الرئيسية » مقالات » عراقيو الداخل…عراقيو الخارج

عراقيو الداخل…عراقيو الخارج

يبدو أن الشعب العراقي لم تكفه الانقسامات المتعددة لمكوناته: الدينية، والطائفية، والعرقية واللغوية…الخ، لذا تفتقت عبقرية البعض على خلق انقسام جديد من نوعه، وهو: عراقيو الداخل ضد عراقيي الخارج، على غرار الفيلم الأمريكي (Kramer versus Kramer).

أكاد أجزم أنه ليس في العالم شعب منقسم على نفسه مثل الشعب العراقي. والسبب ليس لتعددية مكوناته فحسب، إذ نادراً ما يوجد شعب في العالم متجانس، مكوَّن من أثنية واحدة، ودين واحد، وطائفة واحدة، ولكن سبب الصراع بين مكونات الشعب العراقي هو حكم الاستبداد طوال تاريخه، ومحاولة الحكم الجائر االاعتماد على مكونة واحدة واستخدامها لإخضاع واضطهاد المكونات الأخرى، وبث الفرقة والعداء بينها وفق مبدأ(فرق تسد). والحجاج المشهور بجوره، هو الذي وصف العراقيين بقوله: “أهل شقاق ونفاق”. وحاول البعض جزافاً أن ينسب هذا القول إلى الإمام علي بن أبي طالب، ولكن ما قاله الإمام لأهل العراق: ” قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً… “. كما ويحدثنا التاريخ أن معظم الذين حكموا العراق قُتلوا، كدليل على صعوبة حكم العراق.



مناسبة هذه المقدمة، هي قيام البعض بشن حملة جائرة ضد عراقيي الخارج، والتشكيك بولائهم لوطنهم بل، وحتى ربط كل مشاكل العراق من فساد بهم. وهذه الحملة ليست جديدة، بل بدأتها فلول البعث منذ سقوط حكمهم الجائر في 9 نيسان 2003. ولكن للأسف الشديد أنه حتى بعض ضحايا العهد البعثي البائد أصيب بعدوى فايروسات هذا الوباء الوبيل في دق الأسفين بين العراقيين.



وسبب حقد البعثيين على عراقيي الخارج معروف، وهو دورهم الفعال في حث المجتمع الدولي بقيادة الدولة العظمى، أمريكا، في إسقاط حكمهم الجائر، لذلك فهم يريدون الثأر البدوي للانتقام منهم، وذلك بشن حملة تشويه سمعتهم، ومنعهم من المساهمة في إعمار بلدهم، وإعادة بنائه، بل وحتى حرمانهم من الشعور بالانتماء إلى وطنهم. أما سبب حقد بعض المسؤولين في البرلمان على عراقيي الخارج فهو المنافسة على المناصب، خاصة وأن عراقيي الخارج توفرت لهم الفرصة في كسب الخبرة والكفاءة والشهادات الجامعية العالية. ولا شك أنه من مصلحة العراق وشعبه توظيف هذه الكفاءات والطاقات في الإعمار والبناء، إضافة إلى كون عراقيي الخارج يشكلون جسراً بين العراق والشعوب الغربية المتقدمة، وبذلك يقومون بدور فعال للتعجيل في البناء والتعويض عما فات العراق من الوقت الضائع خلال حكم الفاشية الذي أعاده قروناً إلى الوراء.



نشرت صحيفة المدى البغدادية خبراً بعنوان: (النزاهة تخيّر المسؤولين: إما إسقاط الجنسية المكتسبة أو الاستقالة) جاء فيه: “دعت لجنة النزاهة النيابية، جميع الوزراء ووكلاء الوزراء والنواب والمستشارين الذين يمتلكون الجنسية المكتسبة إلى إسقاطها بأسرع وقت ممكن، لافتة إلى أن بعض المسؤولين يستخدمون الجنسية المزدوجة كحصانة لهم في سرقة أموال الشعب والهرب الى الخارج والاحتماء بالدول التي منحتهم هذه الجنسية.”



إن صح هذا الخبر، فهو يدل على العقلية العدوانية المريضة لدا البعض الذين لا يريدون الوحدة الوطنية، بل يجهدون ليل نهار لخلق المزيد من الوسائل لتمزيق مكونات الشعب العراقي، وهو إبداع تسجل براءة اختراعه إلى (لجنة النزاهة النيابية). فكما ذكرنا أعلاه، الشعب العراقي لا تنقصه صراعات وانقسامات عرقية ودينية وطائفية ومناطقية، واليوم تتفتق عبقرية لجنة النزاهة النيابية باختراع صراع جديد بين عراقيي الداخل وعراقيي الخارج. والعذر هنا “سرقة أموال الشعب والهرب الى الخارج والاحتماء بالدول التي منحتهم هذه الجنسية.” وكأن المسؤولين الذين لم يغادروا العراق ملائكة محصنون من السرقة والرشوة والفساد. لا شك أن موضوع اسقاط الجنسية المكتسبة خطير جداً، الهدف منه هو إفراغ العراق من أصحاب الكفاءات والطاقات الخلاقة، بل ومن كل من عارض حكم البعث الصدامي.

نسي أصحاب هذا الاقتراح المريب أن سرقة الأموال والهرب إلى الخارج لا تحتاج إلى جنسية دولة أجنبية، فأغلب اللصوص، سواء في العراق أو غير العراق، سرقوا المليارات من خزائن شعوبهم وهربوا، ومُنِحوا اللجوء وعاشوا في بحبوحة من العيش في الدول المضيفة دون أن يحملوا جنسيتها. فإسقاط جنسية الدولة المضيفة أيها السادة لا يمنع اللصوص من السرقة والفساد. وأفضل مثال على ذلك هو عمرو ديكو، وزير مالية نايجيريا الأسبق، الذي سرق أربعة مليارات دولار وهرب بها إلى بريطانيا، ونجى من العقوبة والملاحقة، ولم يكن قبل ارتكاب الجريمة حاملاً للجنسية البريطانية.

كذلك، معظم مرتكبي الجريمة المنظمة والسرقة والفساد والإرهاب في العراق ليسوا من عراقيي الخارج ولا من حملة جنسيات أجنبية، وأحسن مثال على ذلك هو طارق الهاشمي الذي تبوأ منصب نائب رئيس الجمهورية، ورجال حمايته الذين حكمت عليهم المحكمة الجنائية بالإعدام لإرتكابهم جرائم الإرهاب بحق الشعب، لم يغادروا العراق ولم يحملوا جنسية أية دولة أجنبية. فالإرهاب واللصوصية لا دين ولا جنسية لهما.



ولذلك فالغرض من هذا الاقتراح هو ليس لمنع الفساد والسرقة كما يدعي أصحابه، بل هناك حملة مريبة ضد عراقيي الخارج لتمزيق اللحمة الوطنية وحرمان العراق من التعافي. وهذه الحملة ليست جديدة فقد بدأت حتى قبل 9 نيسان 2003. لأن البعثيين أدركوا أن عراقيي الخارج كان لهم دور مؤثر في إقناع المجتمع الدولي بقيادة الدولة العظمى، أمريكا، لإسقاط حكم البعث الصدامي، كما أسقطت النازية الألمانية والفاشية الإيطالية وحررت الشعوب الأوربية من طغيانهما من قبل.



ومن نافلة القول، أن عراقيي الخارج لم يغادروا بلدهم للسياحة والنزهة والبطر، بل فروا بجلودهم لمعارضتهم للنظام البعثي الجائر، وإلا كان معظمهم من ضحايا المقابر الجماعية. وهم لم يسكتوا ولم يستكينوا في الخارج متفرجين، بل شكلوا تنظيماتهم السياسية لمعارضة فعالة ضد أشرس نظام دكتاتوري همجي في العالم، وشنوا النضال ضد الفاشية البعثية إلى أن أسقطوها. كذلك لا ينكر أحد دور عراقيي الخارج في دعم أهاليهم في الداخل زمن الحصار الاقتصادي الذي أذل الإنسان العراقي، حيث غامر كثيرون للهرب حتى صار البعض منهم طعاماً لأسماك البحار… إن الجنسية التي تتحدثون عنها ما هي إلا ورقة رسمية تساعد العراقي على التنقل بحرية دون مصاعب، وهم ليسوا ناكري الجميل للشعوب التي آوتهم ووفرت لهم العيش بكرامة. أما اسقاط هذه الجنسية فلا يغير من أخلاقية حاملها سلباً أو إيجاباً، وإنما هذه الدعوة مشبوهة والغرض منها تحريك الغرائز البدائية عند بعض العراقيين لأغراض انتخابية، فتارة يعزف هؤلاء على الوتر الطائفي وأخرى على الوتر العنصري، واليوم على وتر إثارة الحقد على عراقيي الخارج.

يتعكز هؤلاء على (الفقرة رابعاً) من (المادة 18) من الدستور النافذ، التي تنص:”يجوز تعدد الجنسية للعراقي، وعلى من يتولى منصبا سياديا أو امنيا رفيعا التخلي عن أي جنسية أخرى وينظم ذلك بقانون”.

هذا القانون لم يتم سنه لحد الآن، لأن هذه المادة خاطئة بالأساس وغير قابلة للتطبيق، وهي لغم زرعوه في الدستور لدق الاسفين في الوحدة الوطنية في الوقت المناسب. لذلك فمن مصلحة الشعب العراقي إلغاء هذه المادة الجائرة عند توافر أول فرصة لتعديل الدستور من جميع مواده الضارة. إن الغرض من حرمان العراقي حامل الجنسية المكتسبة ليس منعه من منصب سيادي وأمني فحسب، بل لمنع أي عراقي في الخارج من تسلم أي منصب كان حتى ولو موظف من الدرجة الخامسة. فهذه الحملة مجرد البداية، وأول الغيث قطر ثم ينهمر.

ومما يجدر ذكره، أن امتداد أي شعب خارج الوطن هو لصالح الشعب في داخل ذلك الوطن، وهناك أمثلة كثيرة في العالم. فالشعب اللبناني في الداخل لا يزيد تعداده على أربعة ملايين، بينما الجاليات اللبنانية في الخارج يزيد تعداد نفوسها على 14 مليون نسمة، ولولاها لكان لبنان بلداً فقيراً. كذلك تأثير اليهود خارج إسرائيل على دول العالم وبالأخص يهود أمريكا، في دعم إسرائيل. لذا فالغاية من هذه الحملة، حرمان العراق من الاستفادة من أصحاب الكفاءات وإثارة الغرائز البدائية عند البعض لأغراض انتخابية ليس غير.

وكجزء من الحملة التسقيطية ضد عراقيي الخارج، نلاحظ منذ مدة مقالاً يتناقل عبر البريد الإلكتروني يحاول كاتبه الظهور بمظهر الإنسان الفقير البسيط (من أهل الله يا محسنين!)، وحتى بدون اسم، ولكنه كتب بأسلوب كاتب بعثي محترف في الخبث والدهاء، يجيد دس السم بالعسل، وتمريره على الناس الطيبين، وحتى المثقفين منهم، مما أثبت أنه ليس هناك أي عراقي محصن ضد ألاعيب البعثيين في التضليل والمراوغة باستخدام الأساليب الفنية الشيقة في كسب ثقة القارئ وبث سمومهم.

وإزاء تفشي موجة الإجرام بعد سقوط البعث الفاشي، يقول الكاتب: “ولقد شملتني حمى الخوف على الرغم من إني لم أكن أملك مالاً …كل ما أملكه هو سيارة عتيقة أعمل بها كسيارة أجرة، وكان كل من يركب بها يقسم أغلظ الإيمان أن لا يركب بها مرة أخرى لأنها ببساطة سيارة مصابة بمرض باركنسن، لأن كل جزء منها يرتجف على حده أعان الله من ركب بها مرة.”

نصحه صديق له: “إقتني لك كلباً يعينك على الحراسة ليلاً وينبهك في حالة غفلتك..” أعلن رغبته باقتناء كلب فبادر أحدهم وأرسل له كلباً كبيراً..اعتنى به وأطعمه إلى أن تعود عليه. ولكن مع ذلك سرقت سيارته، فسجل شكوى في مركز الشرطة، (سألني ضابط الشرطة وهو يقف أمام منزلي “يبدو إنَّ لديك كلباً”، فأجبته بالإيجاب وعاد يسألني “ألم ينبح كلبك أثناء الليل؟”. أجبته بالنفي.). وأخيراً عثر الشرطة على سيارته، وعلى سارقها أيضاً، الذي “كان شقيق الرجل الطيب الذي أهداني الكلب”.

وهنا يصل الكاتب إلى بيت القصيد: (قال لي رجل حكيم: “إياك والكلب ذو الصاحبين، أتعرف لماذا؟ لأنك لو ربيت كلباً وهو صغير فسيكون انتمائه وولائه لك، أما إذا أخذت كلباً وهو كبير فسيكون انتمائه لك ولكن ولائه لغيرك فهو يدرك غريزياً أنه إذا احترق بيتك أو سرق سيكون دوماً هنالك دار أخرى له”. ويضيف كاتبنا قائلاً: “لهذا يا عزيزي إنَّ كلبك الشرس لم ينبح على اللصوص لأنهم بكل بساطة..أهله.” ويختتم مقاله بملاحظة: “إهداء لكل الساسة العراقيين الذين أتونا من بلدان أخرى يحملون جنسياتها”.

فمن المقصود من كل هذا الكلام؟ المقصود هو أن الخمسة ملايين عراقي في الخارج الذين شردهم البعث الصدامي، هم كلاب ذو صاحبين وولائين، انتماءهم للعراق ولكن ولاءهم للدول التي آوتهم ووفرت لهم الخبز والحرية والكرامة، حسب رأي هذا البعثي الذي يدس السم بالعسل ليحرمنا حتى من حقنا في الولاء للعراق وليجردنا من عراقيتنا وانتمائنا إلى وطننا!!

من المناسب هنا أن استشهد بما كتبه الصديق ليث رؤوف حسن في تعليق له في هذا الخصوص فقال بحق: ((أما كون البعض منا قد هاجر وسكن رغما عنه خارج الوطن، يسمى بأجنبي فهذا مالا أستطيع أن أطيقه. هل يشكك البعض بعراقيتي بالرغم من تشردي ومعيشتي ولو كأمير في هذا البلد أو ذاك، لن ولا يجعلني غير قادر على أن أفكر أو أعمل لخير العراق، بل بعضاً أحسن من الذي قاسى وعانى وتعب وشقى داخل الوطن والعكس أيضا صحيح. هؤلاء الذين قدموا للعراق للعمل من أجل عراق مستقل ومستقبل زاهر ليسوا كلهم أو حتى بعضهم غريبا عن العراق. عاش صديِّم ومات في العراق ولكن!!! هل كان هناك أسوأ منه في تأريخ العراق كله؟؟؟ حتى هولاكو لم يتسبب بهكذا كوارث ومقاتل للعراقيين كالتي سببها حزب الأفاكين والقتلة البعثفاشي!!!

الملك فيصل الأول لم يكن عراقيا بالولادة ولكنه خدم العراق بإخلاص.

فكيف بشخص ترك العراق مرغما، ألا يحق له العودة والعمل من أجل العراق بصدق وإخلاص؟؟؟))

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني

http://www.abdulkhaliqhussein.nl / الموقع الشخصي

أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن:  http://www.ahewar.org/m.asp?i=26

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقال ذو علاقة بالموضوع

أ.د. محمد الربيعي: هل يريد الوطن الاستفادة من علمائه وكفاءاته فـي الخارج حقا؟

http://www.alrafidayn.com/2009-05-26-22-21-36/20756-2010-08-11-23-00-23 .html