الرئيسية » بيستون » المخاض العسير لنُصب الكرد الفيليين في بغداد

المخاض العسير لنُصب الكرد الفيليين في بغداد

مراسل مركز كلكامش – خاص – بغداد

منذ سنوات ونحن نسمع عن اقامة نصب للكرد الفيليين ، هناك من قال ان النصب جاهز ، وهناك من قال انه مجرد تصميم مصغر ( ماكيت ) ، وهناك الاكثر تشاؤماً الذين قالوا ان النصب مجرد مقترح وفكرة لا اكثر ، ولكن اين الحقيقة في قصة المخاض العسير لاقامة نصب للكرد الفيليين ؟ مركز كلكامش للدراسات والبحوث الكردية ينفرد بلقاء حصري مع الفنان التشكيلي ( مقداد احمد ) مصمم النصب ، فكان هذا الحوار :

كلكامش : واخيراً عثرنا على صاحب القصة الحقيقية لنصب الكرد الفيليين فمرحباً بك
 
– شكراً لمركز كلكامش على هذا الاهتمام وشكر خاص للدكتورة منيرة أميد التي اتصلت بي عدة مرات من مانشستر وتحدثنا طويلاً حول هذا الموضوع واتفقنا على اجراء هذا الحوار ، فتفضلوا

كلكامش : بدءاً ، يهم القارىء الكريم بالتأكيد معرفة نبذة شخصية عن الفنان مقداد احمد

– مقداد احمد مهدي ، من مواليد بغداد 1972 ، خريج كلية الفنون الجميلة ومعهد الفنون الجميلة قسم الرسم ، عضو جمعية الفنانين التشكيليين ، متزوج ولدي طفلين حسين وزهراء ، عملي الحالي موظف ، شاركت في العشرات من المعارض والمسابقات داخل وخارج العراق وعملت لفترة طويلة في التصميم الطباعي .

كلكامش : طيب استاذ مقداد هل لك ان تعطينا فكرة عن بدايات مشروع نصب الكرد الفيليين ؟ وهل كانت الفكرة شخصية ام بطلب من جهات معينة ؟
 
– الفكرة كانت قبل عدة سنوات وبالتحديد عام 2005 ، ولكوني من ابناء هذه الشريحة المظلومة فكرت ان استثمر خبرتي في فن التشكيل لعمل نصب تذكاري يجسد مأساة الكرد الفيليين ، فراجعت وزارة الثقافة في حينه وقدمت طلباً لاقامة النصب ، وبعد جهد جهيد وافقت الوزارة مبدئياً لكن بشروط كان اهمها تشكيل لجنة من قبلهم لاقامة مسابقة بهذا الخصوص ، وبالفعل تم اعلان مسابقة تصميم نصب يجسد مأساة الكرد الفيليين .

كلكامش : كم كان عدد المتقدمين للمشاركة في المسابقة ؟
– اربعة فنانين انا الفيلي الوحيد فيهم

كلكامش : والنتيجة ؟
– النتيجة هي حصولي على المركز الاول في المسابقة وتم اقرار النصب الذي صممته وتحويل الموضوع الى امانة بغداد لغرض التنفيذ .

كلكامش : كما تفضلتم هذا كان قبل سبعة سنوات ، إذن لماذا لم يرَ النصب النور لحد الان ؟
– هذه قصة طويلة وتتشابه في بعض فصولها مع مراحل القمع والاضطهاد التي تعرض لها الفيليين في حقبة النظام السابق ، فعند تحويل الموضوع بكتاب رسمي من وزارة الثقافة الى أمانة بغداد بدأت مرحلة طويلة جداً من الاجراءات الروتينية المملة بل القاتلة ، وكأن فترة الستة اشهر التي قضاها الموضوع بين اروقة وزارة الثقافة غير كافية لتستغرق معاملة النصب اكثر من سنة اخرى في امانة بغداد .
كلكامش : هل كنت وحدك في هذه الدوامة من المراجعات ؟ ام ان بعض الشخصيات او الجهات السياسية او الحزبية او المنظمات الفيلية كانت تؤازر جهودك هذه ؟
– كلا ، كنت وحدي اصارع الاجراءات الروتينية رغم ان الكثيرين كانوا يعلمون بالموضوع ، وكان الاجدى بمن يدعي الاهتمام بقضية الكرد الفيليين تبني انجاز هذه الاجراءات الادارية لأني فنان تشكيلي اريد ان اخدم اهلي ولست معقباً للمعاملات ، وللأسف كنت وحيداً في الساحة ، ولكن حين انجزت العمل اراد الكثيرون ان يكونوا اباء لهذا النصب ، ومنهم من اراد التدخل حتى في الرموز التي صممت النصب لابرازها .

كلكامش : كيف ذلك ؟ هل لك ان توضح ؟
– لست هنا في معرض التشهير ببعض الشخصيات او التعرض لهم ولكن يمكنني القول ان منهم من اراد استغلال موضوع النصب لاغراض دعائية او انتخابية ومنهم من طلب التعديل في النصب نفسه باضافة بعض الرموز ، بالاضافة الى الكثير من المنغصات التي لا اود ذكرها .

كلكامش : وماذا كان موقفكم من ذلك ؟
– رفضت بالتأكيد رفضاً قاطعاً اي تدخل في التصميم ورفضت اي محاولة لاستغلال الموضوع والمتاجرة به على حساب مأساة الكرد الفيليين وعلى حساب جهودي الشخصية .

كلكامش : نعود الى اروقة امانة بغداد ، ماذا كانت المراحل التي مر بها النصب بعد هذا ؟
– كما قلت قبل قليل فأن المراجعات استغرقت سنة ونصف ونتج عنها قيام امانة بغداد برصد ميزانية لتنفيذ النصب بالحجم الطبيعي المقرر من قبلي مسبقاً ، فقمت بالعمل هذه المرة على التنفيذ واستأجرت مساحة لتكون ورشة العمل واتفقت مع الكادر المساعد الذي سيقوم بالتنفيذ .

كلكامش : هل تم توثيق مراحل تنفيذ العمل ؟
– نعم ، كانت ورشة العمل في احدى المناطق الساخنة جداً وكنا لا نخرج من المكان الا للتسوق ونبيت الليل في الورشة ، في ظروف العمل الخطرة هذه كان فريق العمل يوثق مراحل التنفيذ بالفيديو حتى بلغت التسجيلات حوالي ثلاثة افلام كاملة ، ولكن للأسف فأن بعض ضعاف النفوس قاموا بسرقة الكاميرا مع الافلام وبالتالي ضاع التوثيق الذي كنت انوي اخراجه في فيلم تسجيلي .

كلكامش : ما هي المادة التي صنع منها النصب ؟
– الفكرة والتصميم في الاصل هي ان يكون النصب من مادة ( البرونز ) وهذا تطلب في حينه ( سنة 2007 ) رصد ميزانية بحدود مئة مليون دينار عراقي ، وقد رفضت الامانة تخصيص مثل هذا المبلغ وبالكاد استطعت التفاوض معهم فتم تخصيص مبلغ إثنين واربعين مليون دينار تدفع على ثلاثة مراحل ، استلمت منها دفعتين صرفت من مالي الخاص اكثر منها ، وتبقت الدفعة الثالثة المتوقفة على وضع النصب في المكان المخصص له وانجاز المشروع بالكامل .

كلكامش : هذا يعني ان المبلغ المرصود اقل من نصف التكاليف التخمينية ، ماذا فعلتم ازاء هذه العقبة ؟
– كان من المستحيل تنفيذ النصب من مادة البرونز بسبب تكاليفه الكبيرة ورفض الامانة تخصيص الميزانية التخمينية ، ولهذا كانت الخيارات المطروحة امامي هي اما الغاء موضوع النصب او تغيير مادة التصنيع ، فتم الاتفاق مع امانة بغداد على تغيير المادة التي يصنع منها النصب الى مادة ( الفايبركلاس المسلح ) .

كلكامش : ماهو العمر الافتراضي لهذه المادة ؟
– اكثر من عشرين سنة .
كلكامش : وبعد هذه السنوات العشرين ، ماذا سيحل بالنصب ؟
– بعد هذه الفترة سوف يحتاج الى عمليات ادامة فقط وفي فترات متباعدة ، اما لو كان من مادة البرونز فأن عمره الافتراضي سيكون مفتوحاً وسيبقى لمئات السنين ، ولكن كما اخبرتكم ان تكلفة البرونز كمادة خام وصهر وصب وتنفيذ العمل بها يتطلب مبلغاً كبيراً لا استطيع توفيره كوني من ذوي الدخل المحدود .

كلكامش : وابعاد النصب ؟
– الارتفاع بدون القاعدة ثلاثة امتار ونصف ومع القاعدة يكون ستة امتار ، ويبلغ وزنه حوالي نصف طن .

كلكامش : كم استغرق التنفيذ الفعلي للعمل ؟ ومتى قمتم بتسليمه الى امانة بغداد ؟
– اربعة اشهر ، وحتى يوم البدء الفعلي بالتنفيذ كان يوماً فيه رمزية كبيرة ، حيث انتظرت يوم ولادة طفلة فيلية هي ابنتي زهراء الذي كان يوم 16/12/2006 وباشرت بتنفيذ العمل في نفس اليوم ، وتم تسليمه الى امانة بغداد سنة 2007 ، ومنذ ذلك الحين وهو يقبع في احدى ساحات او مخازن الامانة .

كلكامش : كأنما قدر الفيليين ان يعيشوا خلف القضبان حتى بالرمزية التي تجسد مأساتهم !!
– تماماً ، فمثلما قبع الفيليون في السجون هاهو النصب الذي يحكي قصتهم يقبع خلف اسوار امانة بغداد منذ سنوات ، ولا اعرف كم سيحكم على هذا الرمز ان يبقى في السجن .

كلكامش : نأتي الان الى الدلالات الفنية التي اردتم ابرازها ، هل لك ان تشرح لنا معاني الرموز التي نراها في النصب ؟
– يتألف النصب من ثلاث اجزاء متراكبة ومتداخلة فوق بعضها ، الجزء الاسفل ( القاعدة ) عبارة عن مجموعة من جذوع الاشجار المغروسة في الارض وهي ترمز الى البيت الاكبر ، الى الوطن وعمق ارتباط الفيليين بأرضهم وجذورهم المزروعة فيها ، اما الجزء الاوسط فهو عبارة عن مجموعة من الاواني التي كانت تستخدم لشرب الماء ( طاسات ) .


كلكامش : ماذا يعني وجود هذه الاواني والام َ ترمز ؟
– من العادات الفلكلورية المعروفة والمتوارثة هي رش الماء خلف المسافر املاً بعودته سالماً ، ولكن الفيليين حين انتزعوا من وطنهم لم يعودوا ، بل لم يعثر لحد الان حتى على رفات شبابهم الذين غيبتهم الزنازين ، ولهذا كان وجود تلك الــ ( طاسات ) في النصب للتذكير بهؤلاء الشباب المغيبين .


كلكامش : نرى في جوار الاواني مجموعة من الطابوق مبنية على الطريقة البغدادية المسماة ( جف قيم ) ، الى ماذا يشير ذلك ؟
– الى بغداد التي انطلقت منها شرارة التهجير في فترتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي .

كلكامش : في جهة اخرى من نفس هذا الجزء الاوسط نرى ثلاثة وجوه محاطة بالقضبان ؟ هل لك ان تشرح هذا ؟
– تلك اشارة الى شبابنا الذي تم تغييبه خلف القضبان

كلكامش : وتلك الابواب الخشبية والشناشيل ؟
– تلك ازقة مناطق الكرد الفيليين وابواب دورهم في عكد الاكراد وباب الشيخ وشارع الكفاح وباقي المناطق الشعبية التي يعيش فيها الفيليين .


كلكامش : ننتقل الان الى الجزء العلوي أو قمة النصب الذي اعتقد انه يمثل ذروة العمل ، نحن نرى عائلة كاملة تقريباً ، ماذا يعني هذا الكم الكبير نسبياً من الشخوص ؟

– نعم كلامكم صحيح ، انها عائلة فيلية كاملة ، القمة فيها اربعة جوانب ، الشخوص هم الاب والام والاخت والزوجة ، وتلاحظ هنا انهم يرتدون الزي المعروف للكرد الفيليين ، من قلب هذه الشخوص الاربعة او العائلة الفيلية ينبثق ويبرز تجسيد الشاب المقيد والمعصوب العينين ، هذا هو الضحية الاكبر ، انه الشهيد الفيلي .


كلكامش : بصراحة لقد ارجعت لذاكرتنا فصولاً كثيرة من المأساة ، ولكن لدينا سؤال ، الا ترى ان في النصب كماً كبيراً من التفاصيل ؟ وكذلك تكونه من ثلاثة اجزاء ؟ الا يؤثر هذا على جمالية العمل او على لب الفكرة التي يجسدها النصب ؟
– بالعكس ، هذا كان مقصوداً ، لقد قمت بتصميم هذا النصب بواقعية كبيرة ، ان تراكب الاجزاء وكذلك ابراز جوانب اربعة لكل جزء هو اني اردت قص الحكاية باكملها من خلال عمل واحد ، ان هذا النصب هو سرد لمأساة الكرد الفيليين بكل فصولها ، من الجذوع المغروسة في عمق الارض الى ازقة المناطق الشعبية مروراً بأمل العودة الى الوطن بعد قضبان السجون وصولاً الى الخاتمة التي هي القمة البارزة اعلى النصب والتي قمت بتخصيصها لذروة العمل ، تلك الذروة التي يمثلها الشهيد .



كلكامش : هل درست الفضاءات والاماكن التي من الممكن وضع النصب فيها ؟
– بالتأكيد ، المقرر كان ان يوضع في ساحة شهداء الكرد الفيليين ، ومن المعلوم هذا الاسم اطلق على ساحة الوثبة ( سابقاً ) بعد قرار صدر عن مجلس محافظة بغداد عام 2005 .

كلكامش : لماذا هذه الساحة بالذات ؟
– لأنها كانت مركز جمع الشباب والعوائل الفيلية وتم نقلهم منها الى المعتقلات ، فرأيت ان انسب الاماكن وابلغها تعبيراً هو هذه الساحة .

كلكامش : سمعنا انه ضمن برنامج بغداد عاصمة الثقافة سيتم وضع النصب واقامة مركز ثقافي فيلي ، هل لديكم اية معلومات حول الموضوع ؟
– حسب علمي ان هذه المعلومة غير صحيحة واذا كان لها اساس فأنه لا يتعدى بعض الفرقعات الدعائية للاستهلاك المحلي في الاوساط الشعبية للكرد الفيليين لا اكثر .

كلكامش : هل نفهم من هذا عدم وجود اي تحركات لتذليل الصعوبات والمعوقات التي تحول دون وضع النصب في مكان ما من العاصمة بغداد ؟
– في الفترة الاخيرة بدأت اسمع عن بعض التحركات التي قد تقوم بها جهات سياسية او حزبية ، ولكني ارفض رفضاً قاطعاً استغلال مأساة الكرد الفيليين لأي اغراض شخصية او مكاسب حزبية ، وكذلك ارفض استغلال جهودي الا لأبراز المأساة خالصة للفيليين وبشكل يليق بتضحياتهم الجسام .
كلكامش : ما هي رؤيتكم لحل مشكلة النصب كي يرى النور وياخذ مكانته اللائقة بين الرموز الموجودة في ساحات بغداد الكثيرة ؟
– المشكلة الان ادارية او تنظيمية بحتة وليست مشكلة سياسية ، انا مواطن عراقي صممت ونفذت نصباً يحكي مأساة مئات الالاف من ابناء هذا الوطن ، وبالتالي فأن الجهات الرسمية هي التي يجب ان تتحرك لتنهي هذا الموضوع وتقوم بتخصيص مكان ما من العاصمة لوضع النصب فيه ، وتحقيق هذا الهدف يجب ان يكون من وجهة نظري عن طريق الضغط الشعبي والثقافي والاعلامي .

كلكامش : لا يسعنا في ختام هذا اللقاء الا ان نتقدم اليكم بجزيل الشكر على اتاحة هذه الفرصة للوقوف على حقيقة موضوع نصب الكرد الفيليين .

– شكراً جزيلاً لمركز كلكامش .

بغداد
خاص لمركز ككامش للدراسات والبحوث الكردية
26 / 10 / 2012