الرئيسية » مقالات » الطريق إلى المسطر

الطريق إلى المسطر

ماكنت أحسب أن يرحل أبي مبكرا وأترك مقاعد الدراسة المتوسطة وأسلك الطريق إلى المسطر!

لم أفق حتى اليوم من أول صدمة في حياتي!

لم أتفهم الاقدار ولم أجلس في حانتها بعد، حسبت أنني سأقضي طفولتي مدللا بين يديه الطيبتين، العب مع الاطفال كرة القدم في الشارع وأستمتع بسفرات مدرسية وزيارات عائلية، لاسيما إلى بيت خالتي ببغداد زوجة السياسي المعروف الاستاذ معاذ عبد الرحيم، وكانت تقدم مساعدات مالية مستمرة لأمي!

بدأت سنوات الشقاء منذ رحيل أبي سنة 1974 حتى 1976 سنة التحاقي للخدمة العسكرية جنديا مكلفا لمدة أربع سنوات، ولما اندلعت الحرب العراقية الايرانية، دعيت ثانية لخدمة الاحتياط ولم يمضي على تسريحي غير 34 يوما!، وكان مجموع الخدمة أكثر من 12 سنة!، وكان هذا قدر عجيب ثان لجيلنا من مواليد 1957؟!

لكن لامفر من المسطر سيما وأن معظم فقراء مدينتي يهرعون إليه لإعالة أنفسهم وعوائلهم من غائلة الجوع في بلد الخيرات الوفيرة!، فهو نقطة تحول في حياة المعدم العراقي!، الاعتماد على مصدر للرزق وفقدانه ثم شد الحزام لكسب لقمة العيش!، لايحتاج وهو – أسهل سوق عمل – إلى هوية أو تنظيم أو نقابة، بل عرض السواعد القوية في السوق لحمل طاسات الاسمنت والطابوق والشيلمان لمدة ثماني ساعات، و..(إعط العامل أجره قبل أن يجف عرقه!) ليعود إلى البيت ببضعة دراهم بانتظار فرصة عمل في اليوم التالي!

في التغييرات الديموغرفية والطفرة النفطية التي شهدها العراق في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، ترك الكثير من القرويين الفقراء مهنة الفلاحة ووجدوا الطريق إلى المسطر سالكا وزاحموا فيه معدمي المدينة!، مفتولي العضلات أقوياء يغطون الرأس باليشماغ بلفة لاأجيدها، شطار يميزون سيارات الاسطوات نوع بيك أب ياباني مكشوف من بعيد فيهرعون إليها فرحين كأنهم عثروا على صيد ثمين!، ويصعدون فيها هم ومساحيهم وكركاتهم، فيما نبقى نحن قليلو الحيلة تبزغ علينا الشمس دون أن يدعونا أحد للعمل مقابل ثمن بخس يسد رمق يوم واحد وعلبة سكاير!

مثل كل الاولاد في العراق والعالم ممن يصدمون بفقدان الآباء مبكرا، كنت أريد وقد بدأ الزغب يظهر على شفتي العليا، أن أثبت رجولتي أمام العائلة والاقرباء والاصدقاء وتحملي أعباء المسؤولية تحت كل الظروف، لم لا فكل من فقد أباه في الناصرية سلك طريق المسطر إلا من شاله أولاد العمومة والخؤولة وأنقذوه من براثن العوز والفاقة!
للحق كان بعض الاعمام قدموا لنا المساعدة لمدة شهرين أو ثلاثة بعد رحيل أبي ثم توقفوا عن ذلك، فوجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام المصير المحتوم!

كنا ننام جميعا تسعة أنفس في غرفة واحدة بحي الارامل والايتام/ حي سومر، أصحو مبكرا متثاقلا (لسهري مع كتاب جديد) مع رفع الأذان المنطلق من جوامع المنطقة، أغسل وجهي أحمل زوادتي أغلق الباب ورائي بهدوء، ثم أقطع الطريق المظلم الطويل نسبيا من حي الارامل حتى المسطر القريب من سراي الحكومة، كان خلاء واسعا حيث لم توزع الاراضي بعد ولم يبنى بيت أو مؤسسة حكومية، وفيما كانت الكلاب القادرة على أن تصرع رجلا تهرّ خلفي وبين قدميَّ في انبلاج الفجر في ذلك الخلاء الموحش، استمتع بالهواء المنعش وهو يتشرب رئتي اللتين اتلفتهما سكاير بغداد، متلافيا المرور بالمستنقعات المليئة بأكياس النايلون والعلب وجثث الحيوانات المنفوخه والمتفسخة وأنواع مختلفة من النفايات تنبعث منها رائحة فاسدة!

كان المسطر عبارة عن رصيفين متقابلين بين عدة مقاهي ومخبز الحاج كتاب وستوديو فينوس للتصوير ومطاعم بينها مطعم أبو عادل الذي كان مقهى في السابق ثم تحول إلى مطعم ومحل شنيشل لبيع التلفزيونات ومحل استنساخ للمعلم الفنان التشكيلي الاستاذ محمد حسين عبد الرزاق الذي عوقته الحرب العراقية الإيرانية اللعينة برجله، وكل هذه المحلات تبقى موصدة الابواب حتى بزوغ الشمس ووقت الضحى عدا بائعات القيمر والشاي اللواتي توزعن على الرصيفين!، أما العمال فيفدون إلى المسطر من شوارع النهر والحبوبي والجمهورية ويجلسون على الرصيفين يتحدثون عن عمل الامس المضني، ومعاناتهم وعوائلهم مع شظف العيش وارتفاع الاسعار، وبينهم مسنون ممن يستحقون الشفقة فعلا، لكنهم يعملون ويكابرون بمايحملون من شيمة ورجولة حتى لايمدوا أيديهم لأحد!، عجبت للعراق الغني بثرواته لمَ لمْ يوفر لهم راتبا تقاعديا بسيطا يحترم آدميتهم أو مواطنيتهم!، يدخنون سكاير اللف الرخيصة ولاتخطىء العين أيديهم المتغضنة وشرايينهم النافرة وأصابعهم المتيبسة على خشب المساحي والكركات ونظراتهم المليئة بالحزن والاسى، لافين رؤوسهم باليشماغات يجلسون بيننا نحن ابناؤهم او أحفادهم بانتظار الاسطوات في سيارات البيك أب تحملهم معنا أي أجيالا مختلفة من الفقراء إلى مواقع العمل في أرجاء مختلفة من الناصرية!

لاأحمل في الطريق إلى المسطر مسحاة أو كركا بل عصا التقطها من الأرض أو خشبة أرد بها هجمات الكلاب المسعورة!، ونظارة شمسية كأني ذاهب لأتشمس في ساحل البحر لا إلى المسطر!، وأحرص دائما على حمل ورقة وقلم رصاص (أشخبط) بهما أولى تجاربي الشعرية على وزن بحر الرمل الحزين، الذي كنت أحبه (فاعلاتن فاعلاتن فعلن) وازنا أشعاري الاولى عليه، وللحق هو ماكان يتواءم مع حالتي النفسية ومزاجي المعتكر دائما في بواكير الوعي الاولى التي أججها رحيل أبي، ففي تلك السنة العجفاء 1974 أعجب خالد المعالي صاحب دار الجمل في المانيا بإحدى قصائدي، وكان يداوم على زيارتنا في الناصرية، ونشرها في صحيفة الراصد البغدادية، وكان فرحي حينذاك لايوصف لانها نشرت بجانب قصيدة مترجمة للشاعر والرئيس الفيتنامي هوشي منه!، لكن معلمي القديم في المدرسة الابتدائية كسفني حينما لاقيته صدفة في حديقة الادراة المحلية ذات مساء، وقدمت بين يديه الصحيفة وفيها القصيدة قائلا (هذا الشعر كله من كلبك؟!) وأضحك علي الحاضرين وبينهم صغار السن ودهشت لتعليقه البايخ لكني أسامح معلمي على أية حال!

منفصلا عن عالم المسطر البئيس لاأسمع ضجيج من يحيط بي من العمال أو لغطهم، آنه وين والمسطر وين؟!، أجلس على الرصيف تغطي عيني النظارة السوداء أسرح بخيالي بعيدا، أكتب مايحلو لي من تجارب شعرية أولى وفي تلك الايام وجدت متنفسا لعذاباتي في اللغة، اغتراب تام عن الزمان والمكان أفكار محلقة في الآفاق أسئلة في ماهية الوجود وجدلية الحياة والموت ومابعده وثنائية الخير والشر المانوية والحرية والمسؤولية كلها تحتدم في رأسي!، مستعيدا أخيلة وعوالم روايات عالمية قرأتها في تلك الفترة ذهب مع الريح آلام فارتر الغثيان بائعة الخبز وأعمال تولستوي ومكسيم غوركي وتشيكوف، ولطالما بكيت كلما قرأت عن شخصيات تشيكوف لاسيما الحوذي سيء الحظ أو عوالم عنبر رقم 6 وغيرها، يضمحل المسطر في خاطري فأنا عنه في غيبوبة لذيذة أنسى النفس في السرحان حتى تبزغ الشمس ويفرغ الرصيفان من العمال ولايبقى فيه غير خائب الرجاء من امثالي!، ثم أنهض عائدا إلى البيت خالي اليدين إلا من شعر مايوكل خبز!، لكن أمي الطيبة لاتعنفني وإذا عاتبتني على عودتي السريعة أقول لها (كلمن وحظه!) أو (إي شسوي يعني قابل اشمر نفسي عالناس وأكول تعالوا شغلوني؟!)

المسطر مكان يتجسد فيه الظلم ويحكي فقر طبقة من العراقيين وكأن بلدهم فقيرا ولايطفو على بحار من البترول!، كان يمكن للبلد حينذاك أن يشرع قانونا للرعاية الاجتماعية يخصص بموجبه – مثل دول أوربا الغربية التي تحترم مواطنيها – راتبا شهريا مما يقيم الأود ويطرد شبح العوز والفاقة!، عامل المسطر مواطن قد يكون له حاضر لكن لامستقبل له يبيع قوة عمله ويعيش يومه وينفق مايحصل عليه بانتظار أن يشفق عليه أسطه في اليوم التالي!، وهذا لايقبل إلا بالرجال الاقوياء ممن يحملون طاسة الاسمنت كما يحملون شخاطة أم (ثلث نجمات!) على حد تعبير أحد زملاء العمل من القرويين!

وهل يضاهي عذاب حمل الطاسة الكبيرة والثقيلة أي عذاب تحملته في حياتي؟!
قد تحتاج الطاسة إلى عضلات وصدر عامل مصري ممن حملوا الصخور الكبيرة وبنوا الاهرامات، لا إلى صبي ناحل ذهب بجسمه سوء التغذية كل مذهب، ناهيك بمرض اللوكيميا الذي جعل جسمي مثل الريشة في مواجهة قدر طاسة الاسمنت المروع!، لاحظت وعائلتي ومنذ وقت مبكر من طفولتي أنني كلما نهضت من النوم أفزع من رؤية الوسادة الحمراء (منقوعة بالدم) بدون سبب!، كنت ارفع رأسي إلى فوق دائما بأمل أن ينقطع نزف الدماء متوجها إلى السماء أبثها الشكوى من الابتلاء!، ولم يتوقف أبي عن حملني بين يديه إلى عيادات الاطباء في الناصرية وبغداد لكن لم يجدوا علاجا شافيا لإيقاف النزيف!، في الناصرية كان أبي يحملني إلى عيادة طبيب مسيحي أخصائي (أنف وأذن وحنجرة) يدعى البير دودا الواقعة على شاطىء نهر الفرات، يستل الطبيب آلة كهربائية في الحال وأنا مرفوع الرأس حتى تكاد رقبتي تنكسر، هي عبارة عن قلم حديد رفيع موصول بجهاز خاص بسحب الدماء وتخرج معها قطع من الدم الخاثر!، وبعد انتهاء السحب والتنظيف يدس في المنخرين فتيلتين بعد تنقيعهما بسائل، يدسهما بعيدا فينقطع النفس ولاأتحملهما وأحيانا أبكي فيتألم أبي ويصفن لما آلت إليه صحتي من العجب!، كان البير بوجهه الوسيم الناعم يغني وهو يعالجني ويمزح معي بحضور أبي الباسم أبدا (هم سختجي وهم حيال .. لكن حقيقة فوال!)، ولاأعرف إن كانت الأغنية من عندياته أم شائعة في ذلك الوقت، لكنها على كل حال لاتنطبق عليَّ!، فإضافة إلى أني لاأفهم في (السخته!) يبدو أنني كنت على الدوام قليل الحيلة!، ومالبثت أن ساءت حالتي الصحية وأصاب جسمي الكثير من الوهن والضعف وهجمت علي الامراض من كل الجهات، فنصحني الأهل والاقرباء بمراجعة البروفسور زهير القصير كبير الجراحين في مدينة الطب حينذاك، وكان ذلك في سنة توزيع الحنطة المسمومة سيئة السمعة على الفلاحين سنة 1973، أخبرني البروفسور بعد اجراء الفحوصات اللازمة أن لامفر من رفع الطحال لأعيش حياتي بدون مشاكل صحية!، فهربت من عيادته في الطابق الثالث لما سمعت من إزالة جزء من جسمي ولم أقو على تصور ذلك وأقفلت عائدا إلى الناصرية، لكن النزيف (صفى جسمي) على حد تعبير أمي واضطررت تحت الحاحها سنة 1974 إلى إجراء العملية في مستشقى اليرموك ببغداد، ومما يؤسف له أن الطبيب الشاب الطيب الذي أجرى لي عملية رفع الطحال وإسمه زهير أيضا، قتل في حرب الشمال مع الاكراد بعد فترة قصيرة وتألمت لذلك كثيرا، ومعلوم طبيا أن من يرفع الطحال (يستعاض عن وظيفته بنخاع العظام الاحمر) يفحط بسرعة كلما هرول أو تعب أو صعد بالطاسة سلما!، ليفرغها على الساف تلو الساف بطاسات مترادفة ووراءه سرعة عمل خباطة كهربائية وسط صياح الاسطه (مونه مونه!)، لاسيما في صب الاسطح الكونكريتية بعد مد أسياخ الحديد، وذات يوم قال لي صاحب البيت الذي عملنا فيه لما شاهد من عناء صعود السلم بالطاسة (عمي إنت ايدك تكسر رجلك شجابك على شغل البنايه؟!) في الحقيقة شعرت بالاهانة ورميت الطاسة وذهبت إلى البيت حزينا ولم أتناول الغداء في ذلك اليوم!، ولشدما كان يؤلمني الصعود بالطاسة على السلالم وعذابها أشبه مايكون بعذابات سيزيف رافع الصخرة (عقابا من الآلهة) إلى جبل الاولمب حيث مقر الآلهة في الاسطورة الاغريقية، إن (عذابات الصعود بالطاسة) تصلح أن تكون عنوانا لقصة طويلة أكتب منها ماأتذكره عن الايام السود، أحيانا لاتقوى رجلاي ويداي على حمل الطاسة فأسقط من السلم!، وياما حدثت جروح وخدوش أقرر بعدها أن لاعودة لحمل الطاسة مهما كلف الامر لكني أعود فلامفر من حملها لاعيش وعائلتي وأدخن سكاير بغداد!، لاعنا الذي اخترعها بهذا الحجم الشبيه بكلكات العراق القديم وقففه التي تحمل العابرين للصوب الثاني من الانهار في القرون الماضية!

من بين رغباتي الكثيرة زيارة مكان خيمتي التي قضيت فيها ثلاث سنوات في مخيم رفحاء الصحراوي بالمملكة العربية السعودية، ولاقينا هنالك مع ثلاثين الف عراقي وثلاثة إخوة مالاقينا من أهوال على أيدي الجار المسلم!، ورغبة أخرى أن أزور المسطر والرصيفين متأملا وجوه العمال والفقراء من الأجيال العراقية الجديدة وهل تغير شيء بعد التغيير أم لا؟!، في الواقع لاأعلم لماذا يحنّ العراقي إلى السجون والامكنة البائسة؟!، لكني قبل فترة قرأت الشكوى التالية وشعرت أن الحياة بعد سقوط المجرم لم تتغير كثيرا (نحن موظفو الأجور اليومية العاملين في دائره صحة الناصرية، نعاني من تراكم وضغط العمل علينا من قبل موظفي الملاك الدائم، حيث يتمتعون باجازات مرضية واعتيادية فقط لمجرد “التسخيت” بدون أي وجه حق، ويحملونا مشاق وأعباء عملهم المتراكم، ونحن ضعفاء لاحول لنا ولاقوه لانستطيع الكلام وصوتنا غير مسمع من أي مسؤول في الدائرة، ودائما نحن الملومين من قبل مرؤوسينا عكس أبو الملاك الدائم، نحن لاقيمة لنا ولااحترام لامن قبل المراجعين ولامن قبل موظفي الملاك نعامل معاملة المستخدمين “عمال المسطر عمال البناء” ونحن كوننا خريجين وأصحاب شهادات اما اجورنا فهي “أربعة آلاف دينا لليوم الواحد” وليس لنا أي حق بالتمتع بأي إجازة، يستقطع من راتبنا في حال تمتعنا بأي اجازه نريد حلا ربي يرحمكم لم نترك بابا الاوطرقناه دون جدوى فنحن بدون تعيين ومضطرون للعمل كوننا اصحاب عوائل اغيثونا). ومازلت أتأمل وجوه عمال المسطر في الدول التي زرتها، أقف قريبا منهم أتطلع إليهم شاعرا أن وجوههم هي نسخ من وجهي المتعب الحزين الذي قضى شطرا من حياته راكضا وراء لقمة العيش، شاهدت العديد من المساطر في اغادير المغربية مثلا عمال البناء الفقراء وأدوات عملهم بين أيديهم بانتظار الاسطوات، لكن النساء الفقيرات تجلسن على الرصيف يومئن بأيديهن للسيارات الرائحة والغادية بحركات تدل على الغسل والتنظيف والمسح، بعضهن يقلن للسياح والمقيمين الاجانب اذا لم ترغبوا بغسل بيوتكم وتنظيفها فنحن مستعدون لعمل المساج .. ويبتسمن!، مسطر العمال في اسطنبول لايختلف كثيرا عن توأمه العراقي، شيوخ مسنون وشباب ملثمون كأنهم رجال ميليشيات أحزاب دينية يرتدون جينزات بانتظار سيارة الاسطة!، أما في تايلند فالمسطر مشترك من الجنسين ويتميز العامل التايلندي بأنه شغول ولديه طاقة تحمل ويعمل بضمير حيّ، قبل فترة كنت ذاهبا إلى بيتي في نهاية شارع (SUKHUMVIT) بالعاصمة بانكوك، وكان سير السيارات وئيدا بل شبه متوقف لشدة الزحام، فتوقفت بجانبي سيارة بيك أب تحمل ثمانية من العمال العائدين من العمل في أحد مواقع البناء، فابتسمت لهم وردوا الابتسامة ودعوني للصعود معهم هكذا بكل بساطة!، لان الشعب هنا لطيف ويسمونه شعب الابتسامة!، تفحصت وجوههم رجالا ونساء بعدما جلست بينهم، كانت بقايا الجص على وجوههم والملابس وأيديهم وثمة أكياس اسمنت وطاسات وأدوات بناء اخرى بين أرجلهم، قلت لهم بما أجيده من لغة (التاي) إنني كنت مثلهم في صباي أحمل الطاسات وأركب مثل هذه العجلة لكسب بعض النقود ومساعدة عائلتي، قالوا نحن كذلك فالحياة صعبة ولابد من العمل وسألوني وسألتهم وضحكنا وأوصلوني بالقرب من بيتي بعدما اوضحوا ذلك للاسطة وكانت سيدة جميلة، ودعتهم وأنا أقول في نفسي : أنا أخوكم مسطري قديم!

حينما يبتسم لي الحظ ذات صباح ويطلبني أحد الاسطوات للعمل في أماكن مختلفة من الناصرية، قد يكون في أحد البيوت أو المدارس أو قاعدة الامام علي الجوية التي سأخدم بها بعد حوالي سنتين جنديا في الفصيل الكيمياوي، أو في ناحية الغراف أو الإسكان الصناعي وغيرها كثير، فإنني أفرح لضمان قوت يوم لعائلتي وعلبة سكاير بغداد أدخنها بشراهة مع قراءة الروايات ودواوين الشعر العراقية والعربية والمترجمة عن اللغات الاخرى، وحدث مرة أن أخذنا الاسطة لصب سطح بيت جيراننا ثقيل الدم ولم أعرف وجهتنا، لكن ما أن توقفت السيارة بباب بيته حتى نزلت منها ودخلت إلى بيتي!!، وسط استغراب زملاء العمل والاسطة من هذا التصرف المفاجىء!، وعملت مرة في بناء اعدادية الصناعة بجوار بيتنا في حي الارامل، وعند الظهر وبينما كنا فوق السطح نبني الشرفات، جاء أخي حسين (فقد في معركة طاهري سنة 1982 بعد أقل من شهرين من وجوده في الجبهة وكان بعمر 18 ربيعا) وعلى رأسه صينية كبيرة مملوءة بالرز والمرق والخبز والخضروات واللبن الخاثر والتمر وغيرها، فالتفت إليّ أحد العمال القرويين بعدما عرف أنه أخي وقال لي : عمي انت موش عامل مال طاسه انت اسطه!
ضحكت كثيرا لبراءة الزميل الطيب وتناولنا معا طعام الاسطة تحت ظلال أحد السقوف وكم كان لذيذا!
24/10/2012
* الصورة متاحة في الشبكة الدولية الانترنت