الرئيسية » شؤون كوردستانية » دولة كوردستان المستقلة بين التحدي والإستجابة

دولة كوردستان المستقلة بين التحدي والإستجابة


المؤرخ و الفيلسوف البريطاني المشهور أرنولد جوزف تُوينبي ( 1889-1975)، الذي إستلهم نظريته في “التحدي والإستجابة” من عِلم النَفس السلوكيّ لمؤسس علم النفس التحليلي السويسري كارل غوستاف يونغ (1875-1961) والذي كان متأثراً في فكرته حول دور الاقلية المبدعة في بناء التقدم الحضاري بمفاهيم الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859-1941) يقول:
“إنَّ الفَرد الذي يتعرَّضُ لصدمةٍ قد يفقدُ توازُنَه لفترةٍ ما، ثمَّ قد يستجيبُ لها بنوعَين من الاستجابة: الأُولى النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسُّك به تعويضًا عن واقعه المُرّ، فيُصبح إنطوائيّاً؛ والثانية، تقبُّل هذه الصدمة والاعتراف بها ثمَّ مُحاولة التغلُّب عليها، فيكون في هذه الحالة انبساطيّاً. فالحالة الأولى تُعتَبرُ استجابةً سلبيَّة، والثانية إيجابيَّة بالنسبة لعلم النفس”.
الكوردستانيون، الذين يمثلون كيان تاريخي، له هويته القومية الواضحة، يربو عددهم الآن أكثر من 40 مليوناً، هُم حسب منطوق نظرية تقرير المصير أكبر شعب في العالم ليس لديهم دولة، تعرضوا الی أقسی المجازر وحشية وأعنف قصف بالغازات السامة و مورس ضدهم أساليب لاإنسانية في تهجيرهم بشكل جماعي قسري من مناطقهم الجغرافية و سياسة التمييز اللغوي لكسر شوكتهم وحسهم الوطني، لكنهم و بحكم إمتلاكهم لحركات قومية قوية باتوا في الآونة الأخيرة أحد العوامل الأساسية في السياسة الداخلية والخارجية لتلك الدول التي تحتل الی يومنا هذا أجزاء كبيرة من وطنهم كوردستان.
بناء الدولة الكوردستانية ليست مجرد فكرة تقتبس أو صيغة تطبق، وإنما هو عمل شاق ومتواصل يقوم به كل فرد من أفراد المجتمع الكوردستاني علی نفسه، علی غير مستوی أو صعيد، من أجل تحويل الإختلافات الفطرية أو العصبيات الجمعية أو التكتلات الفئوية الغير مسؤولة الی علاقات وطنية تتيح التعامل مع السلطة الوطنية في جميع دوائرها و مستوياتها.
فالقوَّة الخلاَّقة و الوعي بالذات تصنع الوحدة في كيان المُجتمع، الذي هو بمثابة وسط للتعدد و فضاء للمداولة بقدر ماهو شبكة من التأثيرات المتبادلة والعلائق المتحوّلة. الوعي بالذات يسهم في تكوين طبيعة الدولة المستقلة، و من ثم الانتماء إلى إشارات ثقافية و جغرافية.
لقد ولّی زمن المثل القائل، بأنه ليس للكورد صديق غير جباله، أو ذكر ححج واهية من قبل المثقف الأبله، الذي يُرجع أسباب عدم بناء الدولة الكوردستانية الی التضاريس الأرضية، كون معظم أراضي كوردستان جبال و سهول أوالموقع الجغرافي والظروف الإقليمية والدولية. فالذي لايعرف الرقص يقول دوماً بأن الارض ليست معتدلة.
نحن كشعب نعرف بأن الماضي هو زمن من أزمنتنا المتداخلة والمتعاصرة، بل هو طبقة من طبقات وعينا المركب الذي يمكن قراءته علی نحو جيولوجي، نمتلك إرادة التضحية والتاريخ شاهد علی مانقول. لكن الذي نحتاجه اليوم في عصر التغيير هو خلق إرادة المجازفة، لمواجهة التحولات والإستحقاقات و الإشتغال علی الهوية والذاكرة والتراث من أجل تحويل ذلك الی عمل منتج أو الی ممارسة إبداعية تتجسد في صناعة الإستقلال و نسج علاقة مع العالم راهة و فاعلة، سيما أن العالم لم يعد كما كان عليه، بل هو يتغير بصورة جذرية و بنيوية متسارعة. علينا بتثوير الإدراك وحرية الإنسان وإمتحان القِيَم قبل تبنِّيها، فثورة الإنسان على داخله، كما يراه الفيلسوف الياباني المعاصر دايساكو إكيدا، هي الشرط الضروري للتقدم والمساهمة الفعالة في سبيل بناء الوطن. فالقضايا الوطنية والمصالح العمومية يجب أن تدار بسياسة جديدة من مفرداتها ومفاهيمها و قواعدها الخلق والتحويل والتجاوز بعد أن سجلت نهاية لنظرية المؤامرة والأجندات الخارجية.
ومن المعلوم بأنه لا ينهض و لا يتقدم من لا تفضي به تجاربه إلی تغيير مفاهيمه عن النهوض والتقدم ولا ممارسة بلا نظرية، و لا فاعلية من دون شكل من أشكال العقلنة، للنشاطات والتصرفات، يتيح الحصر والضبط والتنظيم، نمذجةً أو قولبةً أو برمجةً. وعقلية العصر الرقمي تطلب منّا بناء أفراد لهم الإيمان الكامل بذواتهم، أحرار قادرين علی بناء مجتمع قوي قادر، أفراد لا يؤمنون بالإقصاء الذي يلازم كل فكر ضعيف أو متستر أو مداهن، ليستمد قوته من تهميش الآخرين.
الهدف من بناء الدولة الكوردستانية المستقلة، التي هي حقيقة وسلطة الواحد علی الآخر والتي نبنيه اليوم بجهودنا و عقولنا ليعترف بها الآخرون غداً، هو تحرير الأفراد و الحفاظ على أمنهم و تمكنهم من ممارسة حقوقهم الطبيعية ممارسة عقلية و حمايتهم من كل أشكال العنف و التسلط و تنمية قدراتهم الجسدية و الذهنية، شريطة عدم إلحاق الضرر بالآخرين. لنصرف الإنتباه إلى عالم ما تحت الوعي الكامن وراء الأعمال والأفكار والرغائب البشرية و لنعشق السلام و نناضل من أجله ولنجعل القرن الحادي والعشرين فضاء للأمل والسلام والحياة الحرة الكريمة لشعوب كوردستان والمنطقة ولنخرج من قوقعتنا الفكرية و نهتم بكل ما يجري في هذا العالم من تغييرات و أحداث ونصنع حداثتنا و حقيقتنا من خلال خلقنا ما نتفرد به من التجارب التاريخية ونجدد أدواتنا في الفهم و التفكيك و نقتحم العالم بفكرنا الجديد. الفرد الكوردستاني قادر علی هذا، لأنه صاحب إرادة، عليه أن لا يهاب المجازفة، من غير ذلك يسهم الواحد في إنتهاك شعاراته و إعادة إنتاج مأزقه و خسارة قضايا والتواطؤ مع ضده، لإنتاج المساویء والتهم المتبادلة أو الدمار المتبادل. وختاماً: ” إن الثورة العظيمة في حياة فرد واحد قادرة على تحويل مصير مجتمع بأسره، لا وبل على تغيير قدر البشرية جمعاء.”