الرئيسية » شخصيات كوردية » خاجاتور آبوفيان – صديق الشعب الكُردي

خاجاتور آبوفيان – صديق الشعب الكُردي

ترجمة وتحشية: جلال زنكَابادي

” تكمن روح الشعر في أعماق كلّ كردي، حتى الشيوخ الأمّيين؛ فالجميع يمتلكون الموهبة والقدرة على الغناء، وهم يغنون بعفويّة ويسر. إنهم يغنون لجبالهم، شلالاتهم، وديانهم، أنهارهم، زهورهم وورودهم، خيلهم واسلحتهم. ويغنون للمآثر البطوليّة ولفتياتهم الحسان. وكل ذلك يتدفق من أعماق خلجاتهم وأحاسيسهم”
آبوفيان
{مجلة (القفقاس) ع 47، سنة 1848 تفليس، ص188}


ولد Xachatur abovyan خاجاتور آبوفيان في (15/10/1809)(1) في قرية كاناكير الواقعة آنذاك في شمالي يريفان بخمسة كيلومترات (حيث تقع الآن داخل حدود العاصمة الأرمينية يريفان).
كانت بلاد آبوفيان (أي أرمينيا) عهدذاك ترزح مثل كردستان تحت نيريّ الحكمين الفارسي والعثماني ، وكان الكُرد والأرمن يعانون المزيد من الجور والعسف ، بل كان إضطهاد الأرمن مضاعفاً؛ لكونهم مسيحيين ، بالإضافة إلى انسدال ظلام الجهل على المجتمع الأرمني ؛ لقلّة المدارس والمتعلّمين والمتنوّرين.
تلبيةً لرغبة والده ؛ دخل خاجاتور المدرسة مبكّراً، ثمّ التحق في سنة 1824 بمدرسة (نرسيسيان) في تفليس(2) حيث تشرّب بهوى تعلّم اللغة الأرمنية والروح الوطنيّة، وابتدأ هناك بنظم الشعر فضلاً عن تعلّم اللغتين الروسيّة والفرنسيّة.
في 1828 أنهى آبوفيان دراسته في تلك المدرسة، وإثر إلتقائه ببعض الوطنيين والتقدميين؛ قصد(أجميازين) الواقعة على سفوح جبل آرارات، بعدما ضايقه بعض الرجعيين والمتخلفين، لاسيّما من أدعياء الدين الذين تصدّوا لأفكاره النيّرة و آرائه الوطنيّة، بل ما انفكّوا يعادونه ويلاحقونه، إلاّ أن ذلك لمْ يثبطْ عزمه ؛ مادام قد قرّر أن يحيا ويموت من أجل وطنه.
وفي عام 1829 راح خاجاتور آبوفيان يتجوّل في سائر أنحاء أرمينيا بصفته مرافقاً للبروفيسور (فردريكس باروت)(3)الأستاذ في جامعة (دوربات)(4) وكان آبوفيان قد إلتحق بالجامعة المذكورة للدراسة؛ بمساعدة الأستاذ باروت نفسه، حيث تعلّم اللغة الألمانية.
وفي عام 1837 تعيّن آبوفيان مدرساً في إحدى مدارس تفليس، وافتتح هناك مركزاً خيريّاً- غير حكومي- للأنشطة الثقافيّة والإجتماعيّة.
وفي أواخر ثلاثينات القرن التاسع عشر وأوائل أربعينيّاته، ألّف خاجاتور آبوفيان كتابه الموسوم (جراح أرمينيا)(5)وفي منتصف أربعينيّات القرن نفسه تجوّل خاجاتور بين أكراد أرمينيا دارساً آدابهم ومعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم؛ ثمّ توّج بحثه بتأليف كتابه ( الكُرد والإيزديّة).
وفي الصباح الباكر من يوم 2 نيسان 1848 خرج خاجاتور آبوفيان من بيته، ولم يعد بعدئذ، حيث إختفى بلاأثر، وظلّ مصيره مجهولاً حتى يومنا هذا!
لقد خلّف آبوفيان ادباً إبداعيّاً ثرّاً(6) طرح فيه وناقش بشموليّة وبعمق مشكلات بلاده أرمينيا، فضلاًً عن انه يعدّ مؤرّخاً ومفكّراً ديموقراطيّاً في الشرق الأوسط(7) بالإضافة إلى كونه باحثاً فذاً إهتمّ بدراسة المجتمع الكُردي؛ فقد نشر عام 1848 على الصفحات الأولى من صحيفة(القفقاس) التفليسية عدداً من المقالات والأبحاث تحت عنوان (الكُرد)(8) كما نشر دراسة تاريخيّة بعنوان (الإيزديّة)(9) وكان آبوفيان قد تجوّل أسبوعين كاملين في ديار القبائل الكرديّة ومضاربها؛ ليطلع على المجتمع الكردي ويدرسه عن كثب، ولقد كتب بهذا الصدد:
” قبل عامين، قصدت مضارب الإيزديّة ، ورغم سوء الأحوال الجويّة والبرد القارس وحلول عيد ميلاد السيّد المسيح وسفري على حسابي الخاص؛ فقد كنت غير آبه بشيء، وقمت بجولتي بين الكُرد الإيزديّة، ومكثت بين ظهرانيهم مدة أسبوعين ، حيث حظيت بمكافأة ثمينة، ألا وهي ما حصلت عليه من معلومات عبر إطلاعي على مناحي معتقداتهم ، وعلى سائر الأشياء على الشاكلة نفسها، حيث تظللت ببأسهم ورجائهم. وفيما يتعلّق بتراث الكرد وأدبهم وفروسيّتهم وملاحمهم الشعريّة ؛ وجب عليّ التفرّغ أكثر من شهرين للإشتغال على تصنيف ماجمعته، وطالما ضاقت نهاراتي بما أقدمت عليه. وهكذا أنجزت مؤلّفاً على قدر كبير من الإحاطة والعمق ، ضمّنته مراميّ ناشداً تحقيق النهج العلمي المشرّف الذي يليق بمعاضدي المبجّل نائب ملك الخلق. وكان كتابي باللغة الألمانيّة، وقد طرق سمعي الكثير من النقد والتقريظ والثناء عليه(10)…فقد بذلت فيه قصارى جهدي رغم قِصَر الفترة، والله وحده يعلم الآن ماحلّ بمصيره هنالك في ألمانيا ، أو في تفليس!” {آبوفيان ، الأعمال الكاملة، المجلّد السابع، صص 194-195}(11)
لم تكن تلك الجولة لآبوفيان هي الأولى أو الأخيرة بين الكُرد ، فقد سبق أن تعرّف إليهم من قبل ، وتعلّم لغتهم ، بل أجادها، وكان يتكلم بها بطلاقة، فعلى حدّ قول قناتي كُردو: ” كان آبوفيان يتقن اللغة الكردية، وطالما عكف على دراسة قواعدها و قاموس مفرداتها” وقد ترجم آبوفيان العديد من الأغنيات الكردية إلى اللغة الألمانية ، وسلّمها إلى الشاعر الألماني (ف. بودينستد) والذي ضمّنها كتابه ذا الأجزاء الثلاثة:ألف ليلة وليلة في الشرق(12)

المصدر:
Rawsen (رَوْشَن)
Hejmar 6 Zivistan 1991- Istanbul
هوامش المترجم(ج.ز) إستناداً إلى:
(أ) (الهوامش 1-7) تاريخ ارمنستان/ هراند باسدرماجيان/ترجمه: محمد قاضى/ تهران، جاب دوم 1369ش- 1990م/ (صص 324،325 و327)
(ب) (الهوامش 8-11) مجلة(Chira = السراج)الصادرة في السويد، والموضوع بحث مستفيض عن آبوفيان والكرد، للباحث وزيري أشو:
Cira , Sal 3
Hejmar 1, Payiz 1997
(Dost u xerxez e cim.eta kurdayi mezin)
Wezirre Eso
(1) (1804) وتؤكّد غالبية المصادر على سنة (1805)
(2) أسّسها الشخصية المعروفة نرسيس اجتاراكيتزه اسقف الطائفة الكاثوليكية لاحقاً.
(3) Parrot الذي قام عام 1829 مع آبوفيان وفلاحين أرمنيين وجنديين روسيين بتسلّق جبل آرارات وبلوغ قمّته لأول مرّة، وكان باروت أول عميد لجامعة دوربات.
(4) Dorpat جامعة أسّسها القيصر ألكسندر الأول في (أستونيا) وقد أصبح دورها وتأثيرها هائلين في إحياء الثقافة الأرمنية ونهضتها، ويعد آبوفيان أوّل أرمني تخرّج فيها، حيث تلقى تحصيله الدراسي فيها خلال السنوات(1830-1836)
(5) رواية ملحميّة بطوليّة، يصوّر فيها آبوفيان حياة قريته(كاناكير) مجسّداً عذابات الشعب الأرمني تحت نير سلطات المحتلّين الأجانب.
(6) يعد آبوفيان رائد ومبدع الأدب الأرمني الجديد؛ فقد تخلّص من الأسلوب التقليدي السقيم ، وددشن أسلوباً جديداً ينبض بلغة حيّة جذابة، سرعان ما شاع في أوساط شتى الطبقات والشرائح الإجتماعية.
(7) لم يكن آبوفيان مجرّد أديب أرمني كبير فحسب، بل كان وطنيّاً متحمّساً ناذراً كلّ كيانه لإستنهاض همم شعبه، وكان ذلك إبّان ظهور إرهاصات الأفكار الداعية إلى الحرّية والتحرّر في الشرق الأدنى وأورباالشرقية، ولتجسيد تلك الأفكار؛ وجب إبداع لغة وأدب جديد(ف. ماكلر، مختارات من الأدب الأرمني، 1932 باريس، ص7)
(8) نشر عام 1941 على صفحات مجلّة (الأدب السوفياتي) ثمّ في أعماله الكاملة(8 مجلّدات) والتي صدرت في نهاية أربعينيّات القرن العشرين وأوائل خمسينيّاته.
(9) كلّ مايتعلّق بالكرد عموماً والكرد الإيزدية خصوصاً من مقالات ودراسات لآبوفيان منشور في المجلّدين (السابع والثامن) من أعماله الكاملة.
(10) كما حاز لاحقاً على تقريظ الأدباء والباحثين الكرد، وقد خصّه بعضهم بمقالات أمثال: حاجي جندي ، قناتي كردو، أورديخان جليل، أمين عفدال، كارلين جاجان، كنياز ابراهيم ميرزويف وجركس رش، وكذلك أشاد به الكردلوجيون ومنهم: هـ . أوربللي و ئي. اكسيازاروف.
(11) ترجم الباحث وزيري أشو كتاب آبوفيان عن الكرد إلى الكردية(بالأبجدية السيريلية)عام 1986، وقد تعذر حصولي عليه رغم زيارة المترجم نفسه لكردستان وبقائه فترة مناسبة ولقائي به بضع مرّات.
(12) مع هذه المقالة ثلاثة نصوص غنائية وملحميّة ممّا جمعه ودوّنه آبوفيان من الفولكلور الكردي، وهي تتعلّق بالكفاح المشترك للكرد والأرمن ضد الإستبداد العثماني. أي في مجلّة(رَوْشَن)نفسها: (Rawsen, Hejmar 6 Zivistan 1991- Istanbul)