الرئيسية » شؤون كوردستانية » أنصاريات .. قواعد ومفارز وإعادة بناء تنظيمات الده شت- الحلقة الثانية

أنصاريات .. قواعد ومفارز وإعادة بناء تنظيمات الده شت- الحلقة الثانية

بعد احتفالات ترحيبية بوصولنا إلى كه لى كوماته ( قاطع به هدينان ) وبعد قسط من الراحة وعدة اجتماعات تقييميه لمسيرتنا المليئة بالمخاطر والمتاعب بدأت قيادة القاطع بتوزيعنا على الوحدات العسكرية والهيئات الحزبية ، والجدير قوله هنا إن الصفات الحزبية كانت تمنح لأعضاء الحزب عبر تقييمهم من كل النواحي من قبل عدد محدود من الرفاق في الهيئة الحزبية التي يعمل فيها ثم هيئة حزبية أعلى ، وعلى هذا الأساس كانوا يحتفظون بصفاتهم الحزبية اينما حلوا وارتحلوا ، وهذا لم يعد موجودا الآن فكل شيء يخضع لإرادة الشيوعيين واجتماعاتهم الدورية التي يتم فيها الانتخابات الحزبية وفق النظام الداخلي للحزب ، المهم اصبحت نصيرا مقاتلا في حظيرة تم تشكيلها حديثا ، وعضوا في لجنة حزبية ” لجنة قاعدية ” يقودها الرفيق أبو أنور ، بدأنا ننقل خبرتنا التي اكتسبناها من قاعدة ناوه زه نك إلى الأنصار بشأن كيفية تنظيم الأمور اليومية للوحدات العسكرية وإدارة الحياة الحزبية ، وانخرطنا في بقية الأعمال اليومية كالخدمة الرفاقية والخبز ، وبالمناسبة وفق فكرة من أحد الأنصار قمنا ببناء مخبز من الحجر والطين نصنع فيه خبزا راقيا ، عملت فيه مع النصير توفيق فترة غير قصيرة نزود الأنصار في كل صباح بخبز حار ، لم يكن مخبزنا مختلفا عن تلك الموجودة في المدن العراقية عدا الوقود المستخدم ، إذ كنا نستخدم الحطب وفي البقية يجري استخدام النفط الأبيض .

وكانت هناك صعوبات غير قليلة فيما يتعلق بكيفية إيصال المؤن القادمة عبر مناضلي كوك إلى ألمقر ذلك بسبب وعورة الطريق لمسافة غير قصيرة ، فقد كانت الحيوانات غير قادرة على المرور فيها وكان لابد من نقلها من نقطة معينة على ظهورنا وكانت العملية تحتاج إلى جهد وطاقة و تعترضها صعوبات ومخاطر مثل الانزلاق من القطوع الصخرية وما شابه ذلك.

بدأ عدد الرفاق والأنصار القادمين من الخارج والملتحقين من الداخل إلى قاطع به هدينان يتزايد ومنه يجري توزيعهم على المقرات والقواطع ألأخرى وإلى جانب هذا بدأ السلاح يتدفق إلى المقر بكميات جيدة رغم المصاعب والمخاطر التي كانت تعترض وصوله وأيضا كان يجري تقسيمه على مقرات الأنصار وفق حاجتها و بدأت أجهزة الاتصال أيضا تصل علاوة على اسلحة مضادة للطيران وغير ذلك من مستلزمات الحرب البارتيزانية .

وبذلك أصبح التواصل دائما بين مختلف مقراتنا في كوردستان وبدأت قيادة الحزب تولي اهتماما مكثفا بقاطع به هدينان فأرسلت القائد الأنصاري توما توماس عضو اللجنة المركزية للحزب لقيادة القاطع عسكريا وثم أرسلت المرحوم أبو عواطف عضو اللجنة المركزية لقيادته حزبيا بعد أن كان كل من أبو علي( 1)”عمر محمد الياس” و ابو عائد( 2) “نعمان سهيل” يقودان القاطع مع عدد آخر من الكوادر الحزبية والعسكرية .

وكانت حياة الأنصار تتطلب المزيد من التنظيم وتوفير أجواء جديدة وحافزة ، فقط انتظمت العديد من الأنشطة الثقافية والسياسية والفكرية عبر محاضرات يقيمها الرفاق وفق اختصاصاتهم المتعددة ، وجرى تخصيص ساعة اجبارية للمطالعة في مساء كل يوم ، وجرى تكليف عدد من الرفاق لإعداد نشرات إخبارية من الإذاعات الخبرية عن طريق أجهزة الراديو القليلة والخاصة بالرفاق ، ولم تكن هذه النشرات تخلو من المفارقات المضحكة والتي يحرص معدوها على ترطيبها بجمل فيها الكثير من الفكاهة تسخر من رموز نظام صدام حسين أو من رؤساء وقادة الدول العربية الذين تربطهم علاقات قوية بالنظام ، فلذلك كنت تجد بين خبر وآخر انفجار موجة ضحك قوية بين الأنصار المستمعين لتلك لنشرات الإخبارية ، ولا أنسى أن أذكر بأنه في المناسبات الوطنية والقومية كانت تقييم أجمل الاحتفالات والأفراح ، نحييها في أكبر غرف نوم الأنصار أو نتشارك بها مع بيشمه ركه حدك على الهواء ألطلق ، وكانت تنتظم فيها حلقات للرقص الكوردي والعربي وتنطلق حناجر الأنصار لتغني للحزب والشعب والوطن .

بعد قضاء عدة أشهر عاد أبو ماجد ثانية إلى المقر معتمدا على معرفته وخبرته ، إذ استطاع الوصول إلى “به رى كاره ” ومن هناك انظم إلى مفارز حدك الصديقة للوصول إلى مقر القاطع .

لم يمض وقتا طويل بعد وصول أبا ماجد حتى بدأت قيادة القاطع تعد العدة لمفرزة أخرى بقيادته وإرسالها إلى مناطق العمل وصولا إلى الده شت ، حيث أكد أبو ماجد إمكانية الوصول إليها وتنفيذ أنشطة عسكرية وتنظيمية هناك ، وكانت قوات النظام تستعد لحرب دكتاتورها الأرعن ، التي دامت ثمانية اعوام مع إيران راح ضحيتها من الأرواح في الطرفين مئات الآلاف ، ومن الأموال ما يكفل بناء أقوى دولتين اقتصاديتين على مستوى المنطقة بل والعالم كله ، وأكثر من هذا إذ أصبح العراق لاحقا جحيما لا يطاق بسبب القتل الدائم لأبنائه في الحرب الداخلية البشعة والمستمرة ضد الكورد والقوى الديمقراطية المناهضة لسياسات النظام وبسبب طموحات صدام التوسعية واحتلال دولة الكويت والسعي للحفاظ على أسلحة القتل الجماعي المحرمة دوليا وتوسيع ترسانتها وبسبب كل ذلك ذاق العراقيون جوعا وحرمانا مران لسنين طويلة علاوة على حرب الإطاحة به في 2003 ، التي انتجت نظام حكم طائفي في العراق أغرق البلاد في بلاء قليل الحدوث قبل هذا التاريخ ، ودفع العراقيون لقتال بعضهم بعضا فدخلوا في معارك مذهبية ومناطقية طاحنة ، حتى فاضت أنهارا من دماءهم وهدرت المليارات من أموالهم . وبقي الوضع في البلاد مستعصيا على الصفاء والأمن والاستقرار والرفاه إلى يومنا هذا .

جرى تشكيل مفرزة جديدة على وفق متطلبات وحاجات العمل ، فقد كان ضمن قوامها العديد من الرفاق الذين كلفوا بمهمة الاتصال ولملمة الرفاق والمنظمات الحزبية بعد الضربة التي تعرضت لها وأدت إلى تفكيكها وانتزاع الاعترافات من اعضاءها إلى جانب تعهدات بالامتناع عن العمل في صفوف الحزب ثانية .

وكنت مكلفا لهذه المهمة إلى جانب مجموعة أخرى من الرفاق ، فقد كان من المقرر العمل مع النصير(3)”أبو داود” لغرض الاتصال بمنظمات بن كه ند أي حتارة ودوغاتا وسريشكة وفيما بعد بمنظمات بقية ريف تلكيف ، وكان ضمن هذه المجموعة التنظيمية كل من النصير (4)”صباح كنجي” لغرض استطلاع الاوضاع في بعشيقة وبه حزانى والموصل وتحقيق ما يمكن تحقيقه من اتصالات وإعادة التنظيم فيها ، وكذلك النصير(5)” أبو خلدون”للنشاط في جامعة الموصل علاوة على إمكانية العمل في مناطق أخرى من العراق وخصوصا في النعمانية كونه ابن هذه المدينة .

وكان من بين أعضاء هذه المجموعة النصير نبيل (6)”مصطفى فرمان ” من أهالي قضاء الشيخان ” استشهد لاحقا في قرية دوغاتا في معركة مع أزلام النظام ، وكان مكلفا لإعادة الصلة بتنظيمات مدينة الشيخان ، إضافة إلى النصير(7)”نجيب “أنيطت به مهمة الاتصال بمنظمات ألقوش والعمل من أجل خلق ركائز حزبية جديدة هناك ، هو الآخر أعدم لاحقا من قبل السلطات العراقية .

أما في الجانب العسكري فقد تم اختيار أفضل الأنصار وأكثرهم اندفاعا للعمل العسكري بالرغم من أن الجميع كان يفتقد إلى الخبرة والممارسة ، وإن تشكيل هذه المفرزة كان التجربة الأولى بهذا الحجم ، فقد كان عدد أفرادها يتجاوز الـ 30 نصيرا وكان هناك وضوح لدى الجميع حول مهمة المفرزة وكان كل واحد يعي حجم مسؤوليته والمخاطر التي تترتب عليها في سياق العمل وكان الجميع يشترك في الحماس لخوض هذه التجربة ، لم يكن هناك من بين أنصار المفرزة من تردد في خوض غمار طريق يجهلها، فالجميع سار خلف أبو ماجد بثقة عالية ، عندما اعطيت الأوامر له للتحرك في الثلث الأول من شهر تموز 1980 .

الطريق من كوماته إلى قرية (8 )”قومريى” المهجورة والمدمرة كانت معروفة للغالبية من ألأنصار ولم يكن هناك ما يعترضنا من مخاطر عسكرية ، ولا عوائق أخرى غير أن تتعود أطرافنا على الحركة لمسافات بعيدة ، بعد أن كانت تتحرك في المسافات القريبة إلى خابور على بطء تمتحن الحياة الأنصارية القادمة بين أن تترجل لنقل التموين أو السلاح القادم إلى القاطع عبر مفرزة الطريق وبين نقل الحطب من هذا الوادي أو تلك القمة القريبة من مقر كه لي كوماته .

وصلنا إلى قرية قومريى بعد حلول الظلام وكان التعب والنعاس يخيمان على وجوه العديد من الأنصار ، لذلك لم يكن الأمر مستغربا أن يغفوا العديد منا لبرهة من الزمن واشتداد الرغبة إلى نوم عميق ربما فات على الكثيرين في ليلة الاستعداد لهذا السفر النضالي الأول .

لكن أبا ماجد كان حازما ، فوجه الأنصار بعد استراحة قصيرة للانطلاق نحو الشارع الأخطر لعبوره باتجاه قرية (9)”كُركا” وكان صارما فيما كان يصدره من أوامر لأنه تحمل مسئولية كبيرة إلى جانب قناعته الشديدة بأن مرتكزات النظام لابد أن تتلقى ضربات موجعة من أنصارنا ، نهض الجميع إلا نصيرا واحدا لا أتذكر اسمه لم تصل إلى اسماعه هذه الأوامر بعد أن غلبه نوما عميق على صخرة تتمدد على جانب من نهر يمر قريبا من جامع القرية الذي حافظ على بعض من بنيانه … تحرك الجميع تاركين وراءهم النصير الغارق في نومه دون أن يعرفوا بذلك ، ساروا بحذر شديد فيما تبقى من الطريق للوصول إلى الشارع المبلط والذي يشكل خطورة واردة في أي وقت تشاء فيه قوات النظام من نصب كمائنها عليه لصد تدفق الأنصار والبيشمه ركه إلى العمق.

جرى تشكيل عدة مجموعات لحماية المفرزة والمرابطة على الشارع وكشفه لكي نستطيع العبور بسلام والوصول إلى قرية كٌركا وهذا ما تحقق خلال وقت قصير ولم نتوقف في القرية كثيرا إلا لغرض ابتياع بعض الحاجيات الضرورية من أحد دكاكينها الصغيرة ، بعدها واصلنا السير نحو جبل متين وعند وصولنا إلى نهر صغير يقع إلى الجنوب من القرية ، تلقينا الأوامر لغرض قضاء استراحة قصيرة وما أن توقفنا حتى بدأ الأنصار يستفسرون عن النصير المفقود ولما تأكد لنا فقدانه فعلا ، على الفور جرى تكليفي والنصير أبو عدنان ونصيرا أخر لا أتذكر اسمه لتعقب أثره فعدنا إلى القرية وهناك التقينا بعدد من المواطنين القادمين من المناطق القريبة إلى كه لى كوماته لغرض التبضع لعوائلهم وللتجارة أيضا ، فعرفنا منهم أن النصير المفقود عاد إلى كوماته برفقة مجموعة أخرى من المواطنين الذين يأتون إلى هذه القرى لنفس الغرض فعدنا ثانية إلى المفرزة وأبلغناهم بسلامة الرفيق وعودته إلى مقر كوماته ، ومرة أخرى باشرنا المسير إلى قرى حوض متين ، ولا أتذكر بالضبط إن كانت محطتنا لقضاء بقية تلك الليلة قرية “بازى” أو “بى شيلى” ، إذ لا تبعد المسافة بين القريتين كثيرا ، فبازى التي يسكنها مواطنون مسيحيون اشوريون ، كانت تقع في فتحة تؤدي إلى حوض متين وعلى مسافة ليست بعيدة تصل إلى قرية بى شيلى التي يسكنها الكورد المسلمون ومواطنو القريتين كانوا يعيشون في جيرة يسودها التآزر والمحبة ويقدمون ما في استطاعتهم من خدمات إلى مختلف القوى المناهضة للنظام .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش

(1)”عمر محمد الياس” أبوعلي كان عضو احتياط في اللجنة المركزية للحزب ، توفي لاحقا في مقر محلية نينوى بدهوك ذلك في عام 1994 وجرى تشييع جثمانه في موكب مهيب إلى مقبرة شاخكى .

( 2) “نعمان سهيل” ابو عائد قائد انصاري معروف وظف جل حياته في خدمة الحزب ، ويتواجد الآن في كوردستان ، إذ قدم خدمات جلية للأنصار من خلال تواجده على رأس رابطة الأنصار الشيوعيين .

(3)”أبو داود” وهو خديدة حسين علي من أهالي قرية حتارة ، تولى قيادة محلية نينوى للحزب في ظروف صعبة.

(4)”صباح كنجي” معروف للقراء الكرام فهو نصير متميز وقائد أنصاري شجاع ، التحق في صفوف الأنصار تزامنا مع رحلتي إلى الجبل يوما بيوم ، وقد كتب عن الأنصار كثيرا ولكنه كتب ويكتب في المجالات الأخرى أيضا ، ويتسم بجرأة متميزة فيما يطرحه من مواضيع ، ولغة متفوقة تصل إلى اعماق القراء بسهولة متناهية ، وله اسهامات هامة ومتميزة في تدوين مذكرات حزبية و أنصارية لعدد من الرفاق القدامى ، احتوت على تاريخا هام في حياة الحزب والعمل الأنصاري غير منشورة لحد الآن ، وأرجو لها النور في القريب العاجل .

(5)” أبو خلدون” شاب من مدينة النعمانية كان يدرس في جامعة الموصل ، التحق في صفوف الأنصار في ظروف بالغة التعقيد وفي بدايات تشكيلها ، بعد هذه الفترة التي أتحدث عنها كلف بمواصلة مهامه الحزبية في الداخل ، فخاض تجارب في غاية الجرأة ، تحدث عن أحداها درمان مراد دوغاتي نشرت على بحزانى نت تحت عنوان “من مآثر أبو خلدون” عرفت في الآونة الأخيرة بأنه يعيش حاليا في بريطانيا .

(6)”مصطفى فرمان ” كان اسمه الحركي نبيل ، التحق عن طريق الشهيد محمود ايزيدي القائد الأسطوري والفذ في القيادة المؤقتة للحزب الديمقراطي الكوردستاني ، والذي استشهد في معركة غادرة على يد الجيش العراقي في 1979، ذلك في به رى كارة ، وبالتحديد في المصائف” زوم” الرعوية التابعة لقرية “ردى نيا ” . واستشهد نبيل كما ذكرت في معركة مع أزلام النظام في قرية دوغات وذلك في 1982 أثناء عملية عسكرية كان ينفذها أنصارنا ، عائلة مصطفى المتكونة من والدته وأخته كانت على الدوام في خدمة الحزب فقدمت كل ما في وسعها لتسهيل عمل منظمة الحزب في شيخان .

(7)”نجيب ” لا أعرف عن نجيب كثيرا ولكن الذي أعرفه كان يعمل بصفة سائق في طريق الشعب ، جريدة الحزب المركزية أبان فترة الجبهة مع البعث ، وجرى تصفيته بعد الحادثة التي سأتحدث عنها في الحلقة القادمة من نفس هذا الموضوع.

(8 )”قومريى” قرية كوردية تقع في المناطق المحرمة على وفق الاتفاقية التي عقدها نظام صدام حسين مع الدولة التركية ، فجرى تهجير سكانها مع غيرها إلى المجمعات السكنية القائمة في العمق ، وبموجبها كان يحق للجيش التركي التوغل إلى العمق الكوردستني لمسافة 15 كيلومترا لغرض دك وملاحقة القوى الكوردية المسلحة والمناهضة للحكومة التركية ، واعتقد أنه لازالت الاتفاقية سارية المفعول ولازالت هذه المساحات تتعرض إلى الكثير من القصف التركي الهمجي .

(9)”كُركا” قرية كوردية تابعة إلى ناحية باطوفة ، كانت مفارز الأنصار تمر عادة عبرها من كوماته إلى جبل متين وبالعكس إلى أن خف تواجد قوات النظام في المنطقة ، وعندها وجدت طرق أخرى أكثر اختصارا .