الرئيسية » مقالات » كركوك في القاهرة .. غير شكل

كركوك في القاهرة .. غير شكل

لم أزر كركوك غير مرة واحدة بحياتي. كان ذلك في العام 1974. وقد دعاني الى هناك معلم تركماني من أهلها يوم كنا زملاء مهنة. كانت رحلة من اجمل الرحلات. الأجمل في كركوك لم يكن البناء والأسواق والطرقات ولا حتى القلعة التي قيل لي انها كانت لليهود بل ناسها. كانوا يمشون كما الموجات الملونة. مجموعات اثنية ودينية ومذهبية من كل اطياف العراق يتحدثون بلغات ولهجات متنوعة. ولو أنصتَّ لهم عن قرب ستكتشف مثلي ان أصواتهم تصدر عن قلوبهم وليس عن حناجرهم او شفاههم.
بعد تلك الرحلة لم ار كركوك بل اسمع عنها فقط. تغير اسمها فصار “التأميم” بقرار فاشي مثلما تغيرت أسماء مدن ومحافظات كثيرة لغايات مدروسة. ثم خضعت المدينة للتعريب القسري مثلما خضعت مدينة الثورة لـ “التبعيث” وتغير اسمها الى “مدينة صدام”. يا الهي كم اكره تغيير اسماء المدن والشوارع.
واستمرت عمليات غزو كركوك بمجاميع بشرية تمنح فيه سلطة صدام 15 الف دينار وقطعة ارض او سكن لمن يشارك في الغزو. ومن عام الى عام تغيرت كركوك المسالمة شكلا ومضمونا حتى صارت معضلة. اتابع أخبارها في الصحافة والفضائيات فلا اسمع او أرى غير الدمار والخراب والتفجيرات. ومن مدينة للذهب الأسود صارت حاضنة للحقد الأسود. وظلت هذه الصورة السوداء عن كركوك في خاطري الى أن شاهدتها مختلفة ليلة الخميس الفائت. لا بالعراق بل هنا في دار الأوبرا بالقاهرة. كنت قبلها بيومين في ضيافة سفير العراق لدى مصر نزار الخير الله الذي وجه لي دعوة كريمة لحضور حفل ستقيمه فرقة “علي مردان” للمقام العراقي القادمة من كركوك.
ابتدأ الحفل مغن عربي يرافقه موسيقيون عرب وتركمان وكرد. فتبعه الشاب التركماني أحمد نجيب الذي كان نجم تلك الليلة بلا منازع. غنى بعده الكردي أغاني جبلية لكني شعرتها تنقلني في مشحوف وسط الهور وكأنه يغني محمداوي. عادت صورة كركوك في مخيلتي كما رأيتها في رحلتي اليتيمة. كركوك التي في عيون اهلها وليست التي في عيون سياسيي اليوم. انتهى الحفل فبكيت. عاتبت نفسي لماذا تبكي يا هذا وانت الطائر بالهواء من الفرح؟ ثم عاتبت الله الذي منحننا عينا تدمع رغما عنا حين يمر اسم الوطن، وشفاها تقبل ترابه حين نطأ أرضه. عاتبته لأنه جعلنا، شماتة ومحط سخرية للمالكي الذي افتخر، في لقائه ليلة الجمعة مع قناة العراقية، بانه لم يذرف دمعة ولم يقبل ارض العراق يوم دخله بعد أن أزاح الأمريكان صدام.
استيقظت صباح أمس وأصوات الفرقة الكركولية تلفني بالسعادة مستحضرا صورة أعضائها المتآخين فيما بينهم وكأنهم أبناء ام واحدة لا مدينة واحدة. ولم تنغص سعادتي غير فضائية اظهرت احدهم يتحدث عن كركوك ووجهه يقطر سما وكأنه يبشر بحرب بسوس أخرى. بدا لي وكأنه يتحدث من شاربيه لا من حنجرته.
أليس فينا من يعلم هؤلاء ان يخرجوا كلامهم ، ولو مرة واحدة، من قلوبهم مثلما كان يفعل أعضاء فرقة علي مردان حين يغنون ويعزفون؟