الرئيسية » الآداب » مشاهدات رائد مزمن لشارع المتنبي في بغداد المتنبي

مشاهدات رائد مزمن لشارع المتنبي في بغداد المتنبي


نبكي، أم نصرخُ بأعلى الحرفْ
أم نصمدُ حتى آخر قطرةِ حرفْ ؟

فمياهُ النهرِ الأزرق من أيام هولاكو
تتدفقُ في الشارع زرقاءَ بلون الحبرِ
وحمراءَ بلون الدمْ

هذا الشارعُ يجمعُ عينيَ
وعينيكَ
وعيونَ القلمِ
ونزيفَ الحرفْ

هولاكو
يزحفُ مصعوقاً منْ مكمنهِ
فالمكتبةُ العامرةُ هناكَ
تبحرُ في آفاقِ الحرفْ :

صُـبُّوا الزيتَ على الحرفْ !
فُكُّـوا أغلالَ الصدرِ المشحونِ
بمحيطِ الأصفرِ واستلوا سيفَ النارِ المحرقةِ
كلَّ بيوتِ الحرفْ!
هذا عقلُ القادمِ من قرصِ الشمسِ يسيلُ
شعاعاً وهاجاً
كي يطفئ ظلمةَ هذا الكونِ
ويملأ هذي السفنَ المبحرِةَ
في ألوانِ الطيفْ…

هذا الشارعُ جسرٌ
بين الرأس المفتوح على البحرِ
وبين السفنِ العابرة
قاراتِ الحرفْ

الخيلُ المُسرجةُ
في ظلماءِ الأروقةِ السريةِ
ترفعُ أسنانَ سنابكها
لتدوسَ العينينِ وتغلقَ بابَ الأذنينِ

الظلمة لونُ الريح الصفراءِ
تصدُّ القنديلَ العالقَ
في رأس الرأسْ

ثمة أصواتٌ ترتفعُ
من بين مزامير كهوفِ الغيلانْ
تغرزُ سكينَ القلبِ المغموسِ
بسنان الحقدِ وريح الشيطانْ
تغرزها
في شجرةِ منْ يغفو ملءَ الجفن
عن شاردِها
ليتوجَ أهدابَ الحرفِ
ملكاً في بستانِ العشقْ

ثمة أصواتٌ سوداءْ
تصطادُ صهيلَ الكلماتْ
بحزامِ من حقدٍ نافثْ …

لو أنَّ حروفَ الكتبِ المشرقةِ تموتُ
لماتَ المتنبي
منذ زمان تتار قرونِ الأحقادِ القاتلةِ
ومغول العصرْ

يومَ ارتفعتْ أقداحُ العقلِ
باناملنا
نخبَ ديوجينوسَ وضوء القنديلْ
كي نخطو خطوتنا الأولى صوبَ حروفِ الأكوانْ ،
ويومَ استفتحنا مائدةَ علي جواد الطاهر ومهدي المخزومي
وداود سلوم وابراهيم السامرائي وأحمد مطلوب
وحسين علي محفوظ وعبد الجبار المطلبي و…و…
كان الشارعُ في استقبال الأقدامِ
والأعينِ وصدورِ الأحلامِ
يفتحُ نوافذهُ والأبوابْ
في وجهِ الشمس الكونيةِ

مااسطاع رجالُ هولاكو وجنكيز خان
وسيوفُ الغزو وحرق الكتبِ
وأبناءُ ظلام الغاباتِ
وأولادُ الطرقاتِ
أن توقفَ شارعنا الغالي عن رحلتهِ
في أوقيانوس العالم
وآلام برومثيوس ْ

ذاتِ زمانٍ في لحظةِ احراق الصدرِ
بأنين الحرفْ
أوقدَ ابو حيان التوحيدي النارَ
في رأسهْ
لكنَّ نجومَ أناملهِ بقيتُ
في حالةِ اشراقِ دائم
تبحرُ في ساحاتِ شوارعنا
حتى اليوم…

ومغولُ الأركان الداجيةِ
لا تقدرُ أن تحرقَ فهرستَ الشمسِ
وعيونَ الحرفْ .

هذا الشارعُ مجبولٌ
منذ الأيامِ الأولى للحرفْ
أن يحملَ دفترهُ تاريخاً وسجلاً
وسطَ النار السريةِ
والتفخيخ العلنيِ وسيفِ المنعْ،
فهو الضدُّ القائمُ
الدائمُ
لتاريخِ الموتْ


* كُتِبَت القصيدة بتاريخ الثلاثاء 6 آذار 2007 ، بعد التفجير الارهابي الذي حدث فيه بسيارة مفخخة يوم الاثنين الخامس من آذار 2007. وقد أدى الى احتراق المكتبات العريقة فيه، والى مقتل وجرح أكثر من 68 من اصحابها ومرتاديها بحيث تفحمت جثث الكثير منهم.

عبد الستار نورعلي
الأحد 30/9/ 2012