الرئيسية » مقالات » مع كتاب (حدث بين ألنهرين) استعراض وتقييم…

مع كتاب (حدث بين ألنهرين) استعراض وتقييم…


أولا: كلمة لا بد منها:
إنه عن كتابي حدث بين النهرين الصادر بباريس عام 1994 بطبعة استنساخ وبنسخ محدودة [ ربما 60 نسخة فقط].
هذا الكتاب – [329 صفحة]- يعالج الصراعات الحادة في الحزب الشيوعي العراقي منذ 1964، مركزا على تجربة حركة القيادة المركزية الشيوعية التي انفجرت في أيلول 1967.
كان الكتاب في حينه جزءا من كتاب “سيرتي السياسية” بعد ذاكرة النخيل الصادر في بيروت، ومع ألأعوام، الصادر ببيروت في طبعة صدرت في الثمانينات، وطبعة موسعة ومنقحة عام 1994 أيضا. وهذه الطبعة الثانية صححت بعض الآراء الخاطئة وألحقت بها مجموعة من الدراسات والوثائق، منها مقالاتي في صحيفة الزمان عام 1993 في مناقشة كتاب ” أوكار الهزيمة” للقيادي البعثي السابق هاني الفكيكي، ودحض عدد من آرائه ومغالطاته، وتكذيب بعض افتراءاته عني شخصيا.

كتاب ” حدث بين النهرين” يجب أن يلحق به كراسي “حكايات السوبر بهلوان مسيلمة نوري” ردا وتعليقا على مذكرات بهاء الدين نوري، وكتابي ” ذاكرة تحت الطلب” في الرد والتعقيب على مذكرات القيادي الشيوعي الراحل زكي خيري. والكتابان صدرا في باريس بطبعتي استنساخ وعدد محدود، أي لم يطبعا عن دار نشر، وهما يتعرضان لعدد من جوانب الأحداث والوقائع المرتبطة بالقيادة المركزية وبي شخصيا.
وبادئ ذي بدءْ، أتساءل ما إذا كان صحيحا وحكيما أن نعود اليوم لتلك الصفحات المؤلمة من التاريخ السياسي العراقي الحديث، في الوقت الذي يعاني فيه العراق من عشرات المشاكل الطاحنة، والوضع العربي مدلهم وفي نفق مظلم، والأوضاع العالمية مضطربة؟ إن هموم العراقيين اليوم هي أبعد ما تكون عن الالتفات وراء الصراعات السياسية لذلك الزمن. إن العودة إليها مبررة للباحثين الأكاديميين والمؤرخين، وتكون كل عودة أخرى مفيدة وضرورية لو كانت للتدليل على أن أسباب أوضاعنا اليوم، لها جذور في تطورات ومواقف وشعارات وصراعات الحركات السياسية في العراق الحديث، وأعني خاصة تشدد المعارضات الوطنية، وانفصام المواقف والشعارات عن الواقع، ونزعات المكابرة ورفض النقد والنقد الذاتي والشعور باحتكار الحقيقة.

وإذا أقول هذا، فإن ثمة إشكالية مركبة، وأحيانا محيرة، حين تنبري أقلام سفيهة وموتورة حاقدة; ومحترفة للكذب، لاسيما لبعض من كانوا هامشيين في الحركة الشيوعية، وتحولوا نحو مصادر رزق جديد قومانية – إسلاموية، لنبش ذلك الماضي لمجرد القذف والكذب والافتراء والتحريف وكيل الاتهامات الباطلة، وتحت إغراء التكسب والارتزاق، والبحث عن شهرة بشتم الوطنيين النزيهين. ونعرف أن هناك نفوسا محمومة تروم من شتم الآخرين تكسبا ماديا وبحثا عن شهرة لإشباع عقدة النقص والشعور بالعار. هنا، في هذه الحالة، نظرتان أو موقفان منها: إما الأخذ بقول برنارد شو “تعلمت ألا أتصارع مع خنزير أبدا لأنني سأتسخ أولا، ولأنه سيسعد بذلك”، و” الصمت أفضل تعبير عن الاحتقار”. ومن قبل شو، مقولة للإمام علي: ” إذا جادلت الأحمق غلبك” ولكنه لم يتحدث عن المفترين ونساجي الأباطيل ومروجي الاتهامات والإشاعات، التي، إن رددت عليها كل مرة، كان ذلك ما يشتهونه للتكسب وإشباع هوس الحقد؛ وأما إن لم ترد، فربما جاءك من يقول لك ناصحا ” لماذا لا ترد؟ لماذا لا تنفي عنك كيت وكيت من التهم؟ ألا تعلم أن الإشاعات المغرضة كالماء الذي ينسكب على الأرض من المحال تجميعه؟ ومن الناس من سيصدقون السفيه الكذاب.؟”
*** ****
إن الصراعات السياسية العراقية – العراقية منذ ثورة 14 تموز تميزت بالعنف ونزعة الإقصاء، والعنف إن لم يكن جسديا وحسب، فهو أيضا في الخطاب باستعمال التهم وإطلاق الأوصاف الشنيعة، كالخائن والمتآمر، فضلا عن الانتهازي والمخرب والمنشق والجبان والمنهار، ألخ. والحركة الشيوعية العراقية كانت من نماذج هذه الظاهرة، ولكنها ليست الوحيدة. وقد ورثت عن العهد الستاليني التشدد المنفلت بين المتعارضين فكريا وسياسيا في الحزب، وخصوصا بين الخارج من التنظيم والباقين. وكانت تهمة ” انشقاق ” كتهمة الخيانة. وهو أيضا ما مارسه البعث حيث كان مصير الخارج منه السجن والحرمان من الحقوق، إن لم يكن الإعدام. وحين انفصل القياديان الشيوعيان، الكاتب ذو النون أيوب، وبعده المحامي داود الصائغ عن الحزب الشيوعي، وصفا بالخيانة. وفي سجن الكوت أيام الراحل فهد كان الصائغ سجينا هو الآخر، ويصفونه ب” الحلّوس”، ويقاطعونه باحتقار. ومن المفارقات أنه صارت اليوم لكلمة “انشقاق” و”منشق” معنى مخالف في القاموس السياسي العربي، فيقال إن المسؤول الفلاني انشق عن القذافي، أو عن نظام الأسد.
لقد مارست القيادة المركزية واللجنة المركزية خطابا متشددا الواحدة تجاه الأخرى وانهالت التهم والأوصاف المقذعة والنعوت الكبيرة. وكتاب ” حدث بين النهرين: لا يخلو من هذه الروح المتشددة في الخطاب: ” الانتهازية، ” التحريفية”، ” الاستسلامية”، ألخ. أما الطرف الآخر، فاشتط أكثر بتوجيه اتهامات ” الحركة المشبوهة” و”الفئران” و”الجبناء”، ألخ. كانت حقا أياما موجعة ولغة متبادلة مؤسفة تراجعت مع الأيام، ولحسن الحظ.
ويجب أيضا، وأنا أراجع الكتاب أن ألاحظ واقع وجود حملة تشويه وتبشيع وتحريض ضد التيار اليساري العراقي في هذه الأيام. وقرأت أكثر من مقال في بعض المواقع الالكترونية لمهاجمة الشيوعيين بالذات، ومنها ما أراد الطعن بكل تاريخ الحركة الشيوعية. وكما كتبت في الفصل الأول من كتابي، ونقلته لكتاب ” شهادة للتاريخ”، فإن الحركة الشيوعية العراقية، وبرغم الأخطاء والتخبط والصراعات والانقسامات، لعبت أدوارا وطنية واجتماعية مشرفة ومجيدة، وتحولت لفترات طويلة إلى “ضمير للشعب العراقي”، وخصوصا بين الفلاحين والعمال والنساء والمثقفين المتنورين والأقليات العرقية والدينية، وتميزت بالعلمانية.
إن وقفتي اليوم لدى كتابي “حدث بين النهرين” هي استجابة جزئية لطلبات بعض الباحثين العراقيين الذين طلبوا مني نسخا من الكتاب، وهو متعذر علي، ولذا فربما يكون استعراض مضامين الكتاب وتعليقاتي اليوم عليه، مفيدة لهم ولغيرهم. ومن يدري، فقد يسعفني الوقت والعمر لإعداد نسخة مكثفة من الكتاب تتضمن اهم الفصول والأبواب لتنشرها دار نشر إن أمكن- علما بان عددا من فصوله موجود نصا في ” شهادة للتاريخ”.

ثانيا – استعراض الكتاب:
فهرس الكتاب كالآتي:
المقدمة.
الحزب الشيوعي ضميرا للشعب.
الوصاية السوفيتية.
الخلل في التكوين المعرفي والثقافي.
إشكالية الثورة والعنف السياسي.
الاستبداد الداخلي.
المحاور الأساسية للصراع الداخلي عشية الانقسام.[ قضايا كفقدان الثقة وانهيارها، والشللية بين أعضاء القيادة، ورفض القائم بأعمال السكرتير العام محاسبة المسؤولين عن خط آب، والتشدد مع لجنة بغداد، وقضية كيفية التحضير للمؤتمر الثاني، ألخ ]
بعض الخلفيات والأجواء.
الانقسام الحتمي .
” فريق من الكادر”.
نحن ومصطفى البرزاني….. [هنا يرد تفنيد وتكذيب لما كان ثنائي زكي وبهاء ينشرانه عن دور مصطفى البرزاني وحزبه في الحركة، علما بأن الراحل البرزاني رفض تسليح رفاق القيادة في كردستان كما فعل مع رفاق المركزية. كما أنه أراد التوسط بيننا لحل الخلافات، علما بأنه كان مع السوفيت قلبا وقالبا، وحتى رحيله عن الحياة. ومؤخرا قال مزور مهووس أكذوبة عن نقود تسلمها الحاج من حبيب كريم ” لتمويل الانشقاق”- كما لفق. والمثل يقول ” إن كنت لا تستحي، فقل ما تشاء”، و”رمتني بدائها وانسلت!”. ولي عودة.

الاجتماع الموسع لكوادر القيادة [ يناير – كانون الثاني 1968].
عدد من الإشكاليات:
1-الحزب الشيوعي والأكراد الشيوعيون.
2- دور الشيوعيين اليهود. [نفي مزاعم خضوع الحزب الشيوعي لتأثرات خاصة من أعضاء الحزب اليهود الذين كانوا مناضلين أشداء من أجل سعادة شعبنا وسيادة العراق وديمقراطيته]
قرارات الاجتماع الاستثنائي [ لأيلول 967 1 …]
..- طائفة من البيانات وأعداد الجريدة السرية….-
..- نماذج من مطبوع مناضل الحزب
–النص الكامل لمحضر اجتماع كوادر القيادة في يناير– كانون الثاني 1968 وهذه وثيقة تنشر للمرة الأولى. وقد سلمت بمعجزة من الأمن حيث كانت مخفية في الدار التي اعتقلت فيها وأخذتها معي لباريس. وكان الاجتماع مهما جدا وضم أكثر من ثلاثين كادر، وجرت نقاشات حرة ومستفيضة فيه. ومما يجب التأكيد عليه، مرة ومرة، هو ان الحركة لم تكن غيفارية، وهذا ما أوضحته القرارات هنا كما أوضحته عشرات المرات، ومع ذلك فلا يزال ثمة التباس؟؟
كما أنني اقترحت إدانة أساليبنا في اليوم الأول بحجز مؤقت لبهاء وزكي، الاول لاحترافه التآمر والعنف والثاني بأمل كسبه وكان مثالنا مع ما فعلته اللجنة المركزية عام 1955 مع حميد عثمان حيث جلب بالضغط والتهديد للاجتماع لإبلاغه بقرار تنحيته. كان العمل خاطئا وضارا ومدانا. وطلبت اتخاذ قرار بإدانته، ولكن الاجتماع رفض اقتراحي بـ 16 صوتا ضد 14، كما يظهر في المحضر. وقد استغل بهاء الحدث بعد أن خرج بعد ساعات برضا مضيفه بيتر يوسف، وراح يقود حملة مداهمات للبيوت الحزبية ومصادمات في الشوارع مع رفاقنا وكأنه يمثل دور آل كابوني في أواخر العشرينات، أو فيلما من أفلام الويسترن. وقبل ذلك، غدر صاحب البيت بي على إثر إغراء بهاء نوري له بالمال واعتدائه علي بالضرب مع مسلحين اكراد أمام نافذة غرفتي وأنظار الجيران. وقد تطرقت لذلك مضطرا في كراس حكايات السوبر بهلوان. ولم أكن أعرف أن بهاء الدين قد درب من هم أصغر منه قدرا ودورا ليكونوا بدورهم أبطالا دون كيشوتيين، ولكن من الأقزام المصابين بحمى الشهرة والأحقاد.
… – مساجلات مع ” اللجنة المركزية”.
…- بيانات اللجنة عن التحالف مع سلطة البعث..
..- رسالة فريدة من رائد القصة العراقية محمد احمد السيد في 1929 موجهة للشيوعي اللبناني البارز يوسف يزبك، ألخ.
**

ثالثا: تقييم عام مكثف:
الكتاب كما ذكرت يعاني من لغة متشددة أحيانا برغم ان الوقائع الواردة فيه دقيقة ويمكن الاعتماد عليها في البحث والتوثيق. وقد سبق وقسمت حركة القيادة مرات على مدى السنوات التي مرت عليها. ومن رأيي:
1- لا يمكن لأي تنظيم أوحد ادعاء تمثيل تيار سياسي وفكري معين، سواء كان الماركسية أو الإسلام السياسي أو التيار القومي. هذا ما لم يكن الشيوعيون العراقيون قد استوعبوه فالقيادة كانت تدعي احتكار الماركسية – اللينية والطرف الأخر حزب وطني تقدمي ولكنه غير ماركسي، واللجنة كانت تفعل الشيء نفسه وبتطرف، فبينا كنا ندعو للتعاون والتنسيق معها في القضايا الوطنية والنقابية، فإنها كانت ترفض، بل وتشترط على بقية القوى الوطنية عدم التعاون معنا. هنا ما يحسب للقيادة وما تؤاخذ اللجنة عليه. ورفض التعاون كان يعني تكريس القطيعة وجو الكراهية وقطع الطريق أمام كل ما كان من شأنه تقريب المواقف تدريجيا.
2- تطرف حزب القيادة في شعاراته سواء بتأليه لشعار الكفاح المسلح أو برفعه شعارات مثل “من أجل حكومة ديمقراطية ثورية تحت قيادة الطبقة العاملة وطليعتها الحزب الشيوعي”. وهو شعار منفصم تماما عن الواقع. وكما بينت مرارا وآخرها في كتابي (رحلة مع تحولات مفصلية) فإن الحزب الشيوعي كان قد اتخذ منذ عام 1965 قرارات بإسقاط النظام العارفي بأساليب “العنف الثوري” ما بين دعاة الانقلاب العسكري ودعاة الانتفاضة الشعبية المسلحة ودعاة مختلف أساليب الكفاح المسلح وغير المسلح بما في ذلك عمليات في الاهوار.
3- خطأ ما تم في اليوم الاول من حجز قياديين من اللجنة.
4 – اندفاع مبالغ فيه نحو القضايا القومية ومنها حول “المضمون الاشتراكي للوحدة العربية تحت قيادة الطبقة العاملة!!]”[ خوش دولمة]، ورفض التقسيم والعودة لشعار الدولة الديمقراطية الموحدة في فلسطين التقدمية….
5 – يحسب للحركة الإصرار على استقلالية الحركة الشيوعية العراقية، مع رفض مهاجمة التيارات المختلفة في الحركة الشيوعية العالمية دون نسيان أخطائها وتمايزنا عنها. وكانت اللجنة متمسكة بالدفاع غير المشروط عن مواقف الحزب السوفيتي وتهاجم الصين والأحزاب الشيوعية الاوروبية التي راحت تتخذ مواقف مستقلة وخصوصا الحزب الإيطالي.
6 – الانقسام كان نتيجة تراكمات وصراعات منذ 1964، فكرية وسياسية وتنظيمية وقد أسرع به إصرار القائم بمهام السكرتير الاول الراحل زكي خيري، في غياب الأخ عزيز محمد، على عدم محاسبة المسؤولين عن خط آب مثلما كانت المنظمات وأكثرية الكوادر تطالب به.. وكانت الأسماء المطروح محاسبتها هي للراحل عامر عبد الله ، وعبد السلام الناصري، وبهاء نوري، وباقر إبراهيم [هناك اليوم من يصور في تملق شخصي صارخ بأن الأستاذ باقر إبراهيم كان معارضا لخط آب!!!]. ولا شك أنه برغم وجاهة ضرورة التقييم والمحاسبة، فإن طرح الكوادر في منظمة بغداد ومجاراتي لهم كان فيه تشدد ضار. ويؤلمني تشددنا مع الراحل عامر عبد الله، وهو رمز شيوعي يستحق كل احترام وتمجيد. كما استعملنا عبارات خشنة وغير مناسبة بحق الأخ عزيز محمد الذي، برغم أخطائه، كان زعيما شيوعيا يحرص على تمتين العلاقات بين الرفاق وعلى صفاء الأجواء والوفاق الداخليين، وربما كان يبالغ في هذه الممارسة أحيانا لحد التوفيقية غير الممكنة. الرجل كان بعيدا عن عقلية وممارسات التآمر والمكائد التي اشتهر بها البعض، فهو كان مسالما جدا. وهذه المزايا القيادية هي التي جعلته يتبوأ مركزه لسنوات طويلة برغم أن مستواه النظري والثقافي كان أدنى نسبيا من مستوى أمثال عامر عبد الله وزكي خيري، طابت ذكراهما.

باريس في 10 أكتوبر 2012