الرئيسية » مقالات » فلتواصلي الحديث يا شهرزاد

فلتواصلي الحديث يا شهرزاد

سكتت عن مباح الكلام، وما زالت الحكاية في توهجها البديع، قلّبت أوراقها، وفتّشت سطور غوايتها، لم تعثر إلا على غيمٍ تراءى من بعيد شبحا لذكريات مجنونة، لم تكمل إعداد الطقوس المقدسة، وتلفعت بالغياب، وسبحت في متاهات المسافات بلا حد، لم يحلو لها إلا وصفي بأنني “شيطان وكاذب ومدعٍ وملفق لأشياء لم تكن”، لم تلتفت إلى الوراء، حيث شهريار القابع على سريره مهموما مجروحا يعاني من سقيم الأوجاع، أوجاع الروح المتعبة.
فلتواصلي شهرزاد الحلم والرؤى حكاية الروح للروح، ولتتعمدي بماء شهريار ولتتطهري بمياه نهره المسكوب في ليل الحكايات شعاعا من نور، لا تحجبي الزمان برقدة تنام بها العيون والقلوب والأرواح، فشهريارك لم يعد يعرف النوم ولا يريده، “جفاه مرقده وبكاه ورحم عوده”، ليكون معك دائما مستمعا لحلو الأحاديث، مشتعلا بالوجد والغرام، نسي جبروته وديكتاتوريته، واستسلم راضيا مرضيا لقوة الأنثى الناعمة التي تسلبه كلّ قواه الماديّة المعترف بها في دنيا الرعية والأنام، الكلّ يرتجف من سطوته، ولا يرتجف من أحد سوى من شهرزاده التي إن غابت نشرت الروح في دنيا الجنون.
صمتت شهرزاد، ولعلها تختبر صبر شهريار، لعلها تريد له أن يكون أكثر منطقيّة وواقعيّة، تريد أن يكون أكثر عقلانيّة، تريد له أن يكون أصفى قلبا وروحا، وليس شيطانا رجيما، لا تريد له أن يستسلم للغواية من بوحها الأول، تريد له أن يتصرّف إنسانا سويّا غير ضعيف أو متمرد جبّار، تريد له أن يكون إنسانا حكيما غير مسجون في أليم الماضي الذي ينز وجعا كلما تذكر شهرزاد وحكايتها الألف التي أغوته بالمتابعة.
صمت القلب يا شهرزاد إذ تصمتين، ورحل الديك، فلا يصيح ولا ينبّه أحدا بعد الآن، فالفجر لن يطلع وقد صمتت الروح، وبدلت السفن وجهتها إلى أفق مسدود بالألم، رحل الديك يا شهرزاد ولكنه لم يمت، فتعاليْ حتى يصدح بالكلام في الليلة الثالثة بعد الألف، فالكتاب ما زال مفتوحا ينتظر بهجتك وجميل بوحك.
فيا لله كم نشقى بحبٍ
صداه الريح والذكرى العجيبةْ

نموت بشوقنا والجرح يحيا
يفتش في المساءات المُريبةْ

علت في الروح أشواقٌ وشوكٌ
تجرّح أنفساً نارٌ رهيبةْ

فكفّي عن جنونك شهرزادي
فأنت لعقله أبدا قريبةْ

فدتك الروح يا ذكرايَ إني
أنا المشنوق في مسد المصيبةْ

فكيف تضيع غانيتي إلهي
فأين الصبرُ، والبلوى مُجيبةْ؟

1-10-2012