الرئيسية » مقالات » هل الإرهاب بحاجة لتبريراتك يا ممثل الأمم المتحدة؟

هل الإرهاب بحاجة لتبريراتك يا ممثل الأمم المتحدة؟

نقلت فضائية “الحرة – عراق”، في الساعة الخاصة بأخبار العراق، عصر يوم الأربعاء المصادف 3/10/2012، تصريحاً لممثل أمين عام الأمم المتحدة في العراق، السيد مارتن كوبلر، وهو يعقب على تقرير وزارة الصحة العراقية التي أعلنت بلوغ عدد الشهداء والمصابين خلال الشهر المنصرم جراء الأعمال الإرهابية، رقماً قياسياً منذ سنتين.

ما سمعتُه من التصريح، لم يدع مجالاً للشك بأن السيد مارتن كوبلر إعتبرَ أن المُلام في تأجج الإرهاب هو الحكومة العراقية إذ أنه دعاها إلى إحترام كل آراء الآخرين .

لا أخفي السخط والحنق اللذين إنتاباني وأنا أسمع ذلك التصريح لأنني إعتبرته تبريرا،ً يقترب من الصريح السافر، للإرهاب وإستهانة بأرواح ودماء العراقيين الأبرياء بما لا يرتضيه أي شريف ولا يرتضيه أي شعب ولا ترتضيه أية حكومة في العالم. لقد ذهب السيد كوبلر هنا إلى أبعد بكثير مما درج عليه، ورَصَدَه ونَبَّهَه إليه مراراً الخبيرُ القانوني السيد طارق حرب(1)، ألا وهو سيل من القلق بعد القلق غير المنقطع حول شؤون عراقية داخلية لا صلة له بها ولم نسمع أيَ قدر من ذلك القلق والدماء تُسال والحقوق تُهدر في إسرائيل والسعودية والبحرين وغيرها.

إذا إقتدى السيد كوبلر بالتصريحات والأفعال السيئة والمنافية للقوانين والأعراف التي تصدرعن طغمويين عراقيين دون أن يصيبهم أذى – فهو مخطئ، لأن أولئك يمثلون حالة إبتزازية خاصة ومؤقتة لا يجب أن يحاكيها، وهو المسؤول الأممي، وليس ببعيد ذلك اليوم الذي ستجرجرهم العدالة إنتصاراً لأرواح عشرات الآلاف من الشهداء ودماء مئات الآلاف من المصابين وآلام الملايين من الأيتام والأرامل والمعطوبين والقلوب المفجوعة.

قفز إلى ذهني السؤال التالي مباشرة: هل الإرهاب بحاجة لتبريراتك يا ممثل الأمم المتحدة؟

فأجبتُ:

كلا وألف كلا يا سيد مارتن كوبلر، يا ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق.
كلا، فالإرهابيون الذين إستباحوا ويستبيحون الدم العراقي البريء بالجملة لا تنقصهم المبررات لأعمالهم الإجرامية حتى تأخذك الحمية وتتبرع لهم بتلك التبريرات، إلا إذا كنت تشك بفاعلية الدعم متعدد الأشكال الذي يقدمه لهم عراقيون يُفترض فيهم الحرصُ على أرواح أبناء جلدتهم ولكنهم تحللوا من أي حرص بل هم تحللوا من حس الضمير لسببٍ تعرفُه أنت وتتغافلُه كما يتغافله الجميع في الداخل والخارج وهو الإصرار على إستعادة سلطتهم الطغموية(2) التي فقدوها لصالح الشعب عبر صناديق الإقتراع والديمقراطية اللتين أشرفتْ على بنائهما في العراق الأممُ المتحدة لا غير.

لا ألومكَ إن شكَّكتَ بفاعلية دعمهم للإرهاب فهم فاقدوا المصداقية لدى معظم الداخل والخارج، إلا لمن أراد إمتطائهم، وربما أردتَ التعويض عن ذلك معتلياً منصة الأمم المتحدة ومستغلاً مكانتها العالمية، ربما لإعتقادك بأن العراقيين أصبحوا مهيضي الجناح بفعل الفصل السابع وعشاقه في الداخل العراقي أو ربما لأن الأمم المتحدة لا تحترم من يحترمها بل تحترم من جعل أمينها العام السيد ديكويلار ينتظر لساعات خارج مكتب مَنْ ضَرَبَ شعبَه بالسلاح الكيمياوي فقط ليترجاه كي يطلق سراح الأجانب الأبرياء الذين خطفهم ذلك الطغموي المجرم، في العراق والكويت، ليستخدمهم دروعاً بشرية ومادة للإبتزاز؛ أو ربما لإنتهازك فرصة إنشغال العراقيين وشغفهم بحملة “أنا عراقي فأنا أقرأ” وربما فهمتَ من شعار الحملة أن العراقيين لا يقرأون قبل ذلك ولا يسمعون.

أخاطبك وعيني على الإنتخابات القادمة وفي ذهني يلعلع التزوير في إنتخابات 7/3/2010 الذي ساهمتْ فيه الأمم المتحدة وتَسَبَّبَ، التزوير الحاذق(3)، في مآسٍ للعراق. أخشى أن تتكرر المأساة بعد أن نجح الطغمويون مرة أخرى في فرض المحاصصة الكريهة الإبتزازية في تشكيلة “المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات” الجديدة فحشروا فيها من لا يؤتمنون مأخوذين بسحر إستعادة سلطتهم الطغموية المفقودة وبسحر ملايين أو ربما مليارات الدولارات السعودية والقطرية(4).

لا أخفيك شكوكي بأنكم تجاوزتم النزاهة بدافع سعيكم لإجراء ترتيبات للوصول إلى وضع عالمي جديد يخدم العولمة بمنظور معين يقضي بإنهاء هذا النظام أو ذاك في المنطقة (وليس من بينها حملُ إسرائيل على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية) وهو أمر لا يخصنا نحن العراقيين اذ نريد العيش بسلام وديمقراطية بعيدين عن سياسة المحاور والصراعات بعدما أرهقتنا الدكتاتورية والإستبداد والحروب؛ لكننا، للأسف، نُدفع دفعاً بأمل ضرب هذا وخنق ذاك وتصريحاتكم نابعة من هذا الجذر لتصب في تيار الحرب الباردة على العراق التي بدأت تتلبد غيومها لحمل العراق على نبذ سياسته المسالمة المستقلة.

أيُ رأيٍ تطالبُ الحكومةَ بإحترامه؟

رغم النواقص التي لا ينكرها أحد والسعي لتقويمها مستمر، ولكن هل يوجد في المنطقة العربية دستور مدني أكثر تقدمية من الدستور العراقي؟ ألم تنتخب الحكومة ديمقراطياُ؟ هل توجد معارضة تتمتع بهذا القدر من الحرية بلغت حد التآمر ودعم الإرهاب وهي شريكة في السلطة؟ ألم تلح الحكومة وتؤكد على وجوب إحترام الدستور؟ ألم تحترم مجلس النواب؟ ألم تحترم القضاء؟ ألم تحترم منظمات المجتمع المدني؟ الم تحترم الحريات العامة بالعموم وبالأخص حرية الإعلام؟ نعم هناك مضايقات للحريات العامة ولكن تلك، بأغلبها، ظاهرة مجتمعية تعالج بالنضال الجماهيري للقوى السياسية والإجتماعية وهو أمر مباح؛ ولا يصح أن يُطلب من الحكومة درؤها بالقسر ما لم يكن الأمر جنائياً.

أنا لا ألومك على تماديك وتمادي من سبقك، السيد أد ميلكرت، في النيل من العراق الديمقراطي مادام بعض أبنائه ينهشونه لا لعذر بل لتمسكهم بما يعتقدونه حقاً سماوياً أزلياً لهم بإمتلاك العراق وحكم شعبه.

لا ألومك على تدخلك الفظ في الشأن العراقي. ربما حسِبتَ أن رئيس مجلس النواب السيد آسامة النجيفي(5) عندما يدعوك بحرقة إلى “الإفاضة في مساعدة العراق” في كل مرة يلتقيك – ربما حسبتَه توّاقاً للنصح الخالص للشعب العراقي؛ لكنه، في الحقيقة، يوجه دعوة كيدية يريد منها أن ينال من هيبة السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، فهو وإئتلافه الطغموي لا يريدان أن يَفهم العالم أن هناك نظام يتطور نحو التكامل والنضوج رويداً رويداً في العراق وسط بحر من العراقيل الطبيعية والموروثة والمفتعلة، بل أراداه أن يتصور أن هناك الهرج والمرج طاغيان في العراق بإنتظار السيدين علاوي والنجيفي وأضرابهما لإنقاذه من الكارثة. وأراهن على أنهما سينهيان عملك في اليوم الأول إذا قُدر لهما أن يمسكا الحكم في العراق.

تتحدث عن أن الحكومة (وأراهن على أنك تقصد التحالف الوطني وخصوصاً إئتلاف دولة القانون وبالأخص رئيس الوزراء) لا تحترم آراء الآخرين، أسألك: ما هو دخلك في هذا الموضوع الداخلي أولاً؟ ومن قال لك هذا ثانياً؟ وما علاقة هذا بالإرهابيين ثالثاً؟ هل تريد أن تقول أن الحكومة دفعتهم نحو الإرهاب لأنها لم تستمع إليهم ولم تحترم آرائهم؟ هل بقي أحدٌ في هذه الدنيا لا يعلم أن الإرهابيين يكفِّرون الشيعة والمسيحيين وأفتى زعماء الإرهاب الروحيون في السعودية بوجوب قتلهم وإستباحة عرضهم ومالهم دون أن تحرك الأمم المتحدة ساكناً للإحتجاج؟ ولمَ لا تريد أن تفهم أن المشكلة هي أن الحكومة تستمع أكثر من اللازم لتلك التي تعتبرها أنت آراءً وهي، في واقع الحال، محض كيد؟ أم هل عساك تريد الحكومة أن تستمع إلى دعوات حل قضية إجرام طارق الهاشمي سياسياً خارج القضاء أي لفلفتها مثلما لُفلفت مئات القضايا المماثلة بدعوى العفو والمصالحة من أجل الإصلاح؟ أم تريدها الإستماع إلى إرهابيي سجن تكريت أو إلى رأي “جيش العراق الحر” وحارث الضاري وعزت الدوري وغيرهم ممن رفض منطق المصالحة؟

أدعوك يا سيد كوبلر ألا تستمع إلى مساعديك في مكتبك ببغداد من أبناء الشرق الأوسط الذين تدور حولهم الشبهات بتشويه الموقف العراقي الذي تكرر مراراً في تقارير دولية(6)، بل أدعوك إلى الإستماع إلى أصوات العراقيين المنصفين لتعرف طبيعة المشكلة على حقيقتها وهي أن هناك من يريد أن يسترجع سلطته التي إعتبرها أزلية وهناك من يريد أن يؤسس دولته “دولة العراق الإسلامية” الإرهابية وكلاهما يعمل وكأن فوق رأسه يرتفع شعار: “أحكمك أو أقتلك أو أخرب البلد”.

كان عليك أن تكشف هذه المواقف وتدينها بدل رش الملح على جراحنا.

أخيراً، أدعو الحكومة العراقية ووزارة خارجيتها إلى متابعة موضوع تصرفات ممثل أمين عام الأمم المتحدة في العراق بكل جد وحزم.

كما أدعو الحكومة والديمقراطيين الحقيقيين داخل المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات وأدعو الأحزاب والإئتلافات الديمقراطية إلى الحذر كل الحذر من التزوير والإستفادة من خبرة إنتخابات 7/3/2010. وفي هذا الصدد أشير إلى المقال القيم الذي كتبه الدكتور جابر حبيب جابر بهذا الخصوص(7).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): تمكن مراجعة آخر نقد وجهه السيد طارق حرب إلى ممثل أمين عام الأمم المتحدة على الرابط التالي:

http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=22913

(2): للإطلاع على “النظم الطغموية حكمتْ العراق منذ تأسيسه” و “الطائفية” و “الوطنية” راجع الرابط التالي رجاءً:

http://www.qanon302.net/news/news.php?action=view&id=14181

(3): أكتب ما يلي ليعلم السيد مارتن كوبلر بأن العراقيين يقرأون ويكتبون قبل هذا اليوم ويعرفون ما يدور حولهم داخلياً وإقليمياً وعالمياً:

تتمثل “حذاقة” تزوير إنتخابات 7/3/2010 بحصر التزوير بنسبة تمثل أقل من 7% لثلاث أسباب: أولاً: لضمان قبول النتائج النهائية للإنتخابات بكونها متوافقة مع المعايير الدولية التي تقبل ذلك القدر من الإشتطاط. ثانياً: أعتقد أن تزويراً كبيراً آخر غفل عنه الجميع قد حصل لصالح التيار الصدري بعد قناعة ال (سي.آي.أي.) بأن “شيعة العراق قد تفرقوا دون رجعة” (حسب تقرير نشرته صحيفة نرويجية) وبالتالي فسوف لا يحصل المالكي على الأغلبية المطلوبة وتصبح المادة 76 من الدستور لصالح السيد علاوي. علماً أن هذا التزوير، بتقديري، جرى دون معرفة التيار الصدري على أغلب الظن. ثالثاً: للحيلولة دون نشوب عصيان مدني سلمي مليوني، كرد فعل، يفرض رفضَ النتائج وإعادة العد يدوياً بأيادٍ عراقية لقطع دابر التزوير، علماً أن الإستجواب البرلماني الذي أجرته النائبة الدكتورة حنان الفتلاوي لرئيس المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات السيد فرج الحيدري، قد أظهر أن الفرز والعد قد أجراه أشخاص غير عراقيين تابعين للأمم المتحدة وعلى رأسهم السيدة (ميتشل) التي إتهمها البعض بكونها عميلة في الإستخبارت المركزية (سي.آي.أي). لما شعر إئتلاف دولة القانون بوجود دلائل تؤشر إلى التزوير وخرجت مظاهرات في البصرة والنجف وكادت أن تمتد إلى محافظات أخرى وربما تتطور إلى إعلان عصيان مدني مليوني سلمي يُحرج الإدارة الأمريكية، سارع السفير الأمريكي السيد (كريستوفر هيل) إلى الإجتماع برئيس الوزراء السيد المالكي لتطويق الموقف. يبدو أنهما إتفقا على السماح بالتزوير في حدود 7% أي بعدد مقاعد (91 للعراقية مقابل 89 لدولة القانون رغم أن حسابات إئتلاف دولة القانون قدَّرت حصوله على 112 صوتاً) وكان لكلٍ حساباته. عوَّل السفير على مناكفة الصدريين وإحتمال عدم دعمهم للمالكي وحتى لمرشح غيره من إئتلاف دولة القانون أيضاً، فيصبح عندئذ الباب مفتوحاً للسيد أياد علاوي لرئاسة الوزارة بموجب البند (76) من الدستور. أما السيد المالكي فقد عوَّل على قبول الأحزاب الإسلامية وحلفائها في آخر المطاف له كمرشح، وهو ما حصل فعلاً إذ تشكل “التحالف الوطني” بقوة تصويتية قدرها (158) نائباً. فَقَدَ السيد السفير على إثر ذلك منصبَه.

(4): إذا كانت الإغراءات المالية قد قُدِّمت بالقدر المذكور فيما يلي أدناه من أجل تحقيق مسألة سحب الثقة من رئيس الوزراء حتى دون إمكانية تشكيل وزارة بديلة، فأية إغراءات، إذاً، ستُقدم من أجل تزوير الإنتخابات العامة القادمة الذي قد يحقق أحد النتائج الكارثية الثلاث التالية التي تهدف إليها النظم الشمولية في المنطقة وبعض شركات النفط الإحتكارية العالمية؟ : أولاً: وصول حكومة تهدف إلى تدمير الديمقراطية بوسيلة أو أخرى، وذلك في حالة قبول هكذا حكومة. ثانياً: نشوب إقتتال داخلي في حالة رفض النتائج والمفوضية. ثالثاً: إنفراط العملية السياسية في حالة رفض النتائج والمطالبة بإعادة الإنتخابات.

أشارت صحيفة البوليتيكو الأمريكية بأن السعودية وقطر وتركيا قد منحت مبلغ خمسة مليارات دولار للمشاركين في مؤتمري أربيل والنجف من أجل الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء السيد نوري المالكي . كما أذاعت محطة أوستن النرويجية بأن تلك الدول أبدت إستعدادها لمنح ثلاثة ملايين دولار لكل نائب يصوت لسحب الثقة عن المالكي.

وأكد قضية الرشى السيدُ حسن العلوي زعيم القائمة العراقية البيضاء المنشقة عن إئتلاف العراقية. لقد شهد وسمع السيد العلوي بنفسه كلام الملك عبد الله السعودي (وهو يستقبل الهاشمي الذي كان على رأس وفد ضم العلوي): أعطيناكم مليارين ونصف والشيعة مازالوا في الحكم.

(5): تمنيتُ لو وقف الديمقراطيون في مجلس النواب وفي منظمات المجتمع المدني والإعلام وقفة رجل واحد في وجه النجيفي وأبلغوه لو أنه إحتاج لنصح من السيد كوبلر فليطلبه لنفسه ولا يطلبه نيابة عن العراقيين عموماً إذ لم يكلفه بذلك أحد، سوى رفاقه، بهدف الكيد ليس إلا.

(6): راجع التقرير المعنون: “ثلاثة فلسطينيين يديرون مكتب الأمم المتحدة في بغداد ويبعثون بالتقارير المسيسة ضد الحكومة” على الرابط التالي:

 http://www.qanon302.net/news/news.php?action=view&id=22162

(7):راجع مقال الدكتور جابر حبيب جابر المعنون [صناعة المرحلة الانتقالية: أسطورة «الخبراء» الدوليين] المنشور في صحيفة “الشرق الأوسط” بتأريخ 27/3/2011 على الرابط التالي:

http://www.qanon302.net/vb/showthread.php?t=19466