الرئيسية » الآداب » مذكرات طالب من كوردستان – الحلقة الرابعة

مذكرات طالب من كوردستان – الحلقة الرابعة






















من الادب الكردي

مذكرات طالب من كوردستان


******************

(5)

ولقد كانت المدة بين لحظات يوم قبولي في المدرسة الهاشمية ودهر دوامي بين جنانها بحراً هائجاً، خضته أحداثاً جهنمية شهادتها كبريائي وأنا طالب، الذي اتفقت أقاويل من أعرفهم، حاشا خالي على أنني لست إلا طفلاً مسكيناً أن تغيرت حياتي في المستقبل فإن هذا لا يتجاوز في اية حال أرتفاعاً في القامة، وكبراً في العمر، ثم موتاً بليداً هادئاً، ولا أستثنى من تلكم الأحداث إلا محاولتي الفاشلة في التقرب إلى (مجيد) الطالب في السنة الثانية (بمدرسة العوينة الإبتدائية) إذ جمعت قواي وركبت شجاعتي لأحرك شفتي هذا الصبي الذي رسمه في قلبي ما كنت أسمعه عنه طالباً واظب سنة كاملة ونجح، فبدأ في مخيلتي إنساناً يعرف أسرار المدرسة الغامضة، ولكن محاولتي تلك تجمدت بين يدي الإعتقاد الذي دق أوتاده (نجم) والآخرون من أعدائي في أذهان صبية زقاقنا ومن بينهم (مجيد). ذلك الأعتقاد الجاني الذي كذب زغردة أمي وشفى آثار تلقيح يدي ثم ترك الوصل الذي كنت أحمله في جيب دشداشتي ورقة لا يأبه بها أحد.
إنهم يذهبون إلا أنني لست بطالب وإنما قد قبلت في مدرسة غير حكومية، عطفاً من مديرها عليّ وفي صف هو دون صف الأول بسني إنكم تكذبون بل أن الكذب يغرقكم أنني طالب وقد قبلت بعد امتحان عسير نجحت فيه أو ما تسمعون أنني طالب؟ ولكن عبثاً أحاول امتناع هؤلاء الشياطين. ماذا أصنع؟ لأضرب هذا بقبضتي هذه القوية ولأرشق ذاك بحجارة قاسية. إن الذين لا يستمعون إلى صوت حقك يستحقون ضرباتك… حكمة طفولية صاغتها تجارب حياتي الصغيرة، فإنطلقت في ضوئها أضرب وقد أضرب. أتى يوم السبت بطيئاً ثقيلاً، لم تستطيع الهالة التي خلعتها عليه أن تنسيني أتعابي ومشكلاتي وأنا أنتظر إتيانه، فأستقبلتهُ بفتور و تباطؤ كادا أن يدفعا بي إلى حيث كنت التجئ إليه عندما كانت أمي ترغمني على الذهاب إلى (الكتاب) لولا وقوف خالي على رأسي قائلاً لي: هيا أرتدي بنطلونك وخذ معي سبيلك إلى المدرسة إنه لطلب حبيب هذا الذي ينتهي بنغمة المدرسة إذ فلألبي دعواه، ولأسجد بين يديه، وهكذا لم تمر لحظات ألا وأنا متهيأ مستعد للخروج. خرجنا من البيت وأنا اسير وراء خالي كئيباً إلى حد، مفكراً إلى حد أكبر في موقف أمي وأبي اللذين لم يحدثاني بقليل أو كثير، ومتأملاً فيما ينتظرني هناك في المدرسة. وصلنا البناية التي رسمها تخيلي الطويل فيها عمارة ضخمة أحتوت على كل الأشياء التي لم أشم رائحتها، أو أسمع صوتها أو ألمس هيكلها خلال السنين التي عشتها. دلفت إلى البناية بعد أن ربت خالي على كتفي هامساً في أذني كن شجاعاً، وأياك أن تتخاصم مع أحد لأن المدير سيطردك. ماذا أرى في هذه المدرسة؟ جمع غفير من الصبية يمرحون ويصرخون في هذه الساحة الكبيرة دون أن يخافوا من ذلك المدير الأجش الصوت الذي قال خالي عنه إنه لا يقبل من طلابه ركضاً ولا صراخاً.
يبدو أن خالي يكذب عليّ، وإلا فأن الركض والصراخ إنما هما حرام عليّ فقط؟ ألست طفلاً تقيأته الحياة إنساناً يختلف عن الآخرين ؟؟ إذن فأن عليّ أن أقف في ركن هادئ من الساحة. ولم يمض على وقوفي دقائق والطلبة في مرح وصراخ طويلان حتى سمعت صوتاً قوياً تصلبت له أقدام الصبية، وأنغلقت حناجرهم. ولم يكن ذلك الصوت منبثقاً من حجرة المدير بل كان صيحات ذلك الذي عرب خالي أسمه فيما بعد بكلمة (الجرس). ماذا عساي أن أصنع؟ إن الأطفال شرعوا يتجمهرون في كتل متراصة وأن رجلاً ظهر في وسط الساحة يصرخ قائلاً (( أسترح.. أستعد.. أسترح.. أستعد..)) فراح أولئك الأطفال يصفقون بأقدامهم: إنه عمل جميل.. كم كنت سعيداً لو علمني إياه ذلك الأبله مجيد، فأستطيع مشاركتهم في القيام به، ولعل الأجمل من ذاك العمل هو ترنمهم بأغاني سماها ذلك الرجل في طلبه (نشيد هذا العلم حق له). حقاً إن المدرسة شئ ممتع يعني المرء فيها ويصفق بطريقة لم أألفها. وفجأة أنقطع الغناء. فراح ذلك الرجل يدخل كتل الصبية في تلك الحجرات.، ولم يبق في الساحة سواي أنا، أقف في تصلب لا يتحرك من جسمي الإ أذناي اللتان انقلبتا إلى لسان وعينين تحاولان أن تتنبئا بمصيري في هذا الموقف الغريب وبغته أقبل الرجل عليّ. ماذا تريد يا بني؟ فأجبته متلعثماً، إني طالب كأولئك جئت لأتعلم الغناء والتصفيق وأشياء أخرى. ولم يرعني إلا ضحكات عالية لم أدر دافعها أو يضحك هذا الرجل من هندامي أم يسخر من لهجتي الكردية؟ التي عرضت ذلك الكلام المستنبط مما سمعته ولمسته من الأطفال قبل لحظات ولم تقف ضحكاته إلا ليسألني أيضاً السؤال عينه ماذا تريد وما كدت أصب عليه ثانية ما أسمعته من قبل حتى ظهر المدير من جهة ما ووقف أمامي متسرعاً في مخاطبتي. أو أتيت يا كامل أفندي؟ حسناً تعال أن صفك هناك في الناحية الثانية ثم التفت الرجل ليقول له إنه صبي مسكين وذكي قبلناه في (التمهيدي) لنحميه من التسكع في الطرقات. فرد عليه الرجل حسناً وعينه؟
لم يدع وصولنا إلى الصف المخصص لي مجال التحدث للرجل في حديث قد لا يكون أقل إيلاماً من حديث ذلك المدير الذي سميته فيما بعد (بالزير). دخلت الصف وكان غرفة طويلة سررت بها كثيراً، لإنها كانت مضيئة نيرة، تبدو في صدرها تلك اللوحة السوداء واضحة لعيني، أجلسني الرجل في المقعد الذي يلي الباب وهو مقعد امتدت أمامه مقاعد كثير جلس عليها أطفال عرفت من طول الطفلين الذين يجلسان أمامي، ومن أصوات الأطفال الاخرين، انهم يصغرونني كثيراً في العمر. وقف على رأسنا ذلك الرجل الذي أخذ يسألنا واحداً واحداً عن أسمائنا، ومحلات سكنانا، وأعمال آبائنا وقد كان سؤاله ذاك ثقيلاً على كبدي ذلك لأن لهجته معي كانت باسمه أكثر مما ينبغي، ثم إنه قد راح يدقق كثيراً في أجوبتي.
فعندما قلت له مجيبه أياه إن اسمي (مامي) قال لي أن المدير سماك (كامل) فرددت عليه (إن كامل هو اسمي في الجنسية وإن مامي هو اسمي في البيت). فأنقلبت ابتسامته إلى ضحك اختفى في ضحكات الأطفال الذين أخذوا ينعقون ملأ أفواههم. ماذا؟ إن قلة الأدب ليست بقاصرة على أطفال حارتنا، بل إنها تتجسم هنا في الصف أيضاً. لقد قال لي جدي مساء الأمس ان المدرسة تهذب المرء وتعلمه الأخلاق، إنه يكذب؛ فهاهم أبناء المدرسة ومعلمهم يضحكون من أمر بسيط، قساوة هي هذه الحياة وشقاء هي حياتي بصورة خاصة. إن المعلم لا يدعني ولا يكتفي بتلك الضحكات ثمناً لسؤاله بل يستمر منقباً جوابي سائلاً اياي ثانية (( كيف يكون لك أسمان يا هذا؟ وضح كلامك)). لم اجبه… بل تمسكت بصمت كنت أريد به أشعاره بأنني منزعج، ولكن محال ما أريده؛ فها هو يلح في سؤاله بحيث لم أر بداً من أن أقول: ((إن، مامي هو اسمي الكردي، وإن (كامل) هو اسمي العربي))، وهنا انتفض في ضحكته، وانتفض معه الأطفال الذين سكتوا فجأة عندما صعق خلال أصواتهم صوت معلمهم يقول (إذا فأنك كردي)) قلت له ((نعم أنني كردي)) فقال ((جميل جدا أن تكون كردياً فأين اذنك؟)) وهنا انقلب الصف الى هرج ومرج، ذكرني بحال الطلاب قبل أن أسمع دقة الجرس. ولعل الهرج والمرج قد أفادني كثيراً حينما صم إذني المعلم والأطفال، فرحت أنا تحت ستاره أفرغ غيض صدري في لعنات لو قدر الصمت أن يسود لطردت طرداً. وبعد أن سأمت أفواههم من ذالك الضحك القاسي ساد سكوت رسم بدقة مستقبل وجودي بين هؤلاء الكلاب الصغار الذين يثيرهم معلمهم. إنهم سيرغمونني على الهروب من هذه المدرسة إنهم سيحملونني على الإعتقاد بأن الطرقات خير ملجأ يحميني. لم يستأنف المعلم بعد ذلك حديثه معي لماذا؟ لآنه تعب؟ أم لآنه شعر بأنني قد تألمت لما جرى؟ لست أدري، بل أدريه هو أنه قد تركني لآلامي التي سببها هو.
لم أعط أذني لما كان يتحدث به إلى الأطفال بل حاولت أن أتحاشى سماع صوته ذاك الذي لولا إحساسي بيد باردة توضع على رقبتي لما انتبهت إليه قط. كانت الباردة يد الرجل يد معلمهم، فدفعتها بنصف عنف قائلاً له: (( سأذهب إلى البيت إنك تضحك مني)). أجهشت في بكاء أثر فيه كثيراً، فراح يلاطفني في حنان ذكرني بحنان أمي يوم وقوعي على وجهي وكسر ساقي، إنه يقول: (( لم أضحك منك بل داعبتك وأنا أحبك كثيراً فأنت منذ اليوم مراقب على هؤلاء الاطفال؛ تقدم لي أسم من يرتكب خطأ. ثم إنك ستتعلم هنا الغناء، والتصفيق وأشياء أخرى)). ثم ضحك إنه يكذب أيضاً وإلا فلماذا يضحك؟ لأصمت، فالصمت غذائي الوحيد في هذا العالم المؤلم. دق الجرس وخرج الأطفال إلى الساحة، ولما بقيت أنا في الصف تجمعوا ثانية على الباب يتهامسون وقد ينظرون إلي!. إنني حنق على هؤلاء الكلاب الصغار أوه أضربهم؟ كلا لقد أوصاني خالي بأن لا أضرب أحداً لأن المدير سيطردني. ماذا عساني أن أعمل؟ التزم بالصمت فهو غذائي الوحيد في هذا العالم المؤلم. دق الجرس ثانية وأنا لا أزال في الصف وشعرت بأن الطلاب قد أخذوا يخرجون إلى البيت. وعندما آمنت بأن أحد لم يبق في الساحة؛ أنسللت في خفة القطة أطوي الأرض طياً، وراعني أن وجدت جمعاً غفيراً من الأطفال يقفون على مقربة من باب المدرسة إنهم يتخاصمون. أوه أشتراك معهم في هذه الخصومة الممتعة؟ كلا إن المدير سيطردني بل التزم بالصمت إن الصمت غذائي الوحيد في هذا العالم المؤلم. انطلقت في ركض، وشققت طريقي بينهم بهذا وذاك، سامعاً منهم ما يرغمني على الوقوف ثم الأشتباك معهم في المعركة، ولكن لا … إن المدير سيطردني…فلألتزم بالصمت إنه غذائي الوحيد في هذا العالم المؤلم. وصلت بيتنا بعد أن غنيت لمن رآني في الحارة مطلع النشيد (هذا العلم حقاً له) ها هي أمي تستقبلني على غير عادتها ((ماذا فعلت هناك يا مامي))؟ ((لقد فعلنا كل شئ؛ قرأنا النشيد)) ورحت أترنم بالعبارة الوحيدة التي علقت بذهني (هذا العلم حق له) ، ((ثم ماذا عدا هذا النشيد يا مامي؟)) وأجبتها في افتخار لقد قرأنا (القراءة) ، ((حسناً يا بني الحبيب فإنك لن تهرب من المدرسة كما هربت من الكتاب)). ((كلا أيا أماه كيف سأهرب وأنا مراقب على أولئك الأطفال كلهم)). ثم خرجت عسى أن أرى من الأطفال من أقارعه بما ينسجه وهمي من مشاهد الإدعاء والزهو. رأيتهم جميعاً كالمألوف وقد توزعوا في “زمر” ذلك (فرمان) يبيع الشكولاته وحوله أطفال يتحدثون، وتلك العمة (خازبانو) تبيع الشامية (الذرة) وقد تجمهر حولها عدد آخر من الصبية، ولم أكد لأصل عند مجموعة (فرمان) حتى تناولت شعره برقة قائلاً له ها قد رجعت من المدرسة يا صديقي العزيز. أما تأتون معي إلى بيتنا لأقص عليكم ما سمعت ولأمثل لكم ما رأيت؟ وما غاضني وأثار حفيظتي إلا صوت صبي يهرب بعيداً وهو يقول ((أية مدرسة هي هذه التي أنت طالب فيها أين كتبك؟ لماذا صرفوك مبكراً؟)) حقاً ليست لي كتب، وحقاً لقد أنفضت المدرسة بسرعة. إذن فلأعد الى البيت عسى أن يجد خالي جواباً على أعتراضات هذا الصبي الملعون. عدت إلى البيت وأنزويت في حجرة جدي التي جمعت فيها أخواتي الثلاث، منهمكاً في ترداد العبارة التي سمعتها من المعلم:ـ
(أستاعد أسترح) طالباً منهن أن يضربن رجلاً برجل. ولما لم تكن الآنغام المنطلقة من أقدامهن تشبه الأنغام التي كانت تنطلق من أقدام الصبية في المدرسة، أمرتهنّ بوجوب وضع الأحذية في أقدامهن. وهكذا وبعد جهد جهيد، تمكنت أن أستعيد إلى أذني صدى ضعيفاً لما سمعته صباح هذا اليوم تصفيق الأقدام. رجع خالي إلى البيت، ودون إن ينزع ملابسه راح يسألني عما فعلته فأجبته عما جرى لي، متجاهلاً ما آلمني من تلك المجريات فشكرني وتمنى لي مستقبلاً زاهراً. ثم أخذت أسأله عن تلك اللوحة السوداء ما أسمها؟ وتلك الآلة التي أطلقت ذلك الصوت المدوي ما عساها أن تسمى؟ ولماذا إنفضت مدرستنا هكذا بسرعة؟ ومتى سيباع لي الكتب؟ أجاب عن أسئلتي بأسهاب أدخل السرور على قلبي، لا لشئ إلا لأنها معلومات سأقارع بها أولئك الذين يشكون في أنني طالب في مدرسة وهي مدرسة (نجم) سيان.