الرئيسية » مقالات » الديمقراطية التوافقية والدولة الوقفية في العراق

الديمقراطية التوافقية والدولة الوقفية في العراق

إن التوافق كما يعرفه (آبريل كارتر) يعني”.. التكيف ووقائع الوضع السياسي والالتقاء بالمعارضين في منتصف الطريق، وتعزيز الخير العـام بالتضحية ببعض المطالب والايثارات الشخصية ويرتبط – أيضاً- بقيم الحكمة والتسامح الليبرالية ” (فيليب غرين، الديمقراطية، ص 432). ويحتاج تفعيل هذا المبدأ في مجتمع ما وجود ما اسماهم (آرنت ليبهارت) “المهندسين التوافقيين”. وهؤلاء المهندسون التوافقيون، هم الزعماء السياسيون القادرون على الدمج بين متطلبات الديمقراطية ومتطلبات التوافق، لقيادة مجتمع تعددي متنافر ومتنازع للوصول به إلى مرحلة الديمقراطية التنافسية المستقرة، تلك الديمقراطية التي لا يمكن العمل بها إلا في ظل مجتمع متجانس، نجح أفراده باجتياز مرحلة التعايش والاحترام المتبادل وقبول الآخر إلى مرحلة التعاون والتكامل وتحقيق النفع العام، في ظل الوحدة الوطنية.
إن نجاح الزعماء السياسيين في الوصول بهذا المسار إلى غايته النهائية من خلال الديمقراطية التوافقية يتطلب وفقا لـ (ليبهارت) شروطا محددة تتمثل بما يلي:
1- أن يقبل السياسي بالديمقراطية هدفا أساسيا.
2- أن توصف البنى والإجراءات التوافقية بوضوح.
3- أن يكون تطبيق النموذج التوافقي أداة ضرورية لبلوغ ديمقراطية مستقرة (ديمقراطية تنافسية)، أو إذا كانت ثمة وسائل أخرى لبلوغ الغاية نفسها، أن تكون التوافقية مفضلة في بعض النواحي الأخرى.
4- أن تكون الطريقة التوافقية وسيلة كافية لغاية الديمقراطية المستقرة.
5- أن تكون نتائج الديمقراطية التوافقية معلومة، كما ينبغي قبول محاسن هذه النتائج ومساوئها من قبل الزعماء السياسيين. (ليبهارت، الديمقراطية التوافقية، ص 334).
من خلال هذه المقدمة الموضوعية عن الديمقراطية التوافقية بشروطها وقيمها، سنلج إلى الوضع العراقي الحاضر. فمنذ عام 2003، وزعماؤنا السياسيون يؤكدون على تبنيهم للديمقراطية التوافقية منهجا وسلوكا للعملية السياسية، لكنهم لم ينجحوا حتى اللحظة في تحقيق نتائج ملموسة لتحقيق الهدف من وراء ذلك، بل على العكس تجد النتائج المترتبة على ممارسات الكثير منهم قد ذهبت في الاتجاه المعاكس لغاية الديمقراطية التوافقية. فبدلا من تحقيق الانسجام الاجتماعي، زادت مظاهر التشظي، والتباعد بين مكونات النسيج الاجتماعي العراقي. وبدلا من جعل الديمقراطية التوافقية مرحلة انتقالية للوصول إلى الديمقراطية التنافسية المستقرة تنامت مظاهر الاستئثار والانفراد بالسلطة، والتصارع بين مؤسسات الدولة. وبدلا من تحقيق النفع العام، وإعادة بناء البنية التحتية، لخدمة المواطن العراقي، تجد تصاعد في معدلات الفساد المالي والإداري، وتعطيل مشاريع النفع العام، وترهل الجهاز الحكومي وعجز واضح عن تلبية حاجات الناس، وزيادة مستمرة في الفجوة بين السلطة والشعب.
والأخطر من كل ما تقدم هو أنه بدلا من إيجاد منظومة قيم مدنية معتدلة، تقدس الحوار، وتحترم الرأي الآخر، وتؤمن بالتنوع الاجتماعي والتعددية السياسية، تجد ترسيخا ملحوظا لمنظومة قيم التطرف، والإقصاء، والتهميش، والعنف المتبادل. وهذه الصورة المشؤومة للواقع العراقي تثير الخوف والرعب على مستقبل هذا البلد، لأنها تعيد إنتاج مراحل زمنية سابقة انتهت بنتائج مأساوية وخيمة العواقب، لذا نخشى أن يصدق (وليام بولك) في قلقه على مستقبل العراق عندما قال: “.. أن الفترة الحالية من غير دكتاتور قد يثبت أنها كانت مجرد فترة بين هذا الدكتاتور (صدام حسين) والدكتاتور التالي..” (وليام بولك، لكي نفهم العراق، ص 45).
والسؤال المطروح هنا، هو لماذا تفشل النخب السياسية العراقية في تحقيق شعاراتهـا المرفوعة على طـول تاريخ العراق الحديث(1921– الوقت الحاضر)؟.
إن الإجابة عن هذا التساؤل تكمن في حقيقة أن نظام الحكم في العراق كان وما يزال ينتمي إلى ما يسمى بالأنظمة “الوقفية الجديدة”، تلك الأنظمة التي ” تجعل السلطة السياسية وقفا على شبكة زبائنية من مؤيدي قادة الدولة، وتسخرها لخدمة مصالحهم،(فأنتجت هذه الأنظمة في بعض الأحيان كحالة زائير تحت حكم موبوتوسيسي سيكو والعراق تحت حكم صدام حسين).. سلوك النهب المتوحش، إذ أقدم شخص ضار واحد على سلب قسم كبير من موارد المجتمع بأكمله (أو في أحيان أخرى).. اقتصر الأمر على المحاباة واستغلال النفوذ السياسي، حيث استخدم القطاع العام لإعادة تخصيص حقوق الملكية لمصلحة مجموعة أو شأن معين، أي توجيهه لخدمة مصالح أسرة أو قبيلة أو منطقة أو فئة أثنية واحدة “(فرنسيس فوكاياما، بناء الدولة، ص 61). نعم إن نظام الحكم في العراق الحديث منذ نشوئه ينتمي إلى هذه الفئة من الأنظمة السياسية، إذ لم يعبر النظام على اختلاف أطروحات قادته الفكرية، ومشاربهم الاجتماعية، وأجنداتهم وممارساتهم السياسية عن إرادة شعب العراق، ولم يخدم طموحاته ورغباته، بل كان معبرا وخادما لأصحاب النفوذ والسلطان وحواشيهم والمتعلقون بهم، وربما لهذا السبب قال (بولك): على امتداد تاريخ العراق الطويل،” الفئة الوحيدة التي نادرا ما امتلكت العراق كانت شعبه. ولذلك عندما يضغط عليهم تهديد اقتصادي أو اجتماعي أو عسكري، كانوا في كثير من الأحيان يسعون إلى السلامة بأقصر الطرق (الخضوع لدكتاتور).. وفي كثير من الأحيان، لم يكن لدى العراقيين خيار آخر. وكانوا ينقادون إلى ما يريده الرجال الأقوياء المحليون أو الغزاة الأجانب، إما بالإكراه، أو بالتخويف، أو بالخداع والتضليل. ومع مرور الزمن، أصبح الانقياد عادة. ولذلك، فأن التحدي الذي يواجهه العراقيون هو أن يكسروا قيود تاريخهم وسلاسله، وأن يعثروا على صوتهم، وان ينتزعوا حقهم في حكم أنفسهم بما يحقق أفضل مصالحهم ” (بولك، لكي نفهم العراق، ص 219-220).
وفي الوقت الذي نتفق مع بولك في كثير مما ذهب إليه، فان رأيه يوحي بتحميل الشعب العراقي المسؤولية الأعم عن فردية أو أرستقراطية نظامه السياسي، لكن الحقيقة هي غير ذلك، فالمسؤولية الأولى عن وجود ثقافة الانقياد والدكتاتورية تقع على عاتق النخب السياسية التي توالت على الحكم في هذا البلد، تلك النخب التي مافتئت تقدم مصالحها الخاصة على مصلحة الشعب العامة، ففي كل مرة ينهض الشعب ثائرا للتعبير عن إرادته الحرة، تصدمه حقيقة سرقة هذه الإرادة وانحرافها عن مسارها لمصلحة فرد أو مجموعة حاكمة، تتاجر في سبيل مصلحتها بكل المبادئ والقيم، وتسلك كل الطرق للوصول إلى غاياتها.
لقد أكد تاريخ العراق السياسي هذا الأمر بصورة جلية، فقبل انسلاخ العراق عن الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين، كان حكم البلد مفتوح لكل من يدفع أكثر لشراء المنصب، وكان الفائز بالحكم يعوض ما دفعه مع الفائدة من خلال ما ينهبه خلال فترة وجوده في السلطة، دون أن يخالج ضميره أدنى شعور بالمسؤولية العامة، وإذا ساءت ظروف الناس بسبب هذه السياسة تلقى المسؤولية على عاتق الحاكم السابق وحاشيته، أما الحاكم الحالي وحاشيته، فمشغولون في جمع أكثر ما يمكن من الوظيفة العامة، لتأمين أنفسهم بواسطة المال المنهوب، لذا لا عجب أن يباع منصب متصرف الموصل (والي الموصل) في العام 1871م بمبلغ 800 ليرة تركية. ونتيجة لهذا الواقع الإداري الفاسد كان البلاط – آنذاك- يرسل إلى العراق كل جاهل وغير كفء، وسيء السلوك والتصرف من الموظفين والمسؤولين. ولم يكن من النادر أن تكون الدوافع الوحيدة لهؤلاء هي جمع المال، الذي يكدسونه بأخذه عنوة أو ابتزازا من الناس (حنا بطاطو، العراق، الكتاب الأول، ص 250-251).
وبعد الانفصال عن الدولة العثمانية، وتأسيس الدولة العراقية الحديثة، استمرت العقلية الوقفية في الوجود على امتداد عقود العشرينات والثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، من خلال ائتلاف النخبة السياسية العراقية العاملة -آنذاك- والتي مثلها المشايخ، والأغوات، والسادة العشائريون والحضريون، والمسؤولون الأرستقراطيون، والضباط الشريفيون السابقون، فحرص هذا الائتلاف على تنسيق المواقف فيما بين أطرافه من أجل استبعاد طبقات الشعب الأخرى عن المناصب المهمة في الدولة، واستغلال مجلس الوزراء والبرلمان والأحزاب السياسية، لترسيخ السيطرة المطلقة لأفراده (حنا بطاطو، العراق، الكتاب الثالث، ص 29-30)، ولعل ابرز مثال على وقفية الدولة لمصلحة هذه النخب هو مقدار الأراضي التي امتلكها رؤساء وزراء العراق وعوائلهم في العهد الملكي، والتي وصلت إلى 137,544 دونم من الأراضي الزراعية، في وقت لم يكن بعضهم يمتلك فيه دونما واحدا قبل تسنمه لمنصبه (حنا بطاطو، العراق، الكتاب الثالث، ص 394).
وبالانتقال إلى العهد الجمهوري لن يتغير واقع وقفية الدولة، الذي جسده بشكل واضح عهد صدام حسين، من خلال عدد القصور التي امتلكها الحاكم وحاشيته المقربة، والنهب المنظم للمال العام، في وقت كان يعيش فيه أغلب العراقيين تحت مستوى الفقر، ومن خلال استغلال مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية لإرضاء ميول الحاكم المطلق ومغامراته الهزلية، التي لم تكن مبادئها وشعاراتها الثورية إلا وسيلة لتضليل الشعب وتزييف إرادته.
واليوم، وبعد سقوط الطاغية، ومجيء نخب سياسية جديدة إلى الحكم، تجد أن ما تغير هو شخص الحاكم لا عقلية الحكم، فعقلية الحكم التي تصور موارد الدولة على أنها مغارة علي بابا التي يفوز بالثراء من يضع يده عليها، وتصور مؤسسات الدولة على أنها مصباح علاء الدين الذي يساعد على إخراج مارد القهر والقوة لنهب المال العام والاستئثار بالسلطة بلا خوف من مراقبة أو محاسبة، لا زالت هي المهيمنة على تفكير وسلوك الكثير من النخب السياسية. ونتيجة هكذا عقلية هي صورة تراجيدية ترسم ملامحها على مسرح السياسة العراقية، إذ منذ عشر سنوات، والنخب السياسية تبرع في خلق المشاكل والأزمات، لمنع إصدار القوانين التي يحتاج إليها الشعب، وتدور في دوائر مغلقة لا يبدو أنها ستخرج منها قريبا، فيبدو العراق للناظر إليه من الخارج دولة غنية جدا تحت الأرض، لكن شعبها من أفقر الشعوب فوق الأرض، ولو كانت هناك تقارير دقيقة ومحايدة لحجم الثراء واتجاهات تمركزه في العراق خلال هذه الفترة، لوجدنا أن البوصلة تشير إلى تراكم فاحش للثروة بيد النخبة السياسية المهيمنة على الساحة السياسية العراقية اليوم حالها كحال النخب التي سبقتها، مقابل فقر متزايد لأغلبية أبناء الشعب، فضلا عن استئثار مقيت بالسلطة وأدواتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعندما تعجز هذه النخبة عن تلبية حاجة شعبها تلقي بالمسؤولية على ممارسات النظام السابق !!، أو على الديمقراطية التوافقية !!، أو على المؤامرات الخارجية، لكن الحقيقة أن المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على العقلية الوقفية التي لم تخلص من فتنتها هذه النخبة، على الرغم من نتائجها الكارثية التي تركتها على ماضي وحاضر ومستقبل العراق.
إن بقاء هذه العقلية كمنهج فكر وسلوك للقادة العراقيين لن يسقط الديمقراطية التوافقية ويحرفها عن هدفها فحسب، بل سيحرف كل فكرة ومبدأ وقيمة وأيديولوجية مهما كانت قدسيتها ومثاليتها والحاجة الإنسانية إليها، لأنها ستجد ساسة غير قادرين على العمل استنادا إلى قواعدها من جانب، وبارعين في تشويهها وتحويلها إلى شعار تعبوي مضلل للشعب من جانب آخر.
فهل يتمكن ساسة العراق من تحدي هذه النزعة الوقفية في التعامل مع قضية الحكم في العراق؟، هذا الأمر متروك لمدى إخلاصهم وقوتهم وولائهم لبلدهم، ولمدى وعي الشعب وحرصه على امتلاك موارده ودولته من جديد.
* مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية
www.fcdrs.com