الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الخامسة

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الخامسة




جيورجي ديمتروف
1882-1949

القسم الثاني



الفصل الثاني


في خضم الصراعات الطبقية الحادة

لقد بلغت موجة الإضرابات الكبيرة التي عمت البلاد ذروتها عندما هبً عمال السكك الحديدية وعمال البريد والبرق للنضال وايدهم بقية عمال الصناعة والخدمات .
لقد كان لعمال السكك الحديدية وعمال البريد والبرق عدة نقابات ، وكانت نقابة عمال النقل من اكثر النقابات إنضباطا وتماسكا بينهن . إنظمت هذه النقابة الى الإتحاد العام لنقابات العمال وبلغ عدد اعضائها عام 1919حوالي 6392 عاملا صناعيا وخدماتيا . اما بقية نقابات عمال السكك الحديدية وعمال البريد والبرق والهاتف ومنظمة سائقي القطارات ، فقد ادعت الحياد ، اما في الحقيقة فقد كانت خاضعة لتأثير جناح الإشتراكيين اليميني . وكان واضحا لديمتروف بأن وحدة العمل والتفاهم بين قوى الجناح اليساري هي شرط لنجاح اي إضراب . وعندما أُسندت مهمة تشكيل الحكومة الى إتحاد المزارعين البلغاري ، قام قائد هذا الإتحاد الكساندرستامبولسكي بتشكيل حكومة إئتلافية من ممثلي المحافظين الرجعيين والأحزاب التقدمية. ونجحت البرجوازية في شق صف الأحزاب الديمقراطية وبات تنظيم الإضراب الناجح يواجه عقبة جدية .اما العقبة الأخرى امام نجاح الإضراب في حالة القيام به ، هو تذبذب الجناح اليميني للإشتراكيين، وهذا ادى الى فشل المفاوضات بين الإتحاد العام لنقابات العمال والنقابات الإصلاحية للإتفاق على صيغ مناسبة لشن نضال مشترك ناجح . لكن عندما تمً إقصاء الجناح اليميني للإشتراكيين من الحكم ، إستطاعت العناصر اليسارية في النقابات التابعة له أن تُقنع قادة هذه النقابات بضرورة إقامة علاقات ودية مع الإتحاد العام لنقابات العمال .

وعندما تسارع تطور الأحداث ووصل ذروته ، دعا الحزب الشيوعي البلغاري الى إجتماع جماهيري في صوفيا في الحادي والعشرين من كانون الأول ( ديسمبر ) 1919 . وفي هذا الإجتماع ، قام عميل للشرطة بإلقاء قنبلة يدوية وسط المحتشدين ادى إنفجارها الى جرح عشرة اشخاص . وفي الرابع والعشرين من الشهر نفسه ، يوم إفتتاح الجمعية الوطنية ، نظم الحزب تظاهرة إحتجاجية وناشد الجماهير المشاركة فيها . كانت التظاهرة عملا جماهيريا شلً الحياة الإقتصادية الداخلية للبلاد ، وكما وصفها ديمتروف لاحقا بأنها اروع حملة نظمها الحزب في سلسلة نشاطاته خلال تلك السنة . وتخلل هذه التظاهرة الجماهيرية الضخمة عدد من الصدامات الدموية بين المتظاهرين والبوليس ، مما دفع الحكومة الى فصل جميع المستخدمين العاملين في دوائر الدولة والذين شاركوا في هذه التظاهرة ، من اعمالهم .

وإتفق جيورجي ديمتروف بشكل تام مع وجهة نظر اللجنة المركزية للحزب حول ضرورة سحب إتحاد المزارعين الى مواقع مشتركة سيما وان الرجعية إستطاعت تعزيز مواقعها الأمر الذي جعل الوضع غير ملائم للقيام بالإضرابات . ورغم ذلك فقد اجمع قادة الحزب على ضرورة قيام الإتحاد العام لنقابات العمال بالذات بقيادة العمال الذين دفعتهم سياسة الحكومة القمعية بالقيام بأعمال متطرفة .

وبدأ الاضراب الكبير لعمال النقل عندما توقف عمال سكك الحديد والبرق عن العمل في انحاء البلاد . وكلفت اللجنة المركزية للحزب كل من جيورجي ديمتروف وفاسيل كولاروف وخرستو كاباكجيف لقيادة الإضراب . وإضطر الثلاثة للعمل سرا ، بعيدا عن اعين البوليس ، وإضافة الى اللجنة التي عينتها النقابات الثورية ، كانت هناك لجنة ثابتة للإضراب شكلها الجناح اليميني للإشتراكيين ، وقد عملت اللجنتان بإتجاهين متوازيين وحافظا على نوع من العلاقات مع بعضهما البعض . وبمبادرة من الحزب تمً تنظيم إضراب سياسي عام تأييدا لعمال النقل امتد من 29 ديسمبر وحتى 3 يناير 1920، واعتبر ديمتروف هذا الإضراب “ اعظم تعبير عن التضامن الطبقي السياسي مع نضال عمال النقل كجزء من الطبقة العاملة “ ( 1 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ج. ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 5 ص 324


وخلال الإضراب ، إنتحل ديمتروف الأسم السري جافريل ميخالوف واقام صلات مع المضربين وقام بتوجيههم في نضالهم العسير ، مؤكدا من جديد مواهبه التنظيمية الرائعة . ولم تستطع كمائن البوليس لإعتقاله ولا التهديدات بإغتياله ان تلوي عزيمته وتحول بينه وبين أداء واجبه البروليتاري ، وتطلب ذلك منه الى تغيير مكان إختفاءه عدة مرات . وفي ظل هذه الظروف الصعبة تفجرت طاقته غير العادية للعمل ، إذ كان يقضي يومه في كتابة المقالات وإصدار التوجيهات ويخرج ليلا للإجتماع بلجنة الإضراب مرتديا بزة عسكرية لتمويه وخداع البوليس . وغالبا ما كان ديمتروف يظهر بشكل مفاجيء في الإجتماعات الجماهيرية ليخطب فيها مناشدا العمال مواصلة الكفاح ، ومن ثم يتوارى عن انظار البوليس بالطريقة نفسها . وكان يرد على الرفاق الذين يعبرون له عن قلقهم على حياته بسبب الأخطار التي تتهددها قائلا بانه على إستعداد للتضحية بنفسه قربانا للمثل الشيوعية العظيمة . ومن الأمثلة الحية التي تدل على مدى تضحيته وتفانيه في الدفاع عن العمال ، العمل الجريء الذي قام به في 12 شباط ( فبراير )1920 . ففي هذا اليوم تجمع المفصولون من العمل بسبب مشاركتهم في تظاهرات 24 ديسمبر 1919 وكان عددهم يربوا على الأربعمئة عامل ومستخدم . وقد كان واضحا ان تسوية هذه المسألة بحضور ديمتروف شخصيا ستكون في صالح المفصولين وذلك لما يتمتع به ديمتروف من مكانة متميزة وما يمارسه من تأثير على بقية اعضاء المجلس ، إلا ان قيادة الحزب كانت متحفظة على ظهور ديمتروف في هذا الوقت بالذات بسبب ملاحقة البوليس له . ورغم ذلك نجد القائد البروليتاري الجريء يظهر فجأة في قاعة المجلس البلدي قبيل التصويت على إعادة المفصولين . وقد أثار ظهوره المفاجيء هذا حماس الحاضرين وخاصة العمال ، وإندهاش وإرتباك ممثلي الأحزاب البرجوازية مما دفع بأحد ساستهم ليصف خطوة ديمتروف هذه بانها “ إيماءة بارعة “

إن الاصلاحيين لم يستطيعوا الصمود بوجه المضايقات التي رافقت الاضراب ، لذا نجد منظمة سائقي القطارات تنهي اضرابها في 17 شباط ( فبراير ) 1920 دون علم وموافقة النقابات الأخرى . كما وسارعت بعد ذلك بقية النقابات الاصلاحية لتتخذ الموقف نفسه ، فيما استمرت نقابة النقل لوحدها في الاضراب دون ان يكون امامها خيار آخر ، ولكن تضطر هي الأخرى ان تطوي شعاراتها الاضرابية وتترك الميدان . وهكذا ينتهي الاضراب البطولي الذي استمر 54 يوما الى الفشل ، لكن ديمتروف قيمه عاليا معتبرا إياه إنتصارا معنويا كبيرا للبروليتاريا البلغارية. وفي كراسه الموسوم ب “ من الهزيمة الى النصر “ ،قام سكرتير الإتحاد العام لنقابات العمال بتحديد الآفاق العظيمة للطبقة العاملة البلغارية مؤكدا “ تستطيع البروليتاريا البلغارية حتى من هذه الهزيمة المؤقتة التي مُنيت بها احدى فصائلها ، ان تستمد قوة جديدة لتشحذ وتزيد من اسلحتها في النضال والتعجيل بالإنتصار النهائي على الراسمالية “ ( 1 )

لقد إكتسب إضراب عمال النقل اهمية كبيرة ليس لتطور الطبقة العاملة فحسب ، بل وبالنسبة للبلاد ايضا ، إذ استطاعت البرجوازية ان تستغل الأحداث لصالحها ، وإتبعت تكتيكات ناجحة لشق وحدة المزارعين مع الشيوعيين وتحريض بعضهم ضد البعض الآخر ، ونجحت في هذا المسعى الى حد كبير .

لكن رغم ذلك لم تستطع القوى الرجعية تحقيق هدفها الأساسي المتمثل بالقضاء على الحزب الشيوعي البلغاري . لقد كان إضراب عمال النقل إختبارا جديا لقوة الحزب ، وإستطاع الحزب ان يخرج من هذا الاختبار برأس مرفوعة ، فرغم الهزيمة التي مُني بها الاضراب ، إزداد تأثير الحزب ونفوذه بين اوساط الشغيلة وإن هذا الإضراب لم يكشف عن مواطن الضعف والخلل في البناء الفكري والتنظيمي للحزب فحسب ، بل وكان دلالة على صلابة الحزب الطبقية ونضوجه السياسي . وكما كتب ديمتروف فإن “ الدرس الذي تعلمته البروليتاريا الشيوعية كان كبيرا ، التنظيم ، التلاحم ، الوعي الشيوعي العالي ، الضبط الثوري الحديدي ، تفادي إستفزازات البرجوازية والسلطات ، عدم المغالاة بالقوى الذاتية وعدم الإستخفاف بقوى العدو والإدراك الصائب للمهام في اية لحظة من النضال التحرري “ ( 2 )

وبالضد من ذلك ، فقد اظهرت تلك الأحداث المأساوية بوضوح من ان الجناح اليميني للإشتراكيين غير مستعد للمشاركة في المعارك الطبقية التي افرزها وضع البلاد انذاك وفي قيادتها ، مما افقدهم والنقابات التابعة لهم ثقة اتباعهم من العمال وادى ذلك الى تفكك منظماتهم وإنحلالها .

ومن النتائج الرئيسية الأخرى لإضراب عمال النقل ، اصطدام الجناح اليساري للإشتراكيين مع قادتهم ومن ثم انفصاله وانضمامه الى الحزب الشيوعي في 2 نوفمبر 1920 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ج. ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 5 ص 344
( 2 ) المصدر السابق ص 343ــ 344


لقد إستطاع ديمتروف أن يُقيم إتصالات مع الجناح اليساري في النقابات الاصلاحية والذي كان معظم قادته يؤمنون بضرورة الالتزام بالطبيعة اللاتساومية للصراع الطبقي كمبدأ لنشاط النقابات ، وبهذا يصبح مركز النقابات الاصلاحية اقرب الى الشروط التي طرحها الإتحاد العام لنقابات العمال للوحدة النقابية . وبعد مفاوضات التوحيد ، تمً التوقيع على بيان يقضي بدمج الإتحاد العام لنقابات العمال مع النقابات الحرة تحت راية الأممية الشيوعية ومبادئها الثورية في إطار الإتحاد العام لنقابات العمال .

وفي مجرى مفاوضات التوحيد تصدى ديمتروف لمحاولات بعض ممثلي النقابات الحرة الرامية الى تكريس حق اعضاء الإتحاد في إختيار الحزب الذي سينتمون اليه ، مؤكدا ان مثل هذا الحق سيفتح الأبواب امام إنضمام عناصر معادية للحزب الشيوعي والإتحاد العام لنقابات العمال . وامام إصرار ديمتروف إضطر ممثلوا النقابات الحرة للتخلي عن محاولاتهم هذه ، ووقعوا على بيان الوحدة .

لقد ثمنً ديمتروف عاليا هذا العمل التوحيدي ، فبه أُزيلت عقبة جدية من امام تقدم الطبقة العاملة البلغارية ، واثبتت هذه الممارسة الرائعة عمليا صحة المباديء التي آمن بها وناضل من اجلها الحزب الشيوعي البلغاري ، مما ضاعف من إلتفاف العمال البلغار بقوة حول الحزب وسياسته . وكما اكدً ديمتروف بأن هذا الإنجاز جاء إمتدادا لسياسة الشيوعيين وتمسكهم بمبادئهم الماركسية ومحاربتهم للإنتهازية في الحركة العمالية الثورية منذ عام 1903 ، عندما إستطاع الجناح اليساري للإشتركيين أن يتخلص بدون تردد من الإنحراف الإنتهازي ويخوض نضالا حازما ضد سياسة البرجوازية العلنية منها والسرية . إن توحيد الحركة النقابية عام 1920 ، اكدً مرة اخرى الهوية الطبقية الثورية للحزب وللنقابات التي يقودها .

إن إندماج الجناح اليساري للنقابات الحرة مع الإتحاد العام لنقابات العمال ، لم يحل مسألة الوحدة النقابية في بلغاريا بشكل نهائي ، فقد واصل عدد غير قليل من العمال في ولائهم للحزب الإشتراكي الديمقراطي ( الجناح اليميني ) ، وواصلت اعمالها عدد من المنظمات المحايدة التي تضم اعدادا من العمال الصناعيين والخدميين الذين بقوا خارج النقابات الثورية . ورغم ذلك فإن العمل التوحيدي عام 1920 كان نصرا جديدا حققته القوى الثورية في حركة الطبقة العاملة بقيادة جيورجي ديمتروف على الإنتهازية .

وحتى بعد إنتهاء اضراب عمال النقل وعودة الهدوء الى البلاد ، واصلت الحكومة ملاحقتها لسكرتير الإتحاد العام لنقابات العمال ومضايقتها له .إلا أن جميع محاولات البوليس لإلقاء القبض على ديمتروف ، الذي كان يغير مكان إختباءه بين الحين والآخر ، باءت بالفشل ــوتنصلت الحكومة عن مسؤليتها في اعمال الملاحقة هذه إثر إحتجاج قدمه ديمتروف بهذا الخصوص ،وحمًلت البوليس مسؤولية هذا التصرف ووصفته بأنه كيفي .ورغم الخطر الذي كان يتهدد حياته ، إلا ان ديمتروف رفض بشكل قاطع فكرة مغادرة البلاد ، ولو لفترة قصيرة حتى تهدأ الأمور واصرً على ضرورة بقائه بين عمال بلاده مؤكدا ان وقت الرحيل لم يحن بعد .

وفي إنتخابات الجمعية الوطنية التي جرت في 18 آذار ( مارس ) 1920، حصل إتحاد المزارعين البلغار على اغلبية المقاعد ، وتمً تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الكساندر ستامبولسكي .إما الحزب الشيوعي فقد فاز بخمسين مقعدا، وأُنتخب ديمتروف نائبا عن مقاطعتي صوفيا وفراتسا ، ثم عُين مديرا لإحدى المدارس ، إلا أنه إستمر متخفيا خلال فترة الإنتخابات . وحسب رأي ديمتروف ، فإن نتائج الإنتخابات اظهرت بوضوح انه لايمكن القضاء على الحزب بالعنف والإرهاب . كما وشكًل خروج الأحزاب الرجعية من السلطة نجاحا للقوى الديمقراطية في بلغاريا، لكن ولسؤ الحظ لم يجرِ توطيد هذا النجاح . فأزمة الثقة بين الشيوعيين والمزارعين تعمقت وتصاعد العداء بينهم الى حد كبير . فالحزب الشيوعي لم يكن مؤمنا بوجود اية اسس لتحالف دائم مع إتحاد المزارعين البلغار ، لذا فهو لم يبحث عن وسائل كفيلة بتطوير علاقته معهم . ومن جانبهم تمسك قادة المزارعين بنظريتهم في إستقلال سلطة المزارعين ورفضوا تأييد الحزب الشيوعي في نضاله ضد الرجعية والملكية ، واخذوا بمضايقة مناضلي الحركة الشيوعية .

وفي ظروف المد الثوري الذي احدثته الأزمة في بلغاريا وتحت تأثير ثورة اكتوبر الإشتراكية العظمى ، تعاظم نفوذ ديمتروف ونفوذ إتحاد النقابات الثوري الذي يقوده ، ومما يؤكد هذه الحقيقة هو ان المجلس العالمي لإتحاد النقابات و خلال عملية التحضير لإقامة اتحاد نقابي ثوري عالمي ، عهد الى الإتحاد العام لنقابات العمال في بلغاربا مهمة دعوة الإتحادات النقابية في بقية دول البلقان للإنضمام الى الإتحاد النقابي الثوري البلقاني . وتُوج نشاط الإتحاد العام لنقابات العمال في هذا المجال بعقد الكونفرنس العمالي لإقطار البلقان والدانوب في صوفيا من 3 ـ 4 نوفمبر 1920 .

ولعب ديمتروف دورا بارزا في اعمال هذا الكونفرنس وقدًم له تقريرا عن اوضاع الحركة النقابية في بلغاريا ، و له الفضل الرئيسي في صياغة وثائق الكونفرنس ، التي إستندت الى تصورات الإتحاد العام لنقابات العمال ، وإتخذ الكونفرنس قرارا بتشكيل سكرتارية نقابية مؤقتة لبلدان البلقان والدانوب تابعة للإتحاد الفيدرالي لشيوعيي هذه البلدان وتكون ممثلا للمجلس العالمي لإتحاد النقابات وتمً إختيار صوفيا مقرا لهذه السكرتارية وأُنيطت قيادتها للإتحاد العام لنقابات العمال ، وبهذا اصبح جيورجي ديمتروف بشكل فعلي على رأس الحركة النقابية الثورية للدول البلقانية حتى قيام إنتفاضة ايلول ( سبتمبر ) 1923 .

وأُنتخب ديمتروف عضوا في الوفد الذي يمثل الحزب الشيوعي البلغاري الى المؤتمر الثاني للكومنترن . ولعدم تمكن الوفد من السفر عن طريق البر عبر اوربا الغربية ، قرر الوفد الإبحار من فارنا بقاربين معرضا نفسه لمخاطر كبيرة . فابحر فاسيل كولاروف وجيورجي ديمتروف في قارب ـ بينما إستقل خرستو كاباكجيف ونيقولا ماكسيموف القارب الآخر .وبسبب رداءة الجو وقتذاك ، إضطر كاباكجيف وماكسيموف الى العودة الى فارنا، ثم ابحرا من جديد فيما بعد وإستطاعا الوصول الى البلاد السوفياتية وشاركا في اعمال المؤتمر العالمي للكومنترن . اما ديمتروف وكولاروف فقد عاشا اوديسا حقيقية ،فبسبب رداءة الجو وهطول الأمطار والعاصفة القوية ، لم يستطيعا الوصول الى هدفهما . وفي الثالث من تموز ( يوليو ) 1920 ، إعترض قاربهما زورق عسكري روماني وتمً إعتقالهما من قبل السلطات الرومانية .

وعلى إثر ذلك قدمً الحزب الشيوعي البلغاري إحتجاج شديد اللهجة للحكومة البلغارية للضغط على السلطات الرومانية لإطلاق سراح ديمتروف وكولاروف . وعمًت البلاد حملة إحتجاج واسعة ، وناشد ديمتر بلاغوييف الأممية الشيوعية ان تبذل جهدها لإطلاق سراح مناضلي حركة الطبقة العاملة البلغارية المحتجزين لدى البوليس الروماني .كما وقام الإشتراكيون الرومان والطبقة العاملة الرومانية بحملة تضامن واسعة، وسعى نوابهم في الجمعية الوطنية لإطلاق سراح ديمتروف وكولاروف . وكانت حملة البروليتاريا الرومانية للدفاع عن قياديي الحزب الشيوعي البلغاري تعبيرا صادقا عن التضامن الأممي للطبقة العاملة ، كما وساعدت هذه الحملة على تقوية نفوذ قوى الجناح اليساري بين العمال الرومان ، وعززت من مواقع مؤيدي الأممية الشيوعية .

كما وطلبت الحكومة السوفياتية من مفوضها للشؤون الخارجية جيجيرين تقديم إحتجاج للسلطات الرومانية لإعتقال كولاروف وديمتروف ومطالبتها بإطلاق سراحهما . وإضطرت الحكومة البلغارية للتدخل ، رغم عدم وجود رأي موحد حول هذه المسألة لدى قيادة إتحاد المزارعين الحاكم ، واجبرت السلطات الرومانية على إطلاق سراح ديمتروف وكولاروف في 23 تموز ( يوليو ) 1920، وعادا في اليوم نفسه الى بلغاريا .

وهكذا فشلت محاولة جيورجي ديمتروف الأولى لزيارة الإتحاد السوفيتي ، لكنه واصل دراسته المعمقة لتجربة جمهورية العمال والفلاحين الرائدة واصبح داعية لنضالاتها ونجاحاتها . كما وشارك في جميع الحملات التي نظمها الحزب لإطلاع العمال البلغار على القضية السوفياتية ، وكانت خطاباته الحماسية ومقالاته تعبر عن عمق حبه وإحترامه لروسيا السوفياتية .

لقد عرًى الأبن البار للطبقة العاملة البلغارية ، سياسة الإمبريالية الغربية المعادية للسوفيت والبرجوازية البلغارية التي تبنت هذه السياسة وكانت مستعدة للمشاركة في “ حرب صليبية “ ضد البلشفية . وعرًى ديمتروف هذه المساعي المحمومة والمعادية للشعب ، وأكدً قائلا : ” إن العامل والفلاح البلغاري لم يطلق النار على العامل أو الفلاح الروسي ! انه سيعرف الى من سيوجه بندقيته . ” ( 1 )

وعلى اثر الخطاب الذي القاه ديمتروف في الإحتفال بالذكرى السنوية الثالثة لثورة اكتوبر الإشتراكية العظمى ، قامت السلطات بملاحقته ، بحجة التحريض ضد الحكومة في إحتفال غير مجاز سلفا . وإدعت كذلك ان ديمتروف حاول إغتيال احد موظفي الدولة ، لكنها لم تقدم على إعتقاله بسبب حصانته البرلمانية . وبسبب هذه الملاحقة ،يضطر ديمتروف الى الإختفاء وتغيير اماكن سكنه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ج. ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 6 ص 180


وعند إنتدابه ممثلا الى المؤتمر التأسيسي لمنظمة النقابات الثورية العالمية ( البروفنترن ) وكذلك الى المؤتمر الثالث للكومنترن ، اللذان كان مقررا إنعقادهما في روسيا السوفياتية في 29 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1920، غادر ديمتروف الى النمسا . ولدى وصوله الى فيينا ، علم بتأجيل موعد إنعقاد مؤتمر البروفنترن فمكث في المدينة بعض الوقت منتحلا إسما مستعارا هو كاراس ، وتسنى له حضور المؤتمر السابع للحزب الإشتراكي الإيطالي في ليغهورن بصفة شخصية وهناك إلتقى ب “ خرستو كاباكجيف “ الذي حضر المؤتمر كمندوب عن اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية . و وفي هذا المؤتمر وبعد صراعات مريرة ، إنفصل الجناح اليساري عن الإنتهازيين ليشكل الحزب الشيوعي للبروليتاريا الإيطالية .

وفي شباط ( فبراير )1921، غادر ديمتروف فيينا الى بتروغراد ( لينينغراد حاليا ) ومن هناك توجه الى موسكو ، حيث إلتقى بلينين ، وكان لهذا اللقاء أثره الكبير على مستقبله كثوري . ففي اللقاء تحدث ديمتروف عن النجاحات الكبيرة التي احرزها الحزب الشيوعي البلغاري والحركة الجماهيرية في بلغاريا . ولم ينسَ كيف كان لينين يصغي بإنتباه الى كلماته المتوهجة ، وكيف قاطعه لينين عندما اكدً إستعداد الحزب الشيوعي البلغاري للإستيلاء على السلطة ،قائلا له ا : ” نصيحتي لك ان لاتذهب بعيدا ، إن ذلك امر ضار جدا ، فلاتزال القوى الرجعية في بلغاريا قوية ، وانتم لستم مستعدون بما فيه الكفاية .” لقد كان لينين يدرك الحماس الذي اذكاه إنتصار ثورة اكتوبر وتعاظم رغبة الماركسيين المخلصين لقضية البروليتاريا لإستلهام تجربة العمال والفلاحين الروس ونقلها الى بلدانهم .لكن في خضم هذا الحماس لم يضع هؤلاء الثوريون نصب اعينهم الجانب الأكثر اهمية في التكتيكات الثورية : التقييم الواقعي لميزان القوى الطبقي والظروف الموضوعية . ولذا السبب نصح لينين الشيوعيين البلغار الا يحاولوا القفز فوق الواقع ، بل عليهم تركيز إنتباههم على تقوية حزبهم كطليعة ثورية ، وتنظيم الطبقة العاملة الفتية في بلغاريا ، وإقامة التحالف بين العمال والفلاحين . وتقبًل جيورجي ديمتروف هذه الأفكار بقناعة كبيرة . وعبرً لينين عن رضاه بنشاط الحزب الشيوعي البلغاري وبنجاحاته في نشر الفكر الماركسي ، ونصح الحزب بضرورة زيادة تأثيره في صفوف القوات المسلحة وتدريب كوادره بشكل دائم . وإختتم نصيحته للشيوعيين البلغار قائلا : ” إنها لمسألة مهمة في الوقت الحاضر هو أن تحترسوا من الحماس الزائد ، وان تعملوا بشكل واقعي وبصورة متواصلة كي تجعلوا إنتصار الثورة امرا مؤكدا في بلدكم . ” ( 1 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) إرشيفات الحزب المركزية ف. 1460 ، 1 ، 2 ، و 468 ص 5 ـ 6


لقد كان لهذه المقابلة مع لينين أثرها العميق على ديمتروف ، الذي إنطلق بعدها للعمل بقوة مضاعفة من اجل إنتصار الطبقة العاملة والثورة في بلغاريا ونشر الماركسية اللينينية ، ووحدة الطبقة العاملة في النضال ضد الهجوم الرأسمالي .

وكعضو في المجلس العالمي للبروفنترن ، تلى ديمتروف رسالة التحية الموجهة الى المؤتمر النقابي الرابع لعموم روسيا الذي عُقد في موسكو في السابع من ايار ( مايو ) 1921.وخلال الفترة من 22 حزيران ( ينيو ) وحتى 12 تموز ( يليو ) من السنة نفسها ، شارك ديمتروف مع كولاروف وكاباكجيف في اعمال المؤتمر الثالث للكومنتيرن ، وإطلع بنفسه على المباديء الأساسية لتكتيكات الجبهة الموحدة . وإستفاد ديمتروف من فترة وجوده في روسيا السوفياتية لدراسة تجربة الحركة النقابية السوفياتية ايضا . وفي عشية المؤتمر التأسيسي للبروفنترن ، نشر مقالته “ كيف يجب أن تكون النقابات الحمراء ؟ “ والتي عبرً فيها عن وجهة نظره القائلة بضرورة بقاء الأممية الشيوعية قائدا سياسيا في النضال من اجل ديكتاتورية البروليتاريا ،إما البروفنترن فعليه ان يصبح منظمة جماهيرية لا حزبية ، مفتوحة لأي عامل لديه الإستعداد للنضال ضد الراسمالية ، مع التأكيد على ضرورة الترابط العضوي بين المنظمتين العالميتين للبروليتاريا .
وفي المؤتمر التأسيسي للبروفنترن الذي عُقد في موسكو من 3 ـ 22 تموز ( يوليو ) 1921، أظهر ديمتروف نشاطا إستثنائيا وعبرً ثانية عن وجهة نظره التي تطالب بمشاركة الأممية النقابية في النضال من اجل ديكتاتورية البروليتاريا تحت القيادة الأيديولوجية والسياسية للكومنترن وقدًم شرحا لتكتيكات الحركة النقابية الثورية .

وأُنتخب ديمتروف عضوا في اللجنة المالية لإتحاد نقابات البلقان وعضوا في لجنة الدعاية وفي المجلس المركزي للنقابات العالمية الحمراء . وبرز في المؤتمر كواحد من المناضلين الكبار في حركة الطبقة العاملة العالمية و وكقائد نقابي ناجح ،لعب دورا فعالا في مناقشة القضايا البارزة .
ولدى عودته الى بلغاريا ، قدًم ديمتروف للعمال شرحا مفصلا عن بلاد السوفيت وعن تقدمها ونجاحاتها . وفي هذا الوقت اظهر محاولاته الأولى للبرهنة على ضرورة الجبهة العمالية الموحدة . وكتب ديمتروف مقالة لصحيفة “ رابوتنشيسكي فيستنك “ اشار فيها الى الترحاب الحار الذي لاقته فكرة هذه الجبهة لدى العمال الألمان اثنار تواجده في المانيا ، واوضح ديمتروف في كافة المواد التي نشرها بعد عودته الى بلغاريا الطريقة الجديدة لنضال البروليتاريا . كما أشار الى قدرة الاحزاب الشيوعية على صد الهجوم الرأسمالي واخذ زمام الامور بيدها ، عندما يكون لها تاثير اكبر في صفوف الشغيلة، ومن الممكن تحقيق الشعار الذي رفعه الكومنترن “ في وسط الجماهير “ رغم العراقيل التي يضعها قادة الاشتراكية الديمقراطية .

وفي إحدى الإجتماعات التي بادرت الى عقدها نقابة الخدمات المدنية في الرابع من كانون الأول ( ديسمبر ) 1921 ، القى ديمتروف خطابا مطولا وضحً فيه وبشكل تفصيلي مسألة الجبهة الموحدة وأكدً على ضرورة قيام الإتحاد العام لنقابات العمال بالسعي الى تحقيق وحدة العمل مع النقابات المحايدة ، وخاصة مع العمال الغير منظمين . وناشد المنظمات العمالية المحايدة للمشاركة في النضال والوقوف صفا واحدا مع الشيوعيين لاسيما وان إرتفاع اسعار الخبز وكذلك القوانين الرجعية ستؤثر على عمال الصناعة والخدمات الذين ينتمون الى الإتحاد النقابي الثوري ، وسيؤثر ايضا على من ينتمي الى النقابات الإصلاحية او المحايدة وعلى العمال الغير منظمين .

وفي الكونفرنس الثالث للإتحاد العام لنقابات العمال الذي عُقد في الحادي والعشرين من حزيران ( يونيو ) 1922 ، إقترح ديمتروف على النقابات الثورية البلغارية ان تتبع نموذج لجان المصانع في روسيا وتشرع بتشكيل لجان عمالية في المؤسسات ، تأخذ على عاتقها مهمة تمثيل العمال الصناعيين ، عمال الخدمات مع اصحاب العمل . إن هذه اللجان ستؤلف في الجوهر صيغة للجبهة البروليتارية الموحدة ،أنها ستُنتخب من قبل العمال في المصنع المعني ، بصرف انظر عن أنهم اعضاء نقابيين ام لا وان لا يُنظر لهذه اللجان كهياكل للإتحاد العام لنقابات العمال ، كما تقع على عاتق هذه اللجان مهمة تعزيز الصلات بين العمال المنظمين والغير منظمين بالطريقة التي تخدم نضالهم ضد الإستغلال الرأسمالي .

وكمندوب عن الإتحاد العام لنقابات العمال ، شارك ديمتروف في المؤتمر الثاني للبروفنترن الذي إنعقد في موسكو للفترة من 19 نوفمبر وحتى الثاني من ديسمبر 1922 . وفي الخطاب الذي قدمه الى المؤتمر ، إستعرض ديمتروف الحقائق والأرقام عن النجاحات التي حققتها الحركة النقابية العالمية تحت قيادة الأممية الشيوعية واكدً بأن هذه النجاحات تعود اساسا الى النضال الثابت ضد الإصلاحية . وتوقف في خطابه وقفة خاصة عن وضع النقابات في بلغاريا ودول البلقان . وأنتُخب ديمتروف عضوا في هيئة رئاسة المؤتمر ومن ثم عضوا في اللجنة التنفيذية للبروفنترن مما رفع من المكانة العالمية للإتحاد العام لنقابات عمال بلغاريا .
وفي هذا الوقت بالذات بدأت البرجوازية البلغارية بإستجماع قواها والتهيؤ لهجوم جديد للإطاحة بحكم إتحاد المزارعين البلغار وسحق الحزب الشيوعي البلغاري وراحت تعمل على إلقاء العبء الاقتصادي وضريبة المساهمة في الحرب على كاهل الجماهير ، واصبح القصر الملكي وكرا للقوى الرجعية ، وإنتظم الضباط الرجعيون في رابطة عسكرية فاشية “ منظمة الوفاق الوطني “ ودخلت الأحزاب البرجوازية القديمة في جبهة مع الحرس الأبيض الروسي في بلغاريا والقادة اليمينيين من الحزب الإشتراكي الديمقراطي ومنظمة مقدونيا الثورية التي عارض قادتها سياسة ستامبولسكي للتقارب مع يوغوسلافيا .

وإنبرى الحزب الشيوعي البلغاري ،الذي واصل تسلحه بالأيديولوجية اللينينية ، للتصدي لهذا الهجوم الرجعي . ولأول مرة يعترف ديمتروف بوجود إمكانيات ثورية لدى الفلاحين الفقراء للتحالف مع البروليتاريا . كما واصل الحزب مساعيه لإقامة منظمة عسكرية سرية خاصة به، وسعى جاهدا لإعادة تجميع القوى الطبقية في البلاد وإفشال المحاولة الإنقلابية الذي كانت على وشك الحدوث بمساعدة الحرس الأبيض لجيش البارون فرانجل الذي وجد في بلغاريا ملجأ له بعد هزيمته امام الجيش الأحمر .

كان ديمتروف من اوائل من كشفوا تحركات الرجعية ودعى الشعب البلغاري الى النهوض للدفاع عن حقوقه وحرياته . ففي الإجتماع الذي عُقد في الحادي والثلاثين من آذار ( مارس ) 1922 ، في ساحة “ سفيتا نيديلايا “( ساحة لينين حاليا ) ، القى ديمتروف خطابا هاما فضح فيه الرجعية البلغارية والحرس الأبيض كمتآمرين ضد الشعوب السوفيتية والبلغارية واكدً ان هدف المتآمرين إقامة ديكتاتورية عسكرية في بلغاريا وتوريط الشعب البلغارية في حرب ضد اخيه الشعب الروسي . ووسط عاصفة من التصفيق اعلن ديمتروف ان العمال والفلاحين البلغار لن يطلقوا النار على اخوانهم الروس وطالب الحكومة بطرد جيش فرانجل ، وإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية مع روسيا السوفيتية .

وفي المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي البلغاري عام 1922 ، خطب عدد من قادة الطبقة العاملة العالمية البارزين الذي حضروا المؤتمر كمندوبين عن احزابهم ومن بينهم فيلهلم بيك . كما وتحدث جيورجي ديمتروف ايضا وعرى مرة اخرى الرجعية في بلغاريا ودول البلقان مؤكدا :” ان شعوب البلقان لن تسمح بحروب جديدة ، وان قضية روسيا السوفيتية هي قضية البشرية جمعاء . لا للحرب ونعم للسلام والتحالف الأخوي مع جمهورية العمال والفلاحين الروسية . ” ( 1 )

لقد كان للمساعدة التي قدمها الحزب الى حكومة المزارعين اهمية بالغة في الكشف عن المتآمرين. والرغم من تأكيد قيادة الحزب بأن التعاون بين الحزب وحكومة المزارعين هو اقرب من كونه فنيا منه سياسيا ،إلا أن وحدة العمل بين الشيوعيين والمزارعين قد تحققت فعلا ، وساعدت على عرقلة الهجوم الرأسمالي ، وكان ذلك خطوة كبيرة في تطور الحزب الشيوعي البلغاري . وكانت الموضوعات التي أقرًها المؤتمر الثالث للكومنترن عام 1921 تتضمن فقرات هامة حول إقامة الجبهة البروليتارية الموحدة ، وإرساء وحدة العمل بين الشيوعيين وممثلي المنظمات السياسية الأخرى للعمال ، وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها التعاون بين الحزب الشيوعي البلغاري ومنظمة سياسية جماهيرية للفلاحين .

كان ديمتروف من القادة الأوائل في الحزب الذين بشًروا بالتصور القائل بأن الشغيلة في بلغاريا يجب ان تلتف حول شعار ( من اجل حكومة عمالية ــ فلاحية ) ، الشعار الذي رفعه الكومنترن والحزب . كما وافاض ديمتروف في مقالته في توضيح الحاجة الى جبهة موحدة بين العمال والفلاحين ، مؤكدا بأن حكومة العمال والفلاحين لا تعني حكومة يرأسها الشيوعيون ، ولا تعني إقامة نظام سوفياتي في بلغاريا . إن حكومة العمال والفلاحين تستند الى العمال والفلاحين وترعى مصالحهم .

لقد جسًد ديمتروف خلال مناقشاته المقنعة فكرة الحزب ورأي الكومنترن، بأن نمو خطر الفاشية في بلغاريا يرتبط بصورة وثيقة بالهجوم الرأسمالي ،واكًد بان الفاشية التي نشأت وترعرعت في التربة الإيطالية اولا ، إتخذت طابعا عالميا مشابها لطابع الهجوم الرأسمالي نفسه ، والفاشية هي آخر الوسائل التي تلجأ اليها في صراعها ضد البروليتاريا وتأمين سيطرتها الطبقية . ودعا ديمتروف الى المقاومة الفعالة على اساس الوحدة بين قوى الشعب التقدمية والديمقراطية ، رغم الموقف الخياني والإنهزامي لقادة الإصلاحية الذين يتزلفون للبرجوازية .

لقد شكًلت هذه الطروحات المحاولات الأولى لديمتروف في الصياغة النظرية لتكتيكات الجبهة الموحدة ، لكن هناك ثغرة كبيرة في تصوراته يضطر ان يتلافاها لاحقا عندما يعود ثانية الى الموضوع نفسه .إن مواطن ضعف الحزب التي حالت دون قيام الوحدة المناهضة للفاشية في تلك الأيام ، لم تكن خافية عن ديمتروف ، لأن الحزب الشيوعي البلغاري لم يكن أنذاك قد تشرًب بشكل كامل بالمفاهيم اللينينة حول هذه المسألة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ج. ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 26 ص 235