الرئيسية » مقالات » مقدّمات غسل الدماغ العراقي

مقدّمات غسل الدماغ العراقي

قد تختلف الأحزاب والحركات الإسلاموية السياسية، السنية منها والشيعية، في ما بينها ومع غيرها من مثيلاتها من الأحزاب الشمولية ومن بينها “البعث”، من حيث الأهداف، لكنها تلتقي جميعا في استخدام “غسل الدماغ” وسيلة لتحقيق أهدافها.
أذكر أني كنت ضيفا في برنامج “قناديل في الظلام” الذي كان يعده ويقدمه الشاعر والكاتب السوري محيي الدين اللاذقاني في فضائية “أي. أن .أن” اللندنية أواخر التسعينات. كان على الهاتف ضيف آخر هو الإسلاموي المعروف أبو حمزة المصري. سأله اللاذقاني: ما رأيك بقول ضيفي في الأستوديو أنكم انتم الإسلاميون تعتمدون أسلوب “غسل الدماغ” لضم الناس إليكم؟ رد أبو حمزة: إن ضيفك على حق! كرر عليه مقدم البرنامج السؤال مع إطالة بالشرح ظنا منه انه لم يفهمه، فكرر الضيف الجواب ذاته. قال له اللاذقاني: هل تمنحني حق التصريح بأنكم تعترفون أن أسلوبكم في العمل هو غسل الأدمغة؟ وعندما رد أبو حمزة بنعم، توجه المقدم صوب المشاهدين قائلا: إنها المرة الأولى التي أرى بها إسلاميا يتفق مع علماني.
يبقى ثمة فارق “تقني” في أسلوب الغسل الدماغي عند الإسلاموي عن نظيره غير الإسلاموي . فالأول يلعب في ساحتي الدنيا والآخرة. أما الثاني فساحته الدنيا فقط. في العراق، عشنا تجربة النوع الثاني من الحكم لأكثر من ثلاثة عقود، ونعيش اليوم تجربة النوع الأول على مدى عقد ونيّف. كم أكره هذه الـ “نيّف”، لكني مضطر لها على قاعدة “اشجابرك على المر؟”.
و “غسل الدماغ” عند الطرفين يحتاج بدءا إلى تطبيق قانونين مهمين من قوانينه. الأول، هو نشر الخوف والرعب بين الناس كاستعمال وسائل التعذيب والإعدامات العلنية في الساحات والإكثار من الحروب كما فعل النظام السابق، أو عن طريق تخويف الناس بعدو وهمي ديني أو مذهبي أو قومي. ولا يهم إن كان هذا العدو من الخارج أو الداخل. لذا نجد النظام يستثمر، لصالح الغسل، التفجيرات والأعمال الإرهابية. وهذا قد يفسر عدم جدية النظام الشمولي في مكافحة الإرهاب والتساهل معه حد السماح للإرهابيين بالهرب من السجون كما يحدث بالعراق اليوم. غسل الدماغ عندهم ضرورة، وللضرورة أحكام كما تعلمون.
القانون المهم الثاني، انه لا يمكن غسل أدمغة الناس من دون استئصال الرموز الماثلة في عقولهم والتي تدفعهم للنزوع نحو الحرية والتفكير. ولا يهم إن كان هذا الرمز إنسانا أو أغنية أو كأس عرق.
خلاصة القانونين أن الإنسان يصبح عصيا على غسل الدماغ إن لم يكن مرعوبا وكان حرا وله عقل يفكر به. وهنا تبدأ عملية استهداف “الهوية” العقلية والفكرية للشعب واستبدالها بهوية الجهل والظلام. فغير الإسلاموي يستهدف الرموز الحية لأنه يشتغل في ساحة الدنيا (دار الأحياء). لذلك نجد النظام البعثي الشمولي لم يكتف بتشريد أسماء يعتز بها العراقيون ويستمدون منها وعيهم، بل وشوّه صورهم بقصص وحكايات صدقها كثير من الناس بفعل الخوف. أسماء لا يسع المجال لذكرها هنا. أكتفي فقط، كمثال، بذكر الجواهري والبياتي والشيخ الوائلي ومصطفى جمال الدين والنواب ولميعة عباس عمارة وسعدي يوسف. القائمة تطول وتطول جدا لو أضفنا لها المثقفين والكتاب والفنانين الذين شُردوا أو قُتلوا وتعرضت أسماؤهم لأبشع وسائل التشويه.
هكذا كان غير الإسلاموي. أما الإسلاموي الذي يحكم العراق اليوم فقد استهدف من هم في (دار الأموات) قبل أن يبدأ بالأحياء أبناء الدنيا “الفانية”. كيف؟
الجواب في العمود القادم.