الرئيسية » مقالات » تسفيه العلم بين الدور الثالث وتسقيط الاستاذ

تسفيه العلم بين الدور الثالث وتسقيط الاستاذ

( المعلم = معلم الروضة ، معلم الابتدائي ، مدرس الثانوي ، الاستاذ الجامعي )
نسمع من كبار السن حينما يتحدثون عن ايام الخير – على اصطلاح صوت العراق الحر – يصفون كيف كانت قيمة المعلم حينها بنهوض شيخ القبيلة في مضيفه من مكانه واجلاس المعلم عليه ، كان من يحمل صفة التعليم يمتلك من المكانة الاجتماعية ما تؤهله لان يكون قائدا محترما يستلهم منه سلوكه واخلاقه بل وحتى الفاظه ومنطقه ، ولعل هذا من الاسباب الرئيسية التي جعلت مجتمعنا ذلك الزمن قليل الامراض وتسود فيه القيم النبيلة والمتحضرة….
حينما تسلم البعث السلطة وتحت شعار نكسب الشباب لنضمن المستقبل توجه الى ادلجة التعليم وفقا لفلسفته المتخلفة مما جعل الطريق سهلا وبسيطا لكل من يروم ان يكون معلما وبغض النظر عن اهليته لهذه المهنة الخطير اللهم الا ان يكون واسطة تشحن عقول التلاميذ بافكار وتوجهات البعث المتخلفة….
في ايام الحصار وصل انحدار قيمة المعلم الى اوجه ، فحينما كان يتوجه استاذ جامعي له من الخدمة الطويلة والمكانة العلمية المرموقة الى بائع السمك ليشتري سمكة الى عائلته يجبهه البائع بـ اذهب هذا ليس اكلك ( تعبيرا عن العجز الاقتصادي للاستاذ ) .
الحقيقة حينما ندعو الى اعطاء المكانة والقيمة العليا للمعلم هو من باب اعطاءها الى العلم ليس الا ، وبالتأكيد ان العلم له المكانة السامية في والولى في حياة الانسان والشعوب والدول التي تريد ان تكون سيدة نفسها ، ناهيك عن ان الله سبحانه في كتابه الكريم قرر حقيقة فضل العلم بافضلية من يحمله على من لايحمله وعدم الاستواء بينهما ، والشواهد التجريبية التي تثبت ان انهيار قيمة المعلم هو ما نعيشه اليوم ونكتوي باثاره ، فالجميع يعلم ان فترة الحصار وحينما رأت العوائل العراقية انهيار قيمة المعلم وحملة الشهادات اقتصاديا واجتماعيا شجعت ابنائها على ترك المدارس واللجوء الى العمل باكرا في سبيل التقوت او في سبيل تأمين حياتهم المستقبلية اقتصاديا واجتماعيا كما يتصورون ، ولهذا ورثنا امية ابجدية كبيرة بين شبابنا وابنائنا اضافة الى امية ثقافية وحضارية ، وهذه العوائل التي وجهت ابنائها بالعزوف عن المدارس تعذر لمحدودية وعيها وملاحظتها بان العلم لاقيمة له من خلال انهيار قيمة المعلم الحامل لهذا العلم وبالتالي فلا يمكن لهذه العوائل ان توجه ابنائها الى شيء لاقيمة له…
كان التعليم في العراق – قبل نظام البعث – جادا وقويا ويكاد ان يكون قلعة محصنة لايستطيع احد ارتقاء اسوارها ليحصل على النجاح الا بشق الانفس ، والجميع يخبرنا ممن عاصر تلك المرحلة كيف ان النجاح لم يكن سهلا مما انتج لنا جماعات من الناجحين استطاعوا ان يقودون الدولة ومفاصلها وشؤونها ومفردات الحياة العراقية بنجاح انعكس على متانة الدولة ونظمها الادارية والقانونية والاداء الناجح لها وانعكس كذلك على صحة المجتمع قيميا واخلاقيا حينما شهد هؤلاء الناجحين الذين يقودون جميع شؤون الدولة اصحاب مكانة ورفاه اقتصادي فاستلهم منهم قيمه واخلاقه وسجاياه…
اليوم وبدوافع مصالح حزبية وشخصية لكسب اصوات انتخابية للحصول على مغانم السلطة تتسابق وزارتي التربية والتعليم العالي الى اصدار القرارات تلو القرارات لانجاح حتى من لايستحق النجاح من خلال دور ثالث وتكميلي وهلم جرا ، ولكأنما المدارس والجامعات اصبحت كدار ابي سفيان من دخلها فهو امن !!!!
ان هذه السياسة التعليمية بالتأكيد ستنتج لنا دولة فاشلة وفاسدة ومجتمعا مبتذلا ومتخلفا ، فالدولة ستستقبل في مفاصلها الادارية ممن لايمتون الى شهاداتهم الورقية – التي يحوزونها من مدارسهم وكلياتهم – بصلة علميا وتربويا ، وبالتالي سيعيثون بالدولة خرابا وفسادا ليستلهم منهم المجتمع قيم الفساد والخراب لينتج لنا بالضرورة دولة فاشلة وفاسدة ومجتمعا مبتذلا ومتخلفا ، وبالنتجة ستسقط قيمة المعلم بعد سقوط قيمة العلم ضمن هذه الارهاصات والمخاضات الفارغة…
ولا ريب ان اهم الاسباب التي ادت الى ذلك هي المحاصصة القذرة التي تبانت على اعتمادها الكتل السياسية وجعلها خطا احمر وبدعاوي مزيفة وكاذبة ، فغاية المحاصصة والمطالبة بها هو شأن الاحزاب السياسية وكتلها والتي لاتملك رصيدا اجتماعيا حقيقيا اللهم الا العزف على اثارة العواطف البدائية والغوغائية المتوارثة تاريخيا ، واما الشعب العراقي فهو لازال يختزن مرجل الغضب في نفسه وهو يشهد انهيار دولته ووطنه…
ورغم يأسنا من الساسة وطبقتهم الا اننا نكرر دعوتهم الى الالتفات الى هذا الجانب ان كان لديهم بقية من ضمير او قطيرة من حياء .