية ، وأشار الى ضرورة تنظيم حملات واسعة للمشاركة في هذه النشاطات ، وإرسال مندوبيهم الى هذه المؤتمرات .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2 ) ج ديمتروف ، الرسائل 1905 ــ 1949 ص 187


وإستمر ديمتروف بتأمين الإتصال بين المكتب التنفيذي لإتحاد شيوعيي البلقان ومكتب اوربا الغربية للاممية الشيوعية الذي أُقيم لتعزيز العلاقات بين الكومنترن وشعبه في اوربا الغربية ، وعُين ديمتروف عضوا فيه . وفي نيسان ( ابريل ) 1929 اصبح رئيسا لهذا المكتب وإحتفظ بهذا المنصب حتى بداية 1933 . وعلى مدى هذه السنين الأربع قام جيورجي ديمتروف بنشاطات واسعة رغم الرقابة الصارمة المفروضة عليه من قبل السلطات الالمانية .
لقد عاش ديمتروف في مختلف مناطق وضواحي برلين بأسماء مستعارة مثل الدكتور سافسام ، الدكتور رودولف هيدجر وكان يتطلب منه التطواف في المانيا واوربا ، فقام بزيارة ميونخ ، درسدن ، لايبزغ ، فرانكفورت بالإضافة الى موسكو ، فيينا ، براغ ، بروكسل ، امستردام ، بازل ، سترازبورغ وباريس . وكانت زياراته العديدة الى الإتحاد السوفياتي تملأه بهجة وإعجابا لرؤية البناء الإشتراكي الخلاق ، اما الحماس والقوة التي لاتنضب للشعب السوفيتي ، فكانت مصدرا لزيادة ثقته بنفسه .

وقد تزامنت الأزمات الإقتصادية العالمية والزخم الثوري لسنوات 1929 ـ 1933 مع الفترة التي كان ديمتروف يعمل فيها بنشاط في مركز اوربا الرأسمالية لتقوية الحركة الشيوعية وتعبئة الجماهير في النضال ضد الفاشية والحرب ، والإضطهاد الامبريالي . فكان على صلة ب 25 حزبا شيوعيا اوروبيا وعدد كبير من المنظمات الجماهيرية العالمية وساهم في تطويرها تنظيميا ، ايديولوجيا ،وسياسيا وفي تصليب وحدتها وتماسكها .

وتمكن ديمتروف من دراسة الوضع في اقطار اوربية ونشاطات احزابها الشيوعية عن قرب ، وكان على صلة بقيادات هذه الأحزاب ويشارك في إجتماعاتها ومؤتمراتها وكونفرنساتها . وينفذ ديمتروف بنشاطه هذا توجيهات اللجنة التنفيذية للاممية الشيوعية ويزودها بالمعلومات الضرورية عن تلك الاحزاب ، وإنتدبت اللجنة التنفيذية للاممية الشيوعية ديمتروف الى المؤتمرالثاني عشر للحزب الشيوعي الالماني في برلين في حزيران ( يونيو ) 1929 والى المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي النمساوي في فيينا ، والى الكونفرنس للحزب الشيوعي الهولندي في امستردام في حزيران ( يونيو ) 1931، بالإضافة الى الإجتماعات الكاملة للجان المركزية للحزب الشيوعي السويسري في بازل في حزيران ( يونيو ) 1929وللحزب الشيوعي البولندي في تموز ( يوليو )1931 وللحزب اليوغسلافي في اكتوبر 1913 … الخ وكان دائما يتفحص مشاكل هذه الأحزاب بعمق من خلال تحليل الظروف التي تمر بها ، ويساعدها بنصائحه وتوصياته .

ونظًم جيورجي ديمتروف بالتعاون مع مكتب اوربا الغربية للجنة التنفيذية للاممية الشيوعية كونفرنسات ولقاءات للاحزاب الشيوعية ،ناقشوا فيها المشاكل المشتركة وتنسيق النشاطات بينهم ، وعُقدت هذه الكونفرنسات في آذار ( مارس ) وايار ( مايو )1929، اي في الوقت الذي كان يجري فيه التحضير للحملة المعادية للحرب في الأول من آب ( اغسطس) 1931 , وبقيادة ديمتروف إستطاع مكتب اوربا الغربية للجنة التنفيذية للاممية الشيوعية أن يُقيم صلة قريبة بالعديد من المنظمات الجماهيرية وهيئاتها القيادية ومقراتها في برلين ، وان يقدم لها المساعدة في عملها . لقد ضمً مكتب اوربا الغربية اللجنة التنفيذية للشباب الشيوعي العالمي ، سكرتارية البروفنترن ، مكتب المراسلين الصحفيين العالمي ، المكتب الأوروبي لمنظمة الإغاثة العالمية الحمراء ، اللجنة المركزية لمنظمة إغاثة العمال العالمية ، سكرتارية العصبة المعادية للامبريالية والإضطهاد الكولونيالي ، اللجنة الفلاحية الأوربية واللجنة التنفيذية لمنظمة الرياضة العالمية الحمراء ومنظمات اخرى .

وشارك ديمتروف شخصيا في التحضير لمؤتمرات المنظمات الجماهيرية العالمية وفي كونفرنساتها ، محتفظا بصلة دائمة مع مكاتب المجموعات الشيوعية داخل هذه المنظمات . ولدى إنعقاد المؤتمر الثاني لعصبة مكافحة الامبريالية في حزيران ( يونيو )1929 في فرانكفورت شارك ديمتروف في اعمال المؤتمر وأُنتخب الى عضوية اللجنة التنفيذية للعصبة .

وبتوجيه من اللجنة التنفيذية للاممية الشيوعية ، تولى جيورجي ديمتروف مسؤولية تنظيم مؤتمر الفلاحين الأوربي ، من اجل تعبئة الفلاحين الكادحين في النضال المشترك سوية مع الطبقة العاملة ضد ملاكي الأرض ، وضد الاستغلال الرأسمالي والفاشية ومخاطر الحرب . وخلال فترة إنعقاد المؤتمر ، اظهر ديمتروف رباطة جأش ودهاء في التخلص من مضايقات السلطات . ، فمثلا عندما طوًق البوليس البناية التي عُقد فيها مؤتمر الفلاحين الاوربيين وبدأ بتدقيق هويات المندوبين ، استطاع ديمتروف الافلات دون ان يلفت انتباه البوليس .

لقد كانت مهمات مكتب اوربا الغربية والمكتب التنفيذي لإتحاد شيوعيي البلقان غاية في الأهمية لدرجة كان على ديمتروف ان يكرس معظم وقته وطاقته من تنفيذها وهذا اعاقه الى حد معين من المشاركة المباشرة في نشاطات الحزب الشيوعي البلغاري . ولم ينسَ ديمتروف انه يتحمل مسؤولية معنوية تجاه حزبه، لذا طلب إعفاءه من مكتب اوربا الغربية ، لكي يولي إهتمامه الكامل للحزب الشيوعي البلغاري . ولم تتم الموافقة على طلبه مما إضطره للعمل بجهد كبير لربط نشاطاته العالمية بإلتزاماته في عضوية مكتب الحزب الشيوعي البلغاري في المنفى . وفي صيف 1928 تعطل العمل الاعتيادي لهذا المكتب بسفر فاسيل كولاروف وجيورجي ديمتروف الى موسكو كمندوبين للمؤتمر السادس للكومنترن ، اما العضو الثالث في المكتب وهو ب ازكروف فقد تمً القبض عليه وسُجن في فيينا ، إلا أن المكتب إستطاع أن يعاود نشاطه فيما بعد وإجتمع بكامل اعضاءه في برلين في كانون الاول ( ديسمبر ) 1928 ، كما عقد عدة دورات في كانون الثاني ( يناير ) 1929 . وفي مجرى هذه الاجتماعات برزت مجموعة من الخلافات التي تتعلق بماضي الحزب التي لم يكن بمقدورهم حلها فإمتدت لتطال جوهر ستراتيج وتكتيك الحزب . وتمًت مناقشة بعض هذه المشكلات في إجتماع مشترك لمكتب اوربا الغربية والمكتب التنفيذي لإتحاد شيوعيي البلقان إضافة الى مكتب الحزب الشيوعي البلغاري في المنفى وذلك في حزيران ( يونيو ) 1929 . كما دارت مناقشات حادة حول هذه المشاكل في الإجتماع الكامل الثاني للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري الذي عُقد في برلين للفترة بين 15 آب ( اغسطس ) و23 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1929 ، وشارك ديمتروف بدور فعال في اعمال هذا الإجتماع ولم يدخر اي جهد لتوضيح طبيعة الخلافات ليجنب الحزب الإنشقاق في صفوف كوادره والحد من النزاع الفئوي اللااخلاقي الذي اثارته العناصر “ اليسارية “ داخل الحزب الشيوعي البلغاري .
إلا أن الاغلبية في هذا الإجتماع استطاعت ان تفرض مواقعها اليسارية المتطرفة وإنعكست في القرارات التي إتخذها الإجتماع . كان جيورجي ديمتروف وفاسيل كولاروف مع الاقلية . ونظرا لحدة هذه الخلافات ، أُحيلت القضية البلغارية الى هيئة الكومنترن . وفي المشاورات التي تمًت في الكومنترن ،مثًل الحزب الشيوعي البلغاري اربعة رفاق من ضمنهم ديمتروف ، وإستمرت المشاورات التي إستمرت من كانون الاول ( ديسمبر 1929 ولغاية آب ( اغسطس) 1930 .

إن اساس الازمة داخل الحزب الشيوعي البلغاري ، كما كان يراها ديمتروف ، يعود الى محاولة فرض وجهات النظر المتطرفة ، لذا وجه ديمتروف الانظار الى الخطر الذي تهدد به المجموعات “ اليسارية “ المتطرفة تطور الحزب الشيوعي البلغاري ، ودعا الى النضال ضد هذا الخطر من اجل حل الازمة داخل القيادة والحيلولة دون إنتشارها الى صفوف الحزب .

إلا ان الكوادر المتطرفة في الحزب الشيوعي البلغاري استطاعت ان تفوز بتأييد جماعات معينة في جهاز الكومنترن ، الأمر الذي ادى الى فشل محاولات ديمتروف لإثارة الإهتمام الذي تستحقه طروحاته ، بل واخذ البعض ينظر الى هذه الطروحات بإرتياب وكأنها طروحات توفيقية وتمثل تيارا يمينيا .

وبناءا عل القرار الذي إتخذته السكرتارية السياسية للجنة التنفيذية للاممية الشيوعية في آب ( اغسطس ) 1930 ، إنتقل مكتب الحزب الشيوعي البلغاري في المنفى الى موسكو وتمً تعيين فاسيل كولاروف ، ب اوكروف بيلاكون ( ممثل اللجنة التنفيذية للاممية الشيوعية ) اعضاء فيه، بينما اصبح ديمتروف عضوا مرشحا في هذا المكتب وتحددت مهمته في تعزيز الروابط بين المكتب السياسي ومكتب الحزب الشيوعي البلغاري في المنفى وبين الحزب ومكتب اوربا الغربية وكذلك الروابط بين الحزب والاحزاب الشيوعية الاوربية المتآخية والمنظمات العالمية ، بالإضافة الى تنظيم الحملات خارج بلغاريا ضد الديكتاتورية الفاشية وخطرها على البلاد . وكعضو مرشح في مكتب الحزب في المنفى ، بذل ديمتروف جهدا لتنظيم عمله بدقة واسهم في نشاطات المكتب وذلك بتقديم المقترحات والتقارير والملاحظات النقدية دون التستر على اي عيب في العمل أو تلكؤ في إنجاز المهمات وبحماس شديد كان يتخذ المواقف ويقدم المقترحات وينفذ الإجراءات الفورية للمشكلات الملحة .

ورغم كل ذلك ،لم تنجح جهود ديمتروف في حماية الحزب من خطر المواقف التكتلية المتطرفة والديماغوجية . ولبعض الوقت عانى الحزب الشيوعي البلغاري من نفود التكتلية .وناضل بدأب ضد الاسلوب التكتلي في حل مشاكل الحزب وطرح الشعارات ، وضد الاساليب الروتينية في العمل ، والنقل الميكانيكي لتقييمات وآراء الاحزاب الاخرى . وفي رسائله الى اللجنة المركزية ومكتب الحزب في المنفى والى بعض القياديين ، عبًر ديمتروف عن قلقه إزاء وضع الحزب ومصير تطوره البلشفي وقدًم إقتراحات محددة للتغلب على نقاط الضعف في نشاطاته .

وخلال الازمة الاقتصادية ، تنامى خطر نشوب حرب عالمية ثانية ، لذا إتخذ الكومنترن موقفه الذي يدين فيه هذه الحرب وجرت التحضيرات لعقد مؤتمر عالمي من اجل تعبئة القطاعات الواسعة من المجتمع في النضال المعادي للحرب ــ ولعب مكتب اوربا للجنة التنفيذية للاممية الشيوعية وديمتروف نفسه ، دورا فعالا ونشطا في الإعداد لهذا المؤتمر ، ودفع عجلة حركة معاداة الحرب الى الامام .

وإنعقد هذا المؤتمر من 27 حتى 29 آب ( اغسطس ) 1932 في امستردام حيث حضره ممثلون من مختلف الاحزاب والمنظمات ، عن العمال والفلاحين وعن المثقفين والشخصيات السياسية المعروفة . وكان ديمتروف وفرتيز هيكيرت ، المناضل البارز في الحزب الشيوعي الالماني ، هما القيادة المشتركة للمجموعة الشيوعية في المؤتمر . وفي نهاية اعماله إنتخب المؤتمر لجنة عالمية للنضال ضد الحرب وكان ديمتروف احد اعضائها .

وبعد المؤتمر ، وكقائد في مكتب اوربا الغربية ، خطا ديمتروف خطوات ثابتة لتعزيز النضال ضد الحرب . فكان يعطي تعليماته للاحزاب الشيوعية ، ويجري مناقشات واسعة مع ممثلي المجموعات الشيوعية في المنظمات الجماهيرية العالمية حول كيفية تنظيم النضال المعادي للحرب .
وفي النصف الثاني من شهر كانون الاول ( ديسمبر ) 1932 ، غادر ديمتروف الى باريس حيث إنعقد اجتماع اللجنة العالمية للنضال ضد الحرب . وفي هذا الاجتماع ناقش ديمتروف مع الاعضاء الشيوعيين في اللجنة مثل هنري باريوس ، مارسيل كاجن ، بول فايلانت كرتوريد ، نيقولاي شفيرنيك والينا ستاسوفا إضافة الى نشطاء من المانيا ، بريطانيا ـ بلجيكا ـ هولندا واقطار اخرى ، عددا من النقاط الاساسية .

وفي 31 كانون الاول ( ديسمبر ) 1932 ، عاد ديمتروف الى برلين في الوقت الذي بدأت تتفاقم فيه حدة التناقضات الطبقية في المانيا .وكان الحزب الشيوعي الالماني بقيادة القائد البروليتاري الكبير ارنست تيلمان يناضل ضدالقوى البرجوازية والفاشية . فقد كان ديمتروف وتيلمان على إتصال مستمر ـ وكثيرا ما كانا يلتقيان لمناقشة قضايا الصراع الطبقي . ورغم وجوده السري ، كان ديمتروف يشارك في تظاهرات الشوارع وتحشدات العاطلين ويراقب عن كثب مزاج الشغيلة في المانيا .

وفي 20 تموز ( يوليو ) 1932 ، اصدر فون بابن مستشار المانيا قرارا بحل حكومة بروسيا الائتلافية ، وعلى اثر ذلك عُقد اجتماع بين جيورجي ديمتروف وارنست تيلمان وجاك دوكلوس ، ناقشوا فيه بقلق كبير الوضع الجديد . وكتب جاك دوكلوس في مذكراته عن هذا الاجتماع قائلا : ” لاازال اسمع جيورجي ديمتروف وهو يسأل تيلمان فيما إذا كان ممكنا الدعوة الى الاضراب العام بالشكل الذي يساعد على مقاومة حكومة فون بابن . كما ولازلت اسمع تيلمان وهو يشرح بان ذلك صعبا ومستحيلا “ ( 1 ) وإقترح الحزب الشيوعي الالماني القيام بإضراب إحتجاجي شامل ضد الانتهاك السافر لدستور فايمار ، إلا ان قادة الجناح اليميني للحزب الاشتراكي الديمقراطي والإتحادات النقابية الاصلاحية رفضوا هذا المقترح .
وفي تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1932 ، جرت الانتخابات البرلمانية في المانيا ، ودللت نتائج الانتخابات ، والحركة الاضرابية والنضال المعادي للفاشية بصورة واضحة الى تنامي تأثير الحزب الشيوعي الالماني ، الأمر الذي دفع بالقوى الرجعية والإحتكار الرأسمالي الى إستعجال الخطى لإقامة الديكتاتورية الفاشية .
وفي تلك الأيام ، اولى ديمتروف إهتماما كبيرا لجبهة البروليتاريا الموحدة ولاحظ وجود نقاط ضعف في تكتيكات الجبهة الموحدة وإقترح الطرق والوسائل لتجاوزها .

و لكن الفاشية استمرت في زحفها ، ففي 30 كانون الثاني ( يناير ) 1933، قام الرئيس هندنبرغ بتعيين هتلر بمنصب المستشارية ، وهكذا إنتهت مدة الأربعة عشر عاما من جمهورية فايمار وظهرت في المانيا ديكتاتورية فاشية صريحة حولت البلاد الى معسكر إعتقال للاسرى السياسيين والى مركز للرجعية العالمية وبؤرة للحرب .

وبالرغم من الخطر الذي كان يهدد حياته ، استمر ديمتروف بالعمل في برلين . وفي شباط ( فبراير ) 1933 ، غادر لإيام قلائل الى فيينا ، وبعد عودته غادر الى ميونخ وسوية مع المتعاونين معه في مكتب اوربا الغربية ، بدأ بتنظيم حملة لعقد مؤتمر الطبقة العاملة الاوربية ضد الفاشية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) ج. ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 8 ص 348