الرئيسية » مقالات » هل من لغز محير وراء الإقالة القسرية ومذكرة اعتقال الدكتور سنان الشبيبي؟

هل من لغز محير وراء الإقالة القسرية ومذكرة اعتقال الدكتور سنان الشبيبي؟

منذ فترة غير قصيرة كثفت مجموعة صغيرة من النواب من كتلة دولة “القانون” وبعض الكتاب والصحفيين هجومها الشرس وغير الموثق ضد محافظ البنك المركزي السيد الدكتور سنان الشبيبي. وقد استغرب الكثير من الناس ومن الاقتصاديين والكتاب والمثقفين عن العوامل الكامنة وراء هذا الهجوم الذي لم يستند إلى أرضية واقعية وأساس مادي. واستفسر البعض عن اللغز الكامن وراء هذا الهجوم؟ والسؤال العادل هو: هل هناك من لغز وراء هذا الهجوم الذي استهدف الدكتور سنان الشبيبي؟ نعم هناك لغز , وهو لغز كبير حقاً! ولكن هذا اللغز لا يكمن في شخص محافظ البنك المركزي ولا في نشاطه الوظيفي ومهماته الاقتصادية في البنك على وفق قانون البنك المركزي والدستور العراقي, بل يكمن هذا اللغز في شخص وسياسة وأهداف رئيس الحكومة العراقية , في نوري المالكي مباشرة.
إن المتابعة الهادئة لمجرى السياسة العراقية منذ عدة سنوات يستطيع كل باحث وكل إنسان مطلع على ما يجري في العراق أن يشخص مجموعة من السياسات التي تعتبر اللغز الحقيقي وراء هذه الإقالة المنتظرة والتي تطرق إليها الكثير من الكتاب والصحفيين , وابتعد عنها بإصرار مجموعة وعاظ الصداميين الذين واصلوا الإساءة للشعب العراقي بذم محافظ البنك المركزي من جهة ومدح سياسة الحكومة وشخص رئيس الحكومة من جهة أخرى , وكأنهم لا يعرفون ما يجري في العراق. إن وعاظ سلطان العراق الراهن يعرفون جيداً , ولكنهم يحرفون تماماً كما يقول المثل الشعبي “يعرف ويحرف”, وهو دين وعاظ السلاطين كافة في كل العهود.
يفترض في أن ألخص للقارئات والقراء الكرام ما أفكر به بشأن هذا اللغز المكشوف:
1. نحن جميعاً شهود عيان أحياء نراقب بعناية ونسجل بدقة واقع حصول تحول سريع وشديد إلى الأصول الفكرية والسياسة الأساسية التي ينحدر منها ويتبناها رئيس الوزراء , تلك الأصول المرتبطة بالاستبداد الشرقي التي تجلت في حكم خلفاء الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية وما بينهما وكذلك الدولة العراقية الحديثة, إنها الفردية والرغبة في الهيمنة على المجتمع والحياة العامة, إنها النرجسية القاتلة التي هيمنت وتهيمن على من يحكم العراق فعلياً ولا يتورع عن استخدام ما هو مباح وغير مباح لمواجهة من لا يرغب به أو يشم منه رائحة المخالفة لرأيه وسلوكه. وهي السلوكية التي تحول النرجسي تدريجاً إلى سادي أيضاُ , وهنا تكمن الخطورة الكبيرة على المعارضة وعلى المجتمع كله.
2. ونحن جميعاً شهود عيان أحياء لما يجري في العراق من تجاوز فظ ومتواصل على الدستور بخصوص الحريات الفردية والحريات الديمقراطية العامة وعلى الهيئات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني والتي طالت الكثير من البشر في العراق. إن المستبد بأمره لا يستطيع ولا يستوعب معنى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, فهو يرى الحرية لحزبه ومجموعته أولاً , ثم يختصر ذلك فيما بعد لنفسه لا غير. وهي ظاهرة ليست جديدة في تاريخ العراق الطويل وأصبح المجتمع مدركاً لها ولكنه لم يتعلم حتى الآن من عواقب السكوت عليها, رغم ما مرَّ به في فترة حكم البعث الصدامي.
3. ونحن جميعاً شهود عيان لما جرى من توجيه القوات الخاصة وقوات قيادة عمليات بغداد وأجهزة الأمن لضرب المظاهرات وتشويه سمعتها واعتقال المشاركين فيها وتعذيبهم لأنهم رفعوا شعارات ضد البطالة وضد الفساد وضد السرقات وضد الإرهاب , لأنهم طالبوا بتغيير السياسات. ومنذ سنوات عدة والفساد يملأ دنيا العراق إذ أصبحت بغداد عاصمة الفساد الدولي , كما عبر عنها أحد الكتاب العراقيين أخيراً.
4. إن محاولات الهيمنة على البنك المركزي من جانب رئيس الوزراء وإخضاع سياسة البنك لإرادة الحاكم بأمره ورغباته وسياساته الحزبية والشخصية كانت معروفة للجميع وقد تم نشر الكثير من المعلومات الموثقة عنها التي اصطدمت بإرادة محافظ البنك المركزي الذي التزم بقانون البنك والدستور العراقي واتسم بالأمانة التامة لشعبه وأموال هذا الشعب المودعة في البنك المركزي وامتنع عن الاستجابة لإرادة رئيس الوزراء المخالفة لقانون البنك والدستور العراقي بمنحه ما يريد من أموال هذا الشعب ومن الاحتياطي الذي استطاع به محافظ البنك المركزي الحفاظ على سعر صرف الدينار العراقي خلال الفترة المنصرمة مثلاً.
5. إن الاختلاف مع محافظ البنك المركزي في سياسة البنك النقدية أمر ممكن , ولكن ما حصل في العراق أمر مختلف تماماً ولا يمت لاختلاف في الرأي, والمسكلة تكمن في مكان آخر. فرئيس الحكومة العراقية , كما هو معروف للجميع لم يضع سياسة اقتصادية لحكومته ولا يمتلك رؤية اقتصادية عقلانية ولا وعي اقتصادي عقلاني من جهة , في بلد أصبح اللعب بأموال الشعب والتصرف الكيفي والفساد الهائل هي السمات المميزة للواقع العراقي الراهن من جهة أخرى. وبالتالي لم يعد محافظ البنك المركزي الدكتور سنان الشبيبي مناسباً لسياسة رئيس الوزراء ورغباته الخاصة.
6. إن إقالة محافظ البنك المركزي لا تتم عبر مجلس الوزراء فهو مستقل عن هذا المجلس , بل عبر مجلس النواب , وهي مخالفة صريحة وأمر الاعتقال لم يصدر عن القضاء العراقي بل من رئيس الوزراء أيضاً ولا يعرف بذلك رئيس لجنة النزاهة أو رئيس مجلس القضاء العالي ولا غيره بل رئيس الوزراء ووعاظ السلاطين الذين كلفوا بالهجوم على الدكتور الشبيبي ومن ثم الإساءة إلى سمعته وتبرير إقالته ومذكرة اعتقاله.
ليس في نهج وسلوك رئيس الوزراء ثمة غرابة , فهو بهما يجسد السلوكية العامة لحكام العراق على مدى التاريخ تقريباً , ولكن الغرابة في السكوت المطبق لمن يدعي الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان والدستور العراقي , سواء أكان في المعارضة أم من المشاركين في الحكم. إنها المأساة الحقيقية في العراق أن لا يرتفع صوت ضد هذا النهج وهذه السلوكية سوى صوت الأقلية في المجتمع , صوت قوى سياسية محدودة , قوى التيار الديمقراطي وجمهرة من المثقفين والاقتصاديين وأصحاب الرأي الحر والمستقل وجريدة المدى التي تحمل اليوم راية الدفاع عن الحريات الديمقراطية العامة وضد السلوكية الاستبدادية للسياسة العراقية. والسؤال هل بين الحاكم بأمره والساكتين عن مخالفاته ما يدعو إلى مزيد من الشك والقلق ؟ علينا أن لا نستغرب حين يكون الجواب بـ “نعم”!
إن هذا السلوك , والساكت عن الحق شيطان أخرس , هو الذي يشجع الحاكم المستبد بأمره على مواصلة الاستبداد وتعميقه وتوسيعه ليشمل العراق كله والمجتمع بأسره وأن يواصل خرق الدستور والتجاوز الفظ على مصالح الشعب وإرادته. إن هذا النهج في السياسة هو الذي يفترض أن يخيف المجتمع وخاصة حين يبدأ الحاكم بأمره التسلح بالجديد والحديث والهجومي من السلاح ويصرف المليارات من الدولارات الأمريكية لهذا الغرض. إنه الخطر الفعلي الداهم الذي يواجه المجتمع العراقي والذي لا يريد أن يراه البعض الكثير, وخاصة حين تكون الدولة الحليفة للعراق هي إيران , التي تمارس ذات النهج الاستبدادي , وحين يدافع النظام في العراق عن أعتى حزب استبدادي في المنطقة , هو حزب البعث , وعن مستبد شرس يقتل ويمزق شعبه ويدمر بلده هو بشار الأسد. إنها محنة العراق حالياً.

20/10/2012 كاظم حبيب