الرئيسية » مقالات » حوار لم يكتمل!

حوار لم يكتمل!

كنت قد نشرت مقالا حول موضوع العمالة ومفهومها وتطبيقاتها في النظم الدكتاتورية التي تستسهل توجيه مثل هكذا اتهامات لأي من معارضيها، كما كان يحصل مع معظم الأحزاب المعارضة لنظام صدام حسين واتهامه لجميعها بالعمالة لإسرائيل والاستعمار والامبريالية العالمية، وقد اطلع عليه الزميل الكاتب والإعلامي سالم مشكور وأرسل يحاور:



     أنا معك في الإسفاف في توجيه الاتهام بالعمالة لإسرائيل من قبل الأنظمة الشمولية، لكن فيما يخص محاولات التمدد الإسرائيلي في كردستان فله جذور تاريخية وانا بنفسي رأيت صورة تجمع مسؤولا إسرائيليا مع الملا مصطفى رحمه الله والدكتور محمود عثمان، وهي منشورة في عدد من الكتب ولم ينكرها الدكتور محمود. طبعا لهذا الموضوع ظروفه التاريخية والسياسية. أما اليوم فقد اخبرني مسؤول في الاتحاد الوطني وهو صديق قديم لي بان قاعدة للموساد موجودة على سبيل ( سرسنك كما أتذكر انه قال) وهو يشرف على الأراضي الإيرانية، واعتقد انه موجه إلى إيران أكثر منه إلى العراق، وإذا كان من معلومات لديك تدحض هذا الكلام سأكون مسرورا لسماعها منك.


كفاح محمود:


     شكرا لاهتمامكم ومتابعتكم أخي الكريم، وبودي أن أوضح لكم إن موضوع بحثنا دار حول فكرة العمالة حصريا والاتهامات الجارية، ولم انفِ أو أثبت علاقات عسكرية أو دبلوماسية أو مصالحية بين كوردستان واسرائيل أو سوريا أو ايران أو حتى تركيا حاليا أو سابقا، فالمصادر الرسمية هنا في الإقليم ابتداءً برئيسه وانتهاءً بأي مسؤول رسمي في الحكومة والبرلمان ينفي  بشكل قاطع أية علاقة من التي ذكرتها أو تذكرها وسائل الإعلام الموجهة، ولكنني استطيع تأكيد حالة واحدة وهي ان الثورة سابقا ومؤسساتها المدنية حاليا مدت يدها لكل الأطراف التي أبدت مساعدتها في إنقاذ شعب كوردستان من الإبادة والتدمير، ولا أظن إن العلاقات اليوم بين الدول والأقاليم والحركات تقع تحت ذلك التعريف البائس الذي اعتمدته الأنظمة الشمولية في اتهام كل من يعارضها بالعمالة، إذ انه لا يعقل تماما ان يكون الرئيس السادات ومبارك ونصر الله وعرفات ومعظم من ( يتمتعون ) بعلاقات مع اسرائيل عملاء كما يتم توصيفهم من قبل كل الشموليين بعثيين كانوا أو غيرهم؟


     هذا من جهة ومن جهة أخرى فان للكورد تاريخ نضالي وإنساني مع الشعوب التي بجوارهم منذ صلاح الدين الأيوبي وحتى يومنا هذا، يرتقي على تاريخ معظم مكونات الشرق الأوسط، وهم كما تعلم ليسوا طائفة أو أقلية بل مكون كبير وربما اكبر ( أقلية ) في العالم لم تنل حقوقها!؟


سالم مشكور:


     وأزيدك بان الكرد سبقوا باقي الأقوام في الوجود على هذه الأرض بآلاف السنين. وعندما أقول طائفة فلا يعني ذلك تقليلا من شانهم أبدا وافترض انك تعلم جيدا معنى الطائفة. ما اعنيه هو الجماعة التي تشترك في لغة أو ثقافة أو مشروع سياسي وغيره وهذا ينطبق على التركمان والشبك والشيعة والسنة والكرد والعرب السنة وغيرهم. المعيار هنا كما ترى ليس دينيا فقط أو مذهبيا فقط أو قوميا فقط. المهم أن يجمع أبناء جماعة ما مشتركات واهتمامات وهواجس وطموحات تميزها عن الجماعات الأخرى، وحتى الباقين لم يظهروا بعد 2003 بل هم موجودون منذ القدم لكن ظروف ما بعد 2003  وفرت بيئة صالحة لانكفاء الطوائف على نفسها حفاظا على مشروعها أو تحاشيا لتكرار ماض اليم أو خوفا من مستقبل مجهول، وهنا دعني اضرب لك مثلا:


     ألا يقال إن العراق يخضع لمحاصصة طائفية؟ فما معنى الطائفة هنا؟ وعندما توزع المناصب طائفيا، الا يجري تقسيمها بين الشيعة والسنة والكرد؟


     أما إذا كان الكرد كما تقول “لهم خياراتهم ومؤسساتهم وقرارهم ” بعيدا عن العراق كبلد يضمهم مع باقي الطوائف _ وهذا ما هو حاصل الان _ فاعتقد ان الافضل لهم وللآخرين ان يستقلوا تماما وهو حق لهم لا يناقشهم فيه احد وانا من اشد الداعين الى ذلك. اما ان يظلوا عراقيين حيث يحصلون على المكاسب، ومستقلين حيث لا مصالح فان الأمر سيخلق أحقادا عميقة في نفوس الطرفين تلقي بظلالها على العلاقة بين الدولة المستقبلية لهم وباقي العراق.


كفاح محمود:


     ازعم أن هناك تعريف أكثر دقة لما تسميه بالمكاسب وهو الاستحقاقات التي تم تهميشها لعقود طويلة وهي تتعرض اليوم إلى محاولات لا تقل عن تلك الالتفافات التي كانت تواجه اتفاقيات مع الأنظمة السابقة ( اتفاقية آذار 1970م نموذجا؟ ) ومشروع الحكم الذاتي الذي أرادت حكومة البعث صياغته حسب فلسفتها وفرضته لسنوات طويلة مسخا وهيكلا كارتونيا سرعان ما انهار في أول ساعات الانتفاضة، أما ملاحظتكم أو قولكم (إما أن يظلوا عراقيين حيث يحصلون على المكاسب، ومستقلين حيث لا مصالح ) فهذا ربما تجني كبير أخي مشكور، فما أخذه الكورد إنما أخذوه استحقاقا كان قد سرق منهم أو اغتصب بالقوة وما يزال هناك الكثير من حقوقهم خارج إرادتهم، وهم عراقيون ( بمفهوم الدولة العراقية ) منذ أن منحوا الموصل هويتها العراقية حيث اختاروا المملكة العراقية بشرط احترام حقوقهم وإرادتهم، أما وصمهم بالانتهازية فهذا بربي عين التجني خاصة وهم الذين اختاروا الاتحاد مع العراق ضمن دستور متفق عليه وكانوا أكثر الأطراف جدية وعملية في تأسيس دولة حديثة بعد سقوط نموذجها المتخلف اثر زلزال آذار نيسان 2003م.


     الكورد والكوردستانيون عموما ما زالوا يؤمنون بانتمائهم الى العراق حيثما يحترم الاخرون الدستور المتفق عليه وحل كل الاشكاليات التي خلفها نظام البعث من عمليات تعريب لمناطق في كركوك والموصل وديالى وإجراء التعداد العام للسكان ليتضح للجميع حقيقة كل المكونات وخاصة الكورد وحجمهم الطبيعي، وتشريع قانون للنفط والغاز حسب ما جاء في الدستور وإنشاء مؤسسة عسكرية مهنية تمثل كل العراق ولا تكون حكرا بيد شخص أو حزب أو عرق أو مذهب، وغير ذلك لكل حادث حديث ليس للكورد فحسب وإنما لكل من ضمهم الدستور في كيان اتحادي ديمقراطي تعددي، اما موضوع زيارة الوزير التركي فأخشى أن تكون بيئة الأزمة أنتجت هذا التهويل لزيارته وعلى ذات الخلفية كيف نعرف زيارة عشرات المسؤولين الايرانيين رفيعي المستوى وخاصة الامنيين منهم لبغداد والبصرة والنجف وكربلاء ومثلهم من السعودية لمنطقة ربيعة والانبار.


سالم مشكور:


     لا يمكن لبيئة الأزمة أن تبرر هكذا انتهاك وهو مرفوض سواء صدر عن تركي أو إيراني أو هندي أو سعودي. هذه بالضبط ما اسميها لعبة الطوائف التي تجري على حساب الوطن..لمن يهمه أمر الوطن وليس أمر الطائفة.


كفاح محمود:


     اقدر تماما ما تذهب اليه كرأي ولكن الكورد ليسو طائفة فهم قوم وارض وشعب ولهم كيانهم ومؤسساتهم وخياراتهم وقرارهم ايضا، وهم ايضا ليسو من إنتاج ما بعد 2003 مما اسميته بالطوائف الذين ضاع بينهم الوطن والانتماء.