الرئيسية » مقالات » إعدام .. شجرة !

إعدام .. شجرة !

وانا أسير في أحد شوارع بغداد .. مرت بقربي سيارة حمل وهي تحمل في حوضها الخلفي شجرة كاملة مقطعة الى أجزاء صغير ، لا تتجاوز المتر طولاً ، ولاحظت أن بعض البراعم الخضراء قد بدأت للتو بالظهور ، كالأجنة ، من جذعها “المذبوح” ، وفوق كل تلك القطع كان المنشار الكهربائي الكبير ، أدات الجريمة ، ملقى عليها مزهواً بالإنتصار ، لقد كانوا ثلاثة شبان أحدهم يقود تلك المركبة وهي تحمل نعش شجرة من أشجار بغداد .
منذ ذكريات 2003 المؤلمة وبعد أن تم الهجوم الشرس بالفؤس والمعاول ، سلاح دمارنا الشامل ، على أشجار بغداد بداعي الحصول على الوقود في ذلك الشتاء ، كانت تلك الهجمة الشرسة من أهم معالم الفترة الزمنية التي مررنا بها جميعاً ، وفيها قطعت أشجار كبيرة جداً ، معمرة ، كانت تمثل أرثاً زراعياً كبيراً للمدينة التي تحاول اليوم أن تعيد لنفسها تلك الصورة الخضراء المنتجة للحياة .
لقد أبى البعض إلا أن يُعروا المدينة من خضرتها تلك من خلال الإقتصاص من الأشجار الكبيرة “الناجية” من “تسونامي” الحوسمة الأولى وعلى الرغم من توفر الوقود للطبخ والتدفئة إلا أن البعض يصرون اليوم على إستخدامها في حفلات الشواء التي يقيمونها وتلك “الجنابر ” التي أمتلئت بها شوارع مدينتنا والمتخصصة بالشواء ومحلات بيع الأخشاب والتي يعرف الجميع مصدرها ولكنه الإصرار على إشباع الكروش التيسوف يشيع نهمها حتى ولو كان الوقود ، عظامنا .
هل من سبيل لإيقاف تلك الهجمة على الأشجار ؟ التي لا يوجد أكثر براءة وعطاءاً منها ، وهل من سبيل الى مسائلة أولئك المتاجرون ،بإعدامها ، عن مصدر اشجارهم .. أم نترك الموضوع على حاله لتعرى المدينة من حلتها وتبقى الأعمدة الكونكريتية البالية هي وجهها .
دعوة كي نحاسب من تمتد يده الى هذا التراث الأخضر الذي يحمل ، إحياناً ، البهجة الى قلوبنا في زمن اللابهجة واللاسعادة .. في زمن الخوف من إعدام .. شجرة !

زاهر الزبيدي