الرئيسية » مقالات » عن الاستبداد والتفكير

عن الاستبداد والتفكير

أول عدو للحاكم الطاغية هو العقل. لا يقلقه شيء أكثر من وجود شعب، أو حتى إنسان واحد، يفكر. ذكرت لكم مرة اني قرأت عن ستالين أنه أمر بإبعاد طبيب أسنان من قصره رغم ان الأخير ركبّ له سنا اصطناعيا بدل الضرس المقلوع بزمن قياسي جدا. السبب هو لان الطبيب فكّر وقاده تفكيره لاختزال عامل الزمن. المنطق يقول ان مثل هذا الطبيب يستحق الثناء والتشجيع. لكن منطق الطغاة: ان لا مكان للذي يفكر بيننا.
التفكير، الذي هو نتاج العقل الشغّال وليس العاطل، له جذور تديمه، مثل جذور الأشجار التي تمدها بالديمومة. وكما لا بد من عوامل بيئية أخرى يجب توفرها كي تورق الشجرة وتعطي ثمارها، فان العقل أيضا يحتاج الى عوامل بيئية، إضافة للجذور، ليفكر بطريقة صحيحة وليثمر أفكارا سليمة ومعافاة. وان كانت الشجرة تحتاج للماء والتربة والهواء والشمس كي تنتج أوراقا وأثمارا غير معطوبة، فالعقل، هو الآخر، يحتاج حامله، كي يفكر بشكل صحيح، الى الحرية، ونماذج لمفكرين ومثقفين يحتذي بهم ويستمد أساسيات وعيه منهم، مع نظام سياسي يسن قوانين تحترمه وتوفر له الأمان، ودولة توفر له الخدمات ومسببات العيش الكريم.
وتوفير هذه الاحتياجات “البيئية” من عدمه، هو ما يميز النظام الديمقراطي عن الاستبدادي. فالأول يريد إنسانا يفكر (عاقل)، والثاني لا يريده كذلك. ربما هذا هو الذي دفع سعيد عقل للقول “ان اوربا هي قارة العقل”.
لكن ماذا عن العراق اليوم؟
الطفل قبل الراشد، بالعراق، يعرف ان أبسط مقومات البيئة اللازمة للتفكير السليم غير متوفرة. فلا حرية ولا رفاه ولا أمان ولا خدمات ولا احترام لحريات الإنسان الخاصة والعامة. شعب خائف يتحسر على الكهرباء والماء تحيطه المزابل ونسبة كبيرة منه تعيش تحت خط الفقر وتتخذ من المقابر وبيوت التنك مساكنا. وأنّى لإنسان يعيش في هكذا بيئة ان يفكر؟
هذه البيئة لم تنشأ لوحدها، بل بفعل فاعل. يفعلها من يريد استعباد الشعب. إن النظام الحاكم الحالي الذي يقوده حزب إسلاموي (الدعوة)، لا يخفي سعيه الاستبدادي عن طريق حصر اغلب السلطات التنفيذية، خاصة العسكرية والمخابراتية، بجيب القائد “الأيمن” والهيئات المستقلة بجيبه “الأيسر” والقضاء بجيب “الصدر”. هذا بالإضافة لمناصب “باطنية” مختبئة في جيوب “الصفح” لمقربيه وقادة حزبه وأبنائهم وأقاربهم، وصلت الى آباء وأخوة زوجة أبناء القادة والمقربين. وهؤلاء يشكلون اليوم طبقة جديدة انضمت مؤخرا لطبقات أخرى تختبئ خلف جدران المنطقة الخضراء ولنا عنها حديث في وقت آخر.

هذا السعي الاستبدادي ما زال يواجه بالرفض من مجاميع شبابية واعية من الجنسين، كتلك التي خرجت في يوم “أنا عراقي .. أنا أقرأ”، ويساندها جمع نوعي من المثقفين والأدباء، وناشطون وناشطات في المجتمع المدني ومؤسسات إعلامية حرة ومستقلة. رفض ظل يقلق النظام ويؤرقه فجند نفسه ومن معه لاستهداف منابع ذلك “القلق”.
واحدة من محن النظام الحالي انه ناصب العداء، ومنذ أول أيامه، لكل مثقف لم يخرج من تحت عباءة ثقافة الطائفية والإسلام السياسي. وبالمقابل ضم أنصاف المثقفين والمتعلمين، اغلبهم طائفيون، من أصحاب الألسنة السليطة الى خندقه ليحارب بهم “الأعداء”. لكن النظام اكتشف ان خندقه ضعيف، لا بل متخلف، أمام الخندق الآخر، لذا كفر بالثقافة الأخرى واحتقر أولها وتاليها. والأول هو الجذر. لذا بدأ بمهاجمته بمعاوله ظانا انه اذا اقتلع الأول سيسهل عليه اقتلاع التالي.