الرئيسية » مقالات » رابطة المرأة العراقية مصنع المعجزات

رابطة المرأة العراقية مصنع المعجزات

حين كنا شبابا قيل لنا، لمواساتنا، عندما نساق الى الخدمة الالزامية، ان الجيش “مصنع الرجال”! عندما كنا نعتقل، او نسجن سياسيا، كان يقال لنا، لرفع معنوياتنا، وشد ازرنا، وتقوية عزمنا، ان الاعتقال “مصنع الرجال”! او السجن “مفخرة الرجال”! متناسين، ان المصنع الاول، كان رحم الام، وان المدرسة الاولى، التي “صنعت” كل الرجال كان حضن الام. ناسين، او متناسين، ان “الرجولة” بمعنى الشجاعة، والبطولة، والاصرار، والاخلاص، والوفاء، والاقدام، والتحمل، والثبات على العهد ليست حكرا على الرجل دون المراة. وان السجون، والمعتقلات، وغرف التعذيب، وساحات الاعدام، والمقابر الجماعية، والمحارق الكيمياوية، فيها سجل طويل جدا من اسماء النساء. تاريخ العراق النضالي الحديث منذ ثورة العشرين، قبلها، وحتى اليوم، يثبت ان المرأة العراقية كانت الى جانب الرجل، وفي احيان كثيرة، في مقدمة المظاهرات، والاعتصامات، والوثبات، والانتفاضات حتى الكفاح المسلح ضد النظام الصدامي الفاشي.
في الورشة التي اقامتها “رابطة المرأة العراقية” في الفترة 19 حتى 24 ايلول 2012 بدعم، وتنظيم، وتمويل لجنة التضامن السويدية العراقية(سيسك) لتدريب بعض الكوادر النسائية من ناشطات رابطة المرأة العراقية لاستغلال اجهزة الاعلام المختلفة لايصال رسالة النضال، والدفاع عن حقوق الطفل، وضد العنف الاسري، والتعريف، ونشر النشاطات الخاصة بهذه الفعاليات. تضمنت الدورة، ايضا، محاضرات من مختصين بنفسية الطفل، والمرأة المعنفيين، وسبل تجاوز هذا السلوك المشين، ومقاومته، وكيفية فهم، ومساعدة الاطفال، الذين يتعرضون للعنف بمختلف اشكاله، ويعانون بالتالي من مشاكل، وعقد، وامراض نفسية تؤثر على حياتهم، ونشاطهم اليومي، والمدرسي، والمعرفي، وعلاقاتهم مع المحيط، وتاثير كل ذلك على العائلة، والمجتمع.
في المراجعة، والتقارير التي قدمت عن نتائج الورشة السابقة، وفي استعراض الخطط الطموحة للفترة القادمة، والتزامات المشاركات، تجلى المعدن الحقيقي للمرأة العراقية. وبشكل خاص مناضلات رابطة المرأة العراقية، ذات الارث النضالي الطويل، وهن ينفضن عن كاهلهن كل اعباء، واوزار، ومعوقات التقاليد المتخلفة، والعادات المتحجرة، وينطلقن في عالم معاصر مستخدمات ابسط وسائل النضال: الكلمة المسموعة، حتى استخدام ارقى واحدث وسائل التوعية، والتواصل، والتحشيد الاجتماعي مثل الفيس بوك.
21 امراة من مختلف الاعمار، والاديان، والقوميات، والمستويات المجتمعية، والدراسية. بخلفيات مختلفة، وقابليات ثقافية، ومهنية متباينة، وتجارب متفرعة، ومتعددة. شابات، ومسنات، سافرات، ومحجبات، من الضواحي، ومراكز المدن، انصهرن في بوتقة واحدة من النقاش، والملاحظات، والنقد، وعرض التجارب، والدراسة، واستعراض المعوقات، والمقترحات لتخطي كل المعوقات. صخرة صلدة من الاصرار. نار حامية من الحماسة، والتاكيد على مواصلة الطريق. ثقة عالية بالنفس لا يرقي اليها اكثر المتفرغين للعمل المهني، والديمقراطي، والسياسي. نماذج توحي لك بان ملكة زنوبيا، وملكة سبأ، وكل الهات بابل، واشور، واكد، كن هناك يدافعن عن حصن المراة، ويصن معقل العائلة، ويحمين براءة الطفولة بكل جوارحهن.
مجندات مدربات يقتحمن الصعاب رغم الاهوال والظروف الصعبة، التي تحيط بنشاطهن. يجمعن بين العمل اليومي، والالتزام العائلي، والاهتمام الفكري، والسياسي، والانشغال الكامل في قضايا المرأة والطفولة، دون الانعزال، والتقوقع، او الانغلاق في دائرة واحدة. ففي حين تنشغل الفضائيات، والصحف الكبيرة ببرامج تافهة عن “النواعم والمطابخ والتبضع” وتحويل النساء الى دمى بشرية بايدي الرجال يتجه جيش المجندات المجهولات للمشاركة في كل هم، وشأن محلي، ووطني، وقومي، واممي. يقمن دروسا لمحو الامية، وندوات للتوعية الصحية والاجتماعية، ومحاضرات عن حقوق المراة والطفل. مبادرات لتنظيف الشوارع، ومحلات السكن، الى حملات متطورة لحماية البيئة. يؤسسن مكتبات الاطفال لتكون نواتا للتنوير، والتعليم، والتربية، ومراكز توعية لكل العائلة، والمجتمع، بل حتى دور رعاية، وعلاج اجتماعية، وصحية. محطة لقاء، واهتمام بالنساء، والاطفال، والاباء. حيث تتفتح العيون، والاذهن عن مصادر جديدة، ومتعددة للثقافة، والاطلاع على حقوق، وواجبات، ومهمات متبادلة للفرد، والمجتمع.
تقصير السلطات، عجز القوانين اجحاف القيم البالية، تخلف الوسائل، ضعف الامكانيات، صعوبة التنقل، والاتصال، المحاربة والمحصرة، ووضع العراقيل امام نشاطهن، والاهدار الكامل لحقوق الانسان من حرمانه من ابسط الخدمات حتى سرقة اصواته الانتخابية. كل ذلك لم يثنهن عن نقل الاطفال وعوائلهم من شوارع الذبح الارهابي، والهوان اليومي الذي يعيشونه الى احضان الطبيعة، والمتنزهات، والمكتبات. يخرجون اطفال المدارس من حجراتهم الضيقة، وصفوفهم البائسة، ومدارسهم البدائية، وبيوتهم المهدمة، واجواء التلقي، والاملاء السلبيان، الى اماكن، وفضاءات، واجواء، وشخصيات يتعلمون فيها، ومنها المشاركة النشطة، والابداع الفني، والرسم البرئ، والمشاركة الجماعية الرائعة. ينقلوهم من روح المشاكسة، والمعاكسة، ومخاطر الشوارع، ومهن المتاجرة بالبشر، الى احضان، ونفوس، ونشاطات، وامكانيات تصقل مواهبهم، وتنمي قابلياتهم ليعيشوا عالم الطفولة الجميلة، الذي يروه في الافلام، وبدؤا يقرأوه في كتب، وكراريس، ونشرات المكتبات، التي فتحت لهم لتخلق الطفل المسرحي، والموسيقي، والرسام، والنحات، والقصاص، وهو ينطلق في فضاءات جديدة لم يسمع بها، ولم يتلمسها الا في انشطة الرابطة.
الاعتزاز، والفخر، والثقة العالية بالنفس، والرغبة الصادقة في تقديم ما فوق الطاقات هو ما ميز تلك الايام. وكانهن اردن ان يثبتن النظرية العلمية عن تفوق المرأة الذهني، او تاكيد الحقيقة المعروفة ان المرأة، بعكس الرجل، بامكانها ان تقوم بكثير من الافعال في نفس الوقت، وبنجاح كامل. الصديقات، والاصدقاء من السويد اتسعت حدقات عيونهم، تعجبا واعجابا، وازدادت قلوبهم حنانا ورقة، وتفتحت اذهانهم على صور، ونماذج جديدة، ومتجددة. تيقنوا بالكامل، ان جهودهم، ومساعيهم، واموالهم، وتبرعاتهم، ومحاضراتهم، وارشاداتهم، واوقاتهم لم تذهب سدى. انها مجسدة على ارض الواقع، وبصور لم تتحقق في اكثر المجتمعات استقرار، وامنا، وتطورا، وخبرة. بالتواضع المعروف عن السويديين باركوا هذا الصرح العتيد من النجاحات، وشكروا الرابطيات. بدل تلقي الشكر لدعمهم، وتحمل عناء، ومشقات السفر في طريق، والى بلد محفوف بالمخاطر. علقت احدى المحاضرات من السويد، وعيونها تدمع اعتزازا، وغبطة:” انهن ليس فقط رابطيات، ليس فقط ناشطات نسائيات، او امينات مكتبات، انهن سوبرمانات”.
والان، باعتقادي، آن الاوان للقول، ان رابطة المراة العراقية مصنع الامال. مع الاحترام، والتقدير لجهود كل المنظمات النسائية في العراق، التي تعمل في ظروف، واشكال، ومنطلقات، وامكانيات مختلفة.
شكرا لجنة التضامن العراقية السويدية “سيسك” لهذا الجهد الرائع، ومحفل الانجازات الضخمة! 

29/9/2012