الرئيسية » مقالات » الشيطان متديناً…!

الشيطان متديناً…!

بعيداً عن نظريات وعلوم وتطبيقات التحليل والطب النفسي في تفسير السلوك البشري والعوامل المؤثرة سلباً وإيجاباً في توجيه هذا السلوك، رغم أنها قد أظهرت تقدماً ملحوظاً في تشخيص ومعالجة الكثير من الأمراض والحالات النفسية والأختلالات العصبية والعقلية، نجد أن هناك موروثاً ثقافياً دينياً تطور وأصبح ثقافة إجتماعية راسخة في الكثير من المجتمعات ومنها المدنية الحديثة مع أستمرارهذه الثقافة في الإرتواء من المنابع الدينية والعقائدية للمحافظة على بقاءها وديمومتها بشكل أو بآخر. هذه الثقافة وربما بسبب عجزها عن فهم وإستيعاب التعقيدات الكبيرة في العلوم التحليلية النفسية أو الطب النفسي، إذا ما إستثنينا أسباب وعوامل أخرى، خارج بحثنا هذا، قد تكون بذات المستوى من الأهمية، تُفسر وتُوعِز أية ظاهرة سلوكية غير مألوفة في مجتمع ما، وقد تكون هذه الظاهرة في نفس الوقت طبيعية في مجتمع آخر، إلى دور الشيطان في التجسيد والتأثير في هذا السلوك وفي إنتاجه وإخراجه. وتماشياً مع هذه الثقافة، أوالفهم السائد بسبب سهولة أستيعابه لما يملكه من خلفية ثقافية موروثة مازالت فاعلة وتلقى قبولاً واسعاً لدى الكثيرمن الناس، وبأعتماد أصول هذه الثقافة نحاول أن نبحث في الإحتمالات التي يمكن أن يتبعها الشيطان في ممارسة تأثيراته على السلوك البشري والصور والشخصيات التي يمكن أن يتجسد فيها لممارسة هذا التأثير. حيث أن المعروف كبديهية في وصف الشيطان ضمن هذا الموروث الثقافي، هو مفهوم أن “شخصية الشيطان” ليست غبية وتتصف بالمكر والدهاء والإغراء والتمويه والإختفاء البارع في أداء مهماتها. هذه المواصفات التي جاء ذكرها في الكثير من النصوص الدينية وإتفقت عليها معظم الديانات وتمثلت في قناعات الغالبية في تصوير الشيطان يمكن تعطينا تصوراً أولياً عن صعوبة البحث في هذه الشخصية لما يكتنفها من غموض وإبهام كبيرين ولكن في الحقيقة يمكن لهذه السمات والمواصفات نفسها أن تحمل بذور الكشف عن ذاتها لو حاولنا التفكير بنوع من التأمل الهادئ والتبسيط في مفردات البحث للوصول إلى قناعات عامة مشتركة لا يعتريها التعقيد. فالعلم المسبق بكون الشيطان ماكراً ومخادعاً ويستخدم طرق ملتوية للتضليل يدعونا إلى إستبعاد كل الدعوات الصريحة والواضحة للإغراء والإستمالة والإنحراف في السلوك. فهذا يتناقض مع مفهوم “الشيطنة” والخداع والتخفي المعروفة عن الشيطان وكذلك ليس من المعقول بحال أن يقوم الشيطان بفضح نفسه والإعلان الصريح عن نفسه كونه شيطاناً ويريد السوء بالناس. وهذا يقودنا للسؤال والبحث في الظواهر “الشيطانية” الواضحة والمعلنة، حسب تفسير الثقافة الآنِفَةُ الذِكر، كالإغراء الجنسي مثلاً وأستخدامه في ممارسة الدعارة وإنتشار الفساد وكذلك تعاطي المخدرات والمتاجرة بها وغيرها من الظواهر المنتشرة في مناطق معينة في مجتمعاتنا الشرقية تحت عناوين مختلفة والتي تأخذ طابعاً علنياً واسعاً ومباحاً في العديد من المجتمعات الغربية.
النظرة التقليدية السائدة والساذجة في أوساطنا الإجتماعية هو الحكم والإشارة إلى المفردات السطحية والمعلنة في هذه الظواهر في تعريف الشيطان وإطلاق صفة الشيطان مثلاً على صورة فتاة عارية مغرية في مجلة ما أو إطلاق تلك الصفة على رجل أو إمرأة يبيعان الجنس ويتاجران بممارسته علناً. وحقيقة الأمر أن هؤلاء الناس ليسوا سوى ضحايا ربما يعانون من أمراض نفسية أو مشاكل إجتماعية أو إقتصادية، حتى لو كانت ممارساتهم فردية وغير منظمة، وقد ساقتهم الظروف ليتم إستغلالهم من قبل جماعات وعصابات لانراها في العلن وربما تعلن عن نفسها تحت عناوين أخرى مقبولة إجتماعياً وتتمتع بمراكز مرموقه في المجتمع والدولة دون أن نعلم عنها شيئاً. وربما تتضح الصورة أكثر حينما نبحث في موضوع المخدرات فالمتعاطين لهذه السموم القاتلة ليسوا سوى ضحايا لمجرمين كبار لهم مكانات وربما مناصب رفيعة ويعملون على تدمير المجتمع وإهلاك آلاف الشباب وضياع طاقات بشرية هائلة بدوافع مختلفة منها ما هو سياسي وإقتصادي، وليس غريباً هنا الحديث عن إتهام جماعات دينية سرية في الغرب بالوقوف وراء منظمات ومؤسسات عملاقة للترويج والتمويل لمثل هذه النشاطات المدمرة والسيطرة على الثقافة والإقتصاد العالمي بدوافع دينية مريضة تبرر لهم هذا السلوك الإجرامي المنحرف في تدمير الإنسان وقتله. من الواضح جداً هنا إن الشياطين الحقيقيين يتربعون على عروش هذه المؤسسات دون أن يعرفهم أحد وهم يحظون بفائق الإحترام والتقدير فعلاً. ولكننا ببساطة يمكننا أن نستدل على وجود هذه الجماعات والقوى الشيطانية من خلال فعلها وآثارها وضحاياها في المجتمع على أرض الواقع بالإضافة إلى ما تمتلكها من إمكانيات مادية وأعلامية ضخمة ظاهرة وفاعلة.
مما تقدم كمثال يمكننا أن نُفسر ونفهم “الدور الشيطاني” وراء ما يجري في مجتمعاتنا الشرقية من قتل وإرهاب وفساد وتخلف، وإِن إختلفت المظاهر والأدوات تبعاً لإختلاف المجتمعات وإختلاف ثقافاتها والطابع الرائج فيها. ففي مجتمعاتنا الشرقية، التي مازالت الثقافة الدينية تحتل مساحة كبيرة من فكر وثقافة وإهتمام الناس فيها، من الطبيعي أن يستثمر الشيطان والقوى الشيطانية الثقافة الدينية السائدة وأن يظهر لنا بعباءة الناسك والمتدين الورع والداعي إلى الله والتمسك بالدين بعد أن يفسره بما ينسجم مع مخططاته ومأربه الخبيثة الخفية ليسيطر على عقول الناس وعواطفهم كمرحلة تمهيدية وليزرع في نفوسهم فيما بعد الحقد والكراهية والإرهاب والتطرف والطائفية وإشاعة الجهل والفقر والتخلف لأبقاء هذه المجتمعات خاضعة وعاجزة عن التخلص من سطوته ومكره. فالأسلوب الشيطاني في التخفي والخداع والمكر وإستمالة المشاعر العاطفية وإستثارة النزعات الغريزية العدوانية هو نفس الأسلوب الذي ذكرناه في المثال والنماذج السابقة. والنتاج الشيطاني في نشر الفساد والتخلف والحقد والذبح والموت المجاني بالجملة هو أبشع بكثير مما يحدث في المجتمعات الأخرى. والمؤسسات والأمكانيات الضخمة والمتسترة وراء عناونين مختلفة للتمويل والتأثير هي أكبر وأخطر وقد تطورت لتتجاوز دورها كمؤسسات وجماعات وقوى لتسيطر على مراكز السلطة في هذه المجتمعات وبدعم من قوى شيطانية وشريرة أقليمية ودولية كبيرة وهذا هو مايحدث تماماً في ظل الربيع الشيطاني الذي يعم المنطقة ويدمر كل ملامح الحضارة والتقدم فيها ويهدد بفناءها عاجلاً أم آجلاً. وعلى الناس أن يتقوا الفتنة والكارثة التي تمر بهم وينساقون إليها مضللين ومخدوعين بأسم الدين فالذين يؤمنون ويعملون على نشر الفُرقة والحقد والضغينة ويُوغلون في قتل وذبح الناس بأبشع الطرق الوحشية ويكرسون الجهل والتخلف والفقر والمرض والعدوان، لا يخدمون سوى الشيطان ولا عاصم لهم من غضب الله ولعنة الأنسانية مدى الدهر. ويقيناً أنهم من الخاسرين لدنياهم التي وهبهم الله ولجنتهم التي يَعدهم الشيطان في لباس الدين!