الرئيسية » مقالات » مرتكزات السلم العالمي في المنظور الاسلامي

مرتكزات السلم العالمي في المنظور الاسلامي

السلم او السلام العالمي، هدف المفكرين والمصلحين العظام على مر التأريخ، وقد سعى هؤلاء النخبة الى ترسيخ السلام العالمي وتعميمه، من خلال جهود فكرية عملية، تقدم لقادة العالم رؤى وأفكار وسبل، تجعل من نشر السلم العالمي واقع فعلي، لا فكرة طوباوية كما يصفها بعضهم.
وقد ورد في السلام العالمي انه (المثل الأعلى للحرية والسلام والسعادة بين وداخل جميع الدول و/أو الشعوب. إن السلام العالمي هو فكرة طوباوية من اللاعنف الذي من خلاله الدول تتعاون إرادياً، إما طوعا أو بحكم نظام حكم يمنع الحرب. على الرغم من أن هذا التعبير يستخدم أحيانا للإشارة إلى وقف جميع الأعمال العدائية بين جميع الأفراد، السلام العالمي أكثر شيوعا يشير إلى نهاية دائمة للحروب العالمية والإقليمية مع حل الصراعات في المستقبل من خلال وسائل غير عنيفة).
الامام الشيرازي مصلحا سلميا
لقد عانى العالم اجمع من الاخطاء السياسية لبعض الافراد (القادة)، إذ قادت العالم الى حروب كارثية بسبب ارادات فردية قاصرة، كما حدث في الحرب العالمية الاولى مثالا، حيث ذهب الملايين ضحايا ألفاظ ورؤى سياسية متغطرسة، وهذا ما دفع المفكرين العظام الى طرح البدائل الفكرية العظيمة على الدوام ووضعها بأيدي القادة، علّهم يرعوون ويبعدون عن العالم عن مهاوي الحروب وكوارثها وشرورها.
المفكرون والمصلحون العظام، الذي تركوا بصمتهم الفكرية في المسارات العالمية للأخلاق والانسانية والسياسة وسواها، يستحقون التمجيد والتخليد دون أدنى ريب، وبخاصة على الافكار ذات النزعة الانسانية التي لا تفرق بين انسان وآخر بسبب الانتماء العرقي او الديني او الأثني او المناطقي وسواه.
هكذا هو فكر الامام الراحل، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (الذي نعيش ذكرى رحيله الحادية عشر رحمه الله)، لقد قدم هذا المصلح الكبير، رؤى وافكار عن السلم العالمي، تهدف بالدرجة الاولى الى إبعاد البشرية عن اخطار الافكار المتعصبة المريضة التي تدفع بالعالم نحو الهاوية، يقول الكاتب الدكتور خليل الربيعي، في إحدى دراساته عن الامام الراحل: إن (السيد الشيرازي يعد من ابرز المنظرين لنظرية السلم في العلاقات الدولية إذ لم تعد قضية السلم استحسانا من سماحته، وإنما أشادها على قاعدة رصينة من الأدلة الثقيلة – القرآن الكريم والسنة القولية-، والممارسة العملية أيضا للرسول الأكرم – ص- وال بيته ألائمة المعصومين عليهم السلام. وانطلاقا من إيمان السيد الشيرازي بأن الدين الإسلامي رسالة تغييرية للفرد والمجتمع فانه يؤمن بأن عملية التغيير الفكري لا تحصل بالقوة، وإنما بالقناعة، وهذه تحتاج إلى أساليب سلمية وليست عمليات إكراه وقسر، ومن هنا فان الأصل في الإسلام هو السلم، سيما وان الإسلام رسالة يراد منها تغيير الناس في المعمورة).
مبدأ السلم ومبدأ الجهاد
هكذا ينظر الامام الشيرازي الى أهمية التغيير الفكري، وعدم سكونية الرشد في حيّز أو مسار مغلق، على أن لا يتم تغيير القناعات بالقوة، بل إحداث القناعة وصنعها بالاقناع حصرا، كون الاخير سيضمن الايمان المطلق بالتغيير الجديد نحو الافضل، لذا يعد المرتكز الاول للسلام العالمي هو عامل الاقناع في التغيير ورفض القوة في هذا المجال، وثمة مرتكز آخر يتعلق بالسلم والجهاد، حيث أقره الامام الشيرازي وطرحه للعمل به عبر أفكاره ومؤلفاته الكثيرة.
لذا يقول الدكتور الربيعي في دراسته أيضا: (للسيد الشيرازي أسلوب في حل إشكالية -مبدأ السلم ومبدأ الجهاد-، قد يبدو انه تفرّد به وهو ينم عن قراءة واعية ومعمقة للواقع الدولي المتغير من جانب، وللنصوص القرآنية من جانب آخر بحيث وازن بين مبدأ السلم ومبدأ الجهاد من خلال أسلوبين: الأول: إيمانه بان للقوة استخدامات متعددة في الإسلام ولكن يغلب عليها طابع الردع (أي اعتمادها) لصيانة السلم وليس لزعزعته.
الثاني: يعتقد الامام الشيرازي: أن امتلاك القوة يؤدي وظيفة المحافظة على كرامة الأمة وعزتها، فهناك فرق بين السلام والاستسلام، فالسلام يأتي من موقع القوة الرادعة في حين أن الاستسلام يحصل نتيجة اختلال توازن القوى لصالح احد الأطراف سيما وان صراع الحق والباطل يكاد يكون قانونا يحكم الوجود الإنساني).
وتبدو رؤية الامام الشيرازي واضحة حول معنى مفردتيّ (السلام/ الاستسلام)، إذ من مرتكزات السلم العالمي الحفاظ على توازن القوى، وعدم التفريط بهذا الشرط، لذا فإن استحصال القوة والبحث عنها وتأكيدها والسعي اليها، لا يعني إخلالا بالسلم العالمي، شريطة (كما يرى الامام الشيرازي) أن تستخدم القوة من اجل التوازن الدولي، وليس من اجل العدوان، درئا لخطر الاستسلام في حالة فقدان القوة المطلوبة.
يدعم هذا الرأي تحليل الدكتور الربيعي الذي يؤكد على أن (السيد الشيرازي يميل إلى الجهاد الدفاعي مستلهما هذا الامر من السيرة العملية وتحديدا الحربية للرسول –ص- والأئمة المعصومين إذ يؤمن السيد بأن حروبهم كلها كانت دفاعية. ويبدو أن السيد يميل إلى الأخذ بالأساليب السلمية وعند الضرورة يتحول الجهاد لإحلال السلم والأمن) ويضيف الربيعي أيضا (إن المتتبع لبحوث وأقوال السيد الشيرازي يصل إلى استنتاج مفاده ان القوة هي وسيلة لضمان السلم وتحقيق الاستقرار العالمي، وليست وسيلة للمحافظة على النظام السياسي، كما هو الحال مع عدد من المنظرين، والتي أدت فيما بعد إلى شيوع ظاهرة الانقلابات العسكرية من ناحية وظاهرة الاستبداد السياسي من ناحية اخرى).
تناقضات عالم اليوم
إن عالم اليوم غني عن التعريف لكل متفحص يبحث في تناقضاته وطبيعته عن كثب، وان الحراك الراهن والشامل للمجتمع البشري ينم عن تصادم واضح للعيان بين الرغبات والتمنيات وبين سبل تحقيقها كما ان التسابق المحموم لتكريس التسلط على مقدرات الانسان في عموم المعمورة من لدن فئة دون أخرى أضفى على الحراك البشري نوعا من الاستحواذ الفوضوي قاد العالم الى صراعات رئيسة وثانوية أدخلته في نفق التسلط المقيت وبالتالي أصبحت لغة العنف والإقسار هي اللغة الأقوى فعلا والأعلى صوتا في عالم اليوم، وهذا ما استشرفته رؤية الامام الشيرازي، عبر أفكاره وخطاباته ومؤلفاته التي ظل طيلة حياته الغنية، يركِّز فيها على طبيعة العنف البشري المتأصلة، ونزعة الاستحواذ والتعنت، ويحذر منها ويوجِّه الانسان المؤمن أينما كان، إلى وجوب التنبّه نحو مغريات وملذات الحياة اللاّمشروعة، ورصد نزوات النفس البشرية التي تميل الى فرض رغباتها على الآخرين.
لذا من مرتكزات السلم العالمي ردع نزوات القادة ومراكز القوى، ومقارعة الاحتكار الاقتصادي حيث تتركز ثروات العالم لدى اقلية من الشركات والافراد وبعض الحكومات، فيما يرزح مليارات من الفقراء تحت طائلة الجوع والحرمان، وهذا ما حذر منه الامام الشيرازي، ونبّه الى خطورة احتكار ثروات وموارد الارض من لدن القلة.
لذا تعد العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص على المستوى العالمي، من اهم مرتكزات السلم العالمي ايضا، وعلى المعنيين ان يقلصوا من تناقضات العالم، ويقلصوا من فجوات السلوك الاحتكاري التي تزيد من مساحات الفقر في العالم. إذ تتلخص رؤية الامام الشيرازي للسلام العالمي، في اهمية صنع المرتكزات الاساسية الصحية التي يقوم عليها الكيان العالمي الشامل، الذي يتضمن السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية المتبادلة.
على أن يكون الطابع الانساني هو السائد أولا وأخيرا، لذا نلاحظ إن ما يميز إرث الامام الشيرازي الفكري هو الطابع الانساني لهذا الفكر والطموح المتواصل للمساهمة في تغيير العالم نحو الأفضل.
* مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام