الرئيسية » الآداب » مذكرات طالب من كوردستان – الحلقة الثالثة

مذكرات طالب من كوردستان – الحلقة الثالثة















من الادب الكردي

مذكرات طالب من كوردستان


******************
(4)



كان الوقت ظهراً يوم الخميس 1942 حينما همس خالي في أذني قائلاً، سلآخذك يوم السبت إلى طبابة المعارف وسآخذ لك صوراً شمسية تمهيداً لإدخالك في المدرسة؟؟!
يوم السبت إنه جد قريب لم يبقَ بيني وبينهُ إلا يوم واحد وبضع ساعات عليّ الأن أن أخرج وإن كان الوقت ظهيرة قائضة فأزف هذه البشرى إلى أعدائي من الصبية مفتخراً عليهم، مستهزءاً ببقائهم جهلاء في الطرقات كما يقول خالي: إنني أتخطى فناء الدار بقدمي الحافيتين اللتين تكويهما الأرض الملتهبة، وأسير عبر الطرقات محملقاً في وجوه الناس. هاهو (نجم) الذي قال لي قبل يومين أن أباه قد أخبره بإنه من المستحيل أن تقبل المدرسة، أعمى مثلي طالباً في صفوفها. إذن فلا صفعة ولا تغني بما سكبه خالي في أذني من بشرى سارة صفعته فعلاً ولكن لم أكد لأنتقل عنه الى عدو آخر حتى شعرت بيد ثقيلة تقبض على رقبتي تضربني أرضاً … وتمكنت أن أعرف من صوته المحموم إنه (داود) الأخ الكبير لنجم ولم يدعني ملقياً على الأرض بل إنهال عليَّ يركلني ركلاً لم ينته إلا بعد أن سمعت صوت خالي الصغير به تمهيداً للأشتباك معه. وهكذا فقد نشبت خصومة كبيرة تمكنت أن أقف على نتائجها بعد ساعة وهي نتائج أسفرت عن أخذ (داود) إلى المستشفى وإيداع (خالي) في مركز باب الشيخ.
لقد كنت أظن هذا اليوم حديقة أتعلل فيها بثمار حلمي الذي سيزهر يوم السبت أماني دانية، وجاءت المقادير مكذبة لهذا الظن فإذا أنا فريسة لضربات قاسية، وإذا بخالي الصغير رهين توقيف مظلم … يبدوا أن هناك يداً خفية تهدم سعادتي فما أقبح بها من يد. ومن ثم فأن هذا الشغب لم يؤثر على الوعد المعسول الذي قطعه لي خالي فها هي أمي رغم تبرمها بي لما سببته لأخيها الصغير تستعد لأعداد ملابس لائقة بي وأنا أذهب إلى مستوصف المعارف. وقد كانت هذه الملابس تتكون من بنطلون عتيق كان قد جلبه ابي من بيت (الباشا) الذي يشتغل عنده ولما كان البنطلون كبيراً عليّ، إنهمكت في قصه والأضافة عليه حتى إستوى بعد ساعات كيساً مشوهاً نزلت فيه فظهرت وكأنني أتوزر بقطعة القماش الفضفاض. أما القميص الذي لبسته على هذا البنطلون فإنه لم يتعدى دشداشتي التي سأمها جسمي وسأمته هي، ومهما ستمر عليّ من أيام حلوة أو مرة فأنني لن أنسى لبسي ذلك البنطلون مرات عدة قبل صبيحة يوم السبت الموعود، بحيث أجبرت بذلك أمي على أن تصب عليّ ضربات مؤلمة لم أأبه بها لأنشغالي بموعدي ذاك. أن الأنسان إذا ما كانت له آمال فإن الأشواك الجارحة لن تعوقه عن السير. هذه الحقيقة آمن بها قلبي الصغير. أشحت بأذني عما جرى لي في يوم الخميس ويوم الجمعة. أن لي يوم السبت وليتخاصم معي من شاء. إن المدرسة تنتظرني بعد يوم السبت فليضربني من يريد.
وها هي شمس يوم السبت التي أنتظرها ترسل أشعتها نقية حمراء كأنها شفة حنون تقول لي: ها أنا خالقة يوم السبت فأسجد لي، ثم أنطلق مع خالك إلى حيث الأجراءات الخاصة بقبولك في المكتب (انا لا أسجد لأحد) أيتها الأشعة النقية الحمراء قبل أن أعود من الرحلة الأولى الى المدرسة… نعم لأنني أشك في موعد خالي,هذه الشك الذي زرعته دوحه كبيره لأقاويل سمعتها مرارا من أبي وأمي وصبية حارتنا أقاويل كانت تنصب في كتابي حمماً تصرخ، ليس من المعقول أن يقبل الأعمى تلميذاً في المدرسة. كيف سيقرأ؟ كيف سيكتب؟ وفي أي عمل سيشتغل؟ أنني شقي بهذه الهواجس التي تحرقني لولا أنني في فجر يوم السبت ولم يبقى بيني وبين موعدي إلا سويعات ستذوب عما قريب فإذا، أنا أقف أمام الطبيب لأستلم منه دونما معارضة شهادة الجدارة البدنية.
خالي العزيز ها أنا ذا قد أتيت إلى المخزن. كما قلت لي وقبل أن تتلقى أذني إستغرابه المنتظر أضفت قائلاً: “إن خالتي قد عبرتني الشارع” فقد كان خالي يشتغل في مخزن في (شارع الرشيد) ذلك الشارع المزدحم الذي كنت أعتبر عبوري له دليلاً قوياً على جدارتي البدنية.
أنا أسير ويدي بيد خالي فمستوصف المعارف قريب من مخزنه…ها أنا ذا أجلس على المصطبة مع الجالسين الذين كانوا صبية تقل أعمارهم عن عمري، والذين كانوا مبصرين حقيقين كما لمست ذلك في تنقلاتهم وحركاتهم الطليقة كطلاقة الهواء.
مضى وقت غير قصير على إنتظارنا وفجأة سحبني خالي من يدي هامساً في أذني: كن حذراً وقف في أعتدال أمام المضمد الذي سيلقحك بالجدري والتيفوئيد. وهنا جمعت كل قواي كأنني أستعد لمعركة، وتقدمت في خطوات ثابتة إلى المضمد الذي دون أسمي وعمري، ثم لقح يدي اليمنى واليسرى وناول خالي ورقتين كاد قلبي يهزج لهما لولا قول خالي: بقى أن آخذك إلى غرفة الدكتور الذي سيفحص جسمك!! إذن فإن هناك عائقاً كبيراً أمامي وقد يكون هذا العائق السهم القاتل، ودخلنا على الدكتور الذي لم يفحصني كما كنت أأمل بل ألتفت بعد لحظات من الصمت إلى خالي وهو يقول: أن بصره لا يعينه على أن يقبل طالباً لأن الدراسة قد تسلبه هذه النافذة من النور… دعوه يستريح، ولا حاجة به إلى المدرسة. وعبثأ حاول خالي أن يقنعه راجياً منه بالحاح فهو يقول أنا لا أتحمل مسؤولية بأعطائه شهادة الجدارة البدنية. وهكذا أنسحب خالي من الغرفة وهو يسحبني في صمت قاتل كان كالصاعقة التي جاءت لتهدم خراباً… خراب آمالي التي كانت تحاول أن تفلت من هذه الحقيقة المرة التي سمعتها مراراً من أفواه كثيرين، سرنا وسرنا أن الطريق قد طال بين المستوصف ومخزنه أما كان قصيراً هذا الطريق قبل أسمع ذلك الكلام من الدكتور؟ نعم لقد كان قصيراً وضئيلاً وقد يكون الطريق هو هو في طوله وأني إذا لم أشعر بذلك فلأنني كنت محلقاً بأجنحة آمالي لا سائراً على قدمي. ومهما يكن فقد وصلنا المخزن وأوقفني خالي على بابه قائلاً لي: سأعود بعد لحظات لا تذهب. ماذا يريد مني؟ لم لا يدعني أذهب إلى البيت؟ لعله يريد أن يشكو هذا الدكتور الى فيأذهب؟ وعلى حين غرة قطع خالي هذا التساؤل عليّ وهو يأخذ يدي قائلاً لتذهب المدارس الحكومية إلى الجحيم… سأسجلك في مدرسة أهلية أعطيهم أجوراً يسد فمهم فلا يطالبونك بالجدارة البدنية. ثم أضاف قائلاً: إن هذه المدرسة هي المدرسة (الهاشمية الأهلية) وأن مديرها هو صديقي. لم أجبه على كلامه هذا ولم يبتسم قلبي لبشراه هذه ألم يؤكد لي بأنني سأقبل حتماً في مدرسة باب الشيخ الرسمية، إنه يريد أن يواسيني قلبي لا غير فالأنسان الأعمى هو أعمى أنىّ ذهب وحيثما توجه، أوه ستنبت في وجهه عينان عندما إجتاز عتبة مدرسة الهاشمية الإبتدائية؟ كلا ثم ألف كلا.
المهم إنه يسحبني سحباً، والأهم من ذاك هو أننا قد وصلنا بناية الهاشمية…صعدنا السلم الذي أفضى بنا إلى غرفة تمكنت أن ألمح فيها معتمداً على صوت أجش مجلس المدير الذي دخل مع خالي في نقاش كان مزيجا من الأحاديث التي سمعتها من الناس ومن خالي هذا الذي يحارب الطبيعة القاسية أملاً أن يحطم قانونها الجائر. التفت المدير نحوي وهو يسألني أوه تستطيع أن تقرأ صورة الحمد؟ فأجبته بتلاوتي إياها, حسناً سنقبله عندنا على أن يضع في صف تمهيدي ولما حاول خالي أن يعارضه رافضاً هذا الصف بدعوى أنني كبير العمر قال له المدير شبه غاضب : أن الطفل عاجز عن القراءة وأنني إذا قبلته في الصف إنما أردت من ذلك أن إنتشله من البقاء في البيت. ولأمر ما لم يستمر خالي على معارضته. بل نقده القسط الأول من الأجور وقد كان ديناراً واحداً، ثم خرجنا بعد أن أخذنا منه موعد الدوام وهو يوم السبت القادم. بلغ النهار الثانية عشرة ظهراً… لقد كانت تلك الساعات ثقيلة أمطرتني بأحداث جسيمة كادت تعين أعدائي. وأذني على الشماتة بي، لولا هذا الوصل الصغير الذي استلمته من المدير أعترافاً منه بأنني طالب في مدرسته، وقد حاول عقلي وأنا أسير نحو البيت أن يدرك الفرق بين هذا الوصل وبين شهادة الجدارة البدنية ولكنه لم يفلح إنهما سيان قبولي في مدرسة باب الشيخ الرسمية فأنا أسمي في كلتا الحالتين طالب يقرأ وقد أرتدي ملابس الكشافة، التي قالوا إنها خاصة بالمدارس الرسمية فحسب. وقد يكذبون لا بل يكذبون إن المدارس الأهلية هي مدارس أيضاً، على كل حال سنرى فيما بعد في يوم السبت القادم كم أنت جميل يا يوم السبت تقف دائماً حديقة لأمالي. وصلنا البيت وأنا أعتقد بأن العيون كانت تراقبني. أستقبلتني أمي لدى مخاطبة خالي ماذا عملت أوه قبل؟ لم أدع خالي يجيبها بل رفعت في وجهها الوصل ويدي الملقحتين، فأطلقت زغردة جذبت معظم سكان الحارة الذين شرعوا يهنئوننا بهذا النصر المبين.