الرئيسية » مقالات » الإرهاب وناقوس خطر الوصول بإسم الإسلام للسلطة

الإرهاب وناقوس خطر الوصول بإسم الإسلام للسلطة

أن من المتطلبات الأساسية لنهوض الأمة الإسلامية مما جابهت وتجابه من كبوات هو التمسك والعمل بحقيقة العقيدة وجوهرها بمعزل عن القشور وبمنأى عن الأفكار المنحرفة والهداّمة التي تم زجّها عنوة تحت لواء الإسلام في الوقت الذي لاتمت فيه الى جوهر هذا الدين الحنيف بأية صلة عدا المظاهر والتسميات، وأصدق الأمثلة على ذلك، التنظيمات المتطرفة المؤمنة بالعنف والقتل العشوائي وعلى رأسهم تنظيم القاعدة الإرهابي الذي سعى لتوظيف المفاهيم الإسلامية لتبرير أفعالهم العدائية ضد الآخرين بما فيه الإرهاب الموجّه من قبلهم نحو المسلمين من أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى التي لاتتفق مع تصوراتهم المريضة وفهمهم المغلوط للآيات القرآنية الشريفة الذي أدى بهم الى إستنباط ماهم عليه من عقائد منحرفة وأفكار هداّمة والتي من خلالها شرعنوا القتل العشوائي للنساء والأطفال وكذلك تهديم المساجد والكنائس والمستشفيات.

لا شك بأن القسم الأكبر من اللوم يقع على بعض العلماء المتلحّفين بعباءة الإسلام، ففي الوقت الذي كان العالم بأسره ينتظر إدانة صريحة منهم للأفعال الشنيعة التي قامت وتقوم بها هذه التنظيمات المتطرفة، رأينا ونرى مواقف داعمة وتعاطفا علنيا مع الفكر السلفي الذي أسس له المنبوذ أسامة بن لادن، سواءً في الوقت الذي كان فيه متنقلا بين الكهوف أو اليوم عندما أصبحت جثته العفنة طعما لأسماك القرش. حيث نلمس إصرارا كبيرا من قبلهم على خلق جيلٍ مؤمنٍ بالإرهاب، يمتلك كامل الإستعداد ليختم حياته الدنيوية بعملية انتحارية لإهلاك الحرث والنسل من حوله، توهما منه بأن ذلك هو الطريق الأقصر الى النعيم الأبدي، في الوقت الذي علّمنا فيه الرسول الأكرم (ص) قائلا :” إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل”.. وكما لايخفى على أحد الكيفية التي يختمون بها حياتهم بتفجير الأحزمة الناسفة في الأسواق ومراكز العبادة والحصاد الجمعي للأرواح البريئة في مخالفة صريحة مع النصوص القرآنية التي يقول الله (تبارك وتعالى) فيها : ” مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”..(المائدة 32).

لقد إستحوذ العراق على النصيب الأكبر من عدائية وإرهاب هذه الشبكات السلفية المتأسلمة التي وجدت في البعثيين حواضن آمنة لهم، إستطاعوا من خلالها حصاد أرواح مئات الآلاف من العراقيين وعطّلوا عبرها مسيرة بناء الدولة العراقية على أسس عصرية متحضرة وعرقلوا إمكانية الإستغلال الأمثل للثروات التي يتمتع بها هذا البلد. ويمكن القول بوجود عوامل أخرى متداخلة ساعدت على نمو وإستمرار هذه الأنشطة الإرهابية، فبالإضافة الى الغطاء الشرعي والجهد التعبوي الذي وفرته الإصولية الإقليمية في المنطقة للإرهابيين، فأن الخبرات المتواضعة والأساليب البدائية (غير العلمية) التي تتم بها مكافحة الإرهاب من قبل القيادات الأمنية في بغداد، قد ساهمت هي الأخرى في رجحان كفة الصراع لصالح الإرهاب الذي أصبح على إثر ذلك ممتلكا لزمام مبادرة التفجير والخطف والإغتصاب في الوقت الذي يشاء والمكان الذي يختار. ومما يجدر الإشارة إليه أيضاً، دخول هذه الأنشطة الإرهابية سياقات نوعية جديدة وفرتها لهم دعوات (المصالحة) التي مكنتهم من التغلغل في النسيج الأمني والإستخباري للدولة العراقية الفتية وبالتالي منحهم الفرصة لتعطيل عملية بناء مؤسسات الدولة من الداخل. اليوم وبعد أن أدركوا صناع القرار الأمني العراقي ماهية وأسباب الخلل الأمني فالحل قد يكمن بإستخدام آليات جديدة ووسائل ترتقي الى حجم التحدي وتشكيل لجان خاصة من كوادر وخبراء أمنيين يمتلكون رؤية متطورة قادرة على خلق بيئة آمنة خالية من الإرهاب.

ومثلما توهّم البعض في العراق بإمكانية كبح العدائية المتأصلة في نفوس الإرهابيين وإستمالتهم نحو الإعتدال من خلال إشراكهم في السلطة أو تمكينهم منها عبر ممر (المصالحة)، نرى اليوم تجارب إقليمية مماثلة شهدت إندفاعا في هذا الإتجاه من قبل قوى عالمية يتمثل في تأييدها للحراك الإقليمي الهادف لإيصال مجاميع إرهابية الى دفة الحكم في بعض الدول العربية اليوم وتحت غطاء مايسمى بـ (الثورة المسلحة)، ودعم شعاراتهم المعلنة التي ترى في السلطة بوابة “لحماية الدين والدولة” ..(على حد زعمهم)، ولم يكن الدعم الإقليمي والدولي شكليا مثلما إمتد الى تزويدهم بالأسلحة والأموال والدعم الإعلامي المفتوح والمتواصل الذي لم يقتصر على الفضائيات والصحف الخليجية بل إمتد الى مواقع التواصل الإجتماعي العالمية للتبشير بالجهاد والترويج لضرورة حمل السلاح والإنخراط في “مشروع إسقاط الأنظمة الإستبدادية التي لاتحكم بإسم الدين” (حسب إعتقادهم) ومن ثم ركوب موجة “محاربة السياسات الغربية في المنطقة” لتعبئة الرأي العام في المنطقة ليعيد العنف دورته من جديد.

ويدرك اليوم الكثيرون خطورة وصول الإرهابيين الى السلطة فضلا عن إشراكهم فيها، فالخطورة لاتقتصر على إمكانية إساءة إستخدام السلطة والثروة وصولاً الى مرحلة حملهم القنابل النووية في الحقائب الديبلوماسية، فمع أهمية هذا الأمر ألا أن الأكثر خطورة، تمكينهم من إختطاف المجتمعات والسير بها نحو مستنقعات العنف والجريمة المنظّمة وبالتالي إخراج الأجيال القادمة من فضاء الإعتدال نحو نفق التطرّف.