الرئيسية » مقالات » !…الدين أكبر منزلة من الله والإنسان

!…الدين أكبر منزلة من الله والإنسان

فلسفة الدين ونشوءه وتفسير مبادئه الأولى وتأثيراته وتطوراته كان ومايزال يلعب دوراً مهماً في حياة الأنسان وطبيعة علاقته مع الله في رحلة البحث الطويلة الأزلية وربما الأبدية عن ذات الأشياء وتكوينها ومحاولات فك رموز تكوّن الخالق والمخلوق وفهم العلاقة بينهما وإستيعاب الفاصلة العميقة بين العدم والوجود والعلاقة المبهمة بين المادة والروح وغيرها من التساؤلات التي عجزت القدرات العقلية للإنسان عن الأجابة عليها وحسمها على الرغم من أنها رافقته منذ أن بانت الملامح الأولى للتعبير عن نفسه ككائن يتميز بصفات بايولوجية متطورة ومتفوقة على أقرانه من الكائنات الحية. فنمو وتطور العقل البشري ومنظومته الفكرية بالإضافة إلى تفاعله الحسي الغريزي مع قوى الطبيعة في البيئة التي يعيشها ومع مايحيط هذه البيئة من الخارج والتي لها تأثيراً مباشراً وغير مباشر على وجوده وبقاءه، تعتبر عاملاً ودافعاً أساسياً ومُلحاً في عملية البحث الطويلة والمتواصلة بإستثناء العوامل العديدة اللاحقة والتي حاولت التأثير في المسارات المختلفة للبحث والتفسير وإستثمار نتائجها لأهداف معينة خاصة لا علاقة لها بضرورة البحث العفوية والتلقائية الذي تفرضها العوامل الطبيعة، ولسنا بصدد هذا الموضوع هنا.
البحث المتواصل، في الدين والوجود ومحاولة أيجاد علاقة أكثر عقلانية بين الله والإنسان بما ينسجم وطبيعة الإنسان بحيث تحقق نوعاً من التوازن النفسي له بتبديد مخاوفه من المجهول وقوى الطبيعة وما ورائها وتعمل على حفظ بقاءه وديمومته من خلال تنظيم غرائزه وعلاقته مع أخيه الإنسان ومن ثم وضع نظام معين لتنظيم ذلك كله، وعلى مدى مسيرة تأريخ العقل البشري الذي أستطاع أن يطرق أبواب عديدة ومختلفة في حياة الأنسان وأن يفتح آفاق فكرية واسعة أمامه وينتج نظم ومفاهيم إنسانية متقدمه ورائعة قياسياً لمستوى الواقع الحضاري والثقافي للمراحل الزمنية التي أُنتجت فيها. ولكن الإكتفاء بالبناء المرحلي لهذه الأفكار والأستنتاجات وتبلور الأديان والمعتقدات وإختلافها بسبب إنعزالها عن بعضها وعدم تواصلها كجهد بشري واحد وتنوع البيئات الجغرافية والمجتمعات والمراحل التأريخية التي مر بها وتعاقب الأجيال على إستنساخها وإعتناقها كثوابت مقدسة لكل مجموعة على إنفراد. شَلت عملية البحث الحرة والتلقائية وأفقدتها الكثير من عفويتها وأبعدتها وإنحرفت بها عن المبادئ الأساسية والعوامل والضرورات، التي أقتضت وجودها وعملت على نشوءها وتطورها، وبدلاً من أن تحافظ على نمط العلاقة العمودية بين الإنسان كقاعدة والله كقطب أعلى مطلق يسمح بفضاءات غير محدودة في البحث والتفكير والعمل على تطوير البحث في هذه العلاقة بما يعمل على تعميق معرفة الأنسان بذاته وقدراته الذهنية والأرتقاء به لمعرفة الله وذاته، قامت بالإنحراف بها وتقييدها وإغراقها في الخصوصية والتقوقع الوضعي المتخلف واللامعقول والأمتداد السطحي والأفقي المحافظ الذي تقتضيه بعض الظروف والمراحل الزمنية المختلفة. وبالتالي تحويلها إلى علاقة محدودة تربط مجموعة من الناس داخل الملة والطائفة والجماعة الواحدة فقط بعيداً عن البحث الحقيقي في الذات الألهية والأنسانية. وتَبنّي تصورات ومفاهيم ثابتة ومتعصبة ومتباينة كلياً أو جزئياً بين هذه الملل والطوائف والجماعات. وإدعاء كل طرف بالأفضلية على الآخر والأنقياد الأعمى للعقائد والممارسات والقناعات السائدة بين أفراد ملته وطائفته وجماعته ومحاولة تبريرها وتزيينها بشتى الطرق والوسائل حتى وإن كانت هذه العقائد والممارسات جلية الإنحراف والتطرف. ولتسليط الضوء على طبيعة التغييرات والتطورات التي تطرأ على هذه النزعة الأنسانية الملحة والمستمرة في معرفة حقائق الوجود والخلق وتحولها إلى ثوابت مغلقة ومقدسة تكتسب أهمية أكبر من عناصرها الأساسية التي أنتجتها، يمكننا أن نفهم الدين على أنه علاقة بين طرفين أو عنصرين أساسيين يحاولان أيجاد أرتباط وتواصل معين بينهما وبدوافع منطقية وعقلانية وروحية مختلفة. وهنا لابد أن يكون لكل علاقة أدوات أرتباط وتواصل معينة مع توفر عوامل ووسائل البحث الدائمة لصيانة وتطوير وحفظ ديمومة هذه العلاقة بشكل سليم ومتواصل. إن غياب وسائل البحث والتطوير والصيانه والتركيز على أدوات العلاقة وأعطاءها خصوصية وأهمية أكثر من طرفي العلاقة تشكل إنحراف خطيراُ في موازين القيم ومنطقية الفكر تتسبب في أعاقة مستديمة في الجانب الروحي والعقلي للتعامل مع هذه العلاقة. وهذا هو مايحصل تماماً مع الدين كعلاقة بين الله والإنسان. فما إنحدرت إليه الأديان والمذاهب والجماعات الدينية المختلفة هو إيمانها وإعتقادها بمفردات وأدوات العلاقة بين الله والإنسان كالرسالات والرُسُل والأوصياء والكتب والنصوص والأحاديث وأعطاءها أهمية وقدسية أكبر من العناصر الأساسية المتمثلة بطرفي العلاقة وهي الله والإنسان والوقوف عندها كثوابت غير قابلة للتغيير والتطوير وغير قابلة أيضاً للتفاعل والإندماج مع التجارب البشرية الأخرى في نفس المجال.
في الحقيقة أن الأهمية والمنزلة الخاصة التي يكتسبها الدين في مجتمع معين من الناس وأنتقاله لديهم من حاجة أنسانية وحالة فكرية ديناميكية مهمتها البحث لتطوير العلاقة بين عنصرين أساسيين متمثلين بالله والإنسان والعمل على خدمتهما لتحقيق تواصل أيجابي سليم بينهما إلى عنصر ثالث ثابت أهم وأقوى وقائم بحد ذاته بحيث يطغى بأهميته على العنصرين الأساسيين الأوليين وله القدرة على السيطرة على عقل الإنسان وشل قدراته الذهنية وإنتحاله لصفة الذات الألهية ومصادرته لعقول الناس وأرادتهم وحياتهم بالكامل بأسم الله يعتبر إنحرافاً وأنعطافاً خطيراً في حياة الإنسان كما إن فقدان الدين لخصوصيته، كعلاقة روحية سليمة بين الله والإنسان تبعث على الطمأنينة والسلام والإستقرار النفسي لدى الإنسان، وإنغلاقه على معتقدات ومفاهيم مرحلية توصلت إليها مجتمعات بشرية منفردة في ظروف زمانية ومكانية مختلفة وإعتبارهذه العقائد والمفاهيم هي الحقيقة التي قُدّر لمجتمع معين من إمتلاكها دون الآخر وإغلاق مجالات البحث والتطوير المعرفي وعدم إنفتاح هذه المجتمعات والجماعات على بعضها والتفاعل والتكامل مع بعضها كجهد بشري واحد يسعى إلى معرفة الحقيقة. سيؤدي لامحالة إلى التخلف والأنحطاط الفكري والأخلاقي وإلى فناء الإنسان وتدمير ذاته بنفسه. إن إنغلاق مجموعة معينة من البشر وأنطواءهم على أنفسهم وعدم تفاعلهم وأدراكهم للتطورات الإنسانية المتلاحقة سيجعلهم في تخلف دائم ويجعل من مجتمعاتهم بيئة صالحة لنمو الأفكار الشاذة والغريبة والمتطرفة مما تؤثر سلباً وبالدرجة الأولى على نمو وتقدم أفرادها وإنتشار الجهل والتقاليد المتخلفة التي تعيق حركة الحياة لديهم وبالنهاية إنقراضهم وزوالهم لإفتقادهم لوسائل التعامل الحديثة مع المفردات المتقدمة لمسيرة الحياة وأنعدام القدرة لديهم على الإستمرار والمواكبة هذا بالإضافة إلى أنه سيؤدي إلى تعميق الهوة بينهم وبين المجتمعات الأخرى مما يعمل على تكريس ثقافة الحقد والكراهية والعداء التي غالباً ما تقود إلى الفتن والصراعات الدامية والحروب المستمرة التي تهدد الوجود البشري بالكامل.
إن تجليات هذا التغيير في الدين وأمتلاكه لمنزلة ومكانة أعلى من الله والأنسان ليست جديدة وقد عبرت عن نفسها في مراحل عديدة وكثيرة في التأريخ القديم والحديث وبإتجاهات وصور مختلفة فقد كان الدين يلعب دوراً رئيسياً في تأجيج نار الفتنة والحروب العديدة والطويلة عبر التاريخ البشري وأُرتكبت مجازر كبيرة أنتُهكت فيها الكثير من القيم الألهية وتسببت في هلاك الكثير من الناس كما تجلت هذه الصور في أشاعة التخلف والشعوذة والطقوس الغريبة في مجتمعات عديدة ولفترات زمنية طويلة أثرت تأثيراً سلبياً عميقاً في حياة الأنسان ومسيرة تقدمه الحضارية مما أدى إلى صراع مستمر ودائم مابين الدين والمدنية والعلم مما دفع الكثير من المجتمعات إلى الأبتعاد عن الدين تماماً وبذلك حققت تقدماً كبيراً في العلوم والفنون والثقافات المختلفة والبناء الحضاري المتواصل وضمان حقوق الأنسان وإطلاق الحريات بالرغم من بعض أفرازاتها الجانبية السيئة.
كما أن من أهم تجليات هذا التغيير والإنحراف الديني في عالمنا المعاصر هو مظاهر الدعوة إلى العصبية والتطرف الديني والصراعات الطائفية وما تفرزه من أعمال عنف وقتل تتصدر كل أنواع التعبير عن التمسك بالدين أو الطائفة أو الرموز الدينية وأرتكاب الجرائم البشعة بأسم الدين وأنتهاك كل الحرمات بأسم الله في حين يتجاهل الدعاة إلى هذه العصبية كل الأمراض الخطيرة والكبيرة التي تصيب المجتمع كالتخلف العلمي والتقهقر الحضاري المستمر والفقر وأنتشار الفساد وعدم الصدق والأخلاص في معظم العلاقات العامة والإجتماعية وإنهيار المنظومة الأخلاقية بالكامل تقريباً مع أنعدام روح التكافل الإجتماعي والغياب الكامل لكل أنواع الضمان التي توفر للإنسان أبسط أنواع الحرية والعيش الكريم.