الرئيسية » مقالات » إنها حسرات

إنها حسرات

ندمت لأني لم اسأل صاحبنا السماوي، عندما كنا في الأردن، عن الشيء الذي هو اكبر من الحزن؟ كم تمنيت لو انه ظل بعمّان كي اطير اليه واسأله. عاد الى العراق، بعد ان ترك لي دفترا جمع به أجمل الدارميات والأبوذيات، فصار ثمن السفر نحوه قص رقبة. اعتمدت دفتره كواحد من أهم مصادر النصوص التي تناولتها في البحث.
قلت لنفسي وانا أتصفح الدفتر: ستبقى معرفة ما قصده صاحبي حسرة في قلبي. وصبرت النفس بان الحسرات كثيرة ولتكن هذه واحدة منها. وفي تلك اللحظة دب صوت، كما الصدى، بداخلي: أنت لست حزينا بل تتحسر، اليس كذلك؟ نعم، ومثل كل العراقيين. ومن لحظتها صرت انظر لما بين يدي من نصوص وكأنها تغلي بالحسرات وليس بالأحزان. وعلى الفراغ الذي يحيطني بهالة من السكون الموحش، رسمت خارطة العراق فشهقت روحي: آه يا عراق الحسرات.
انها حسرة، وليست حزنا، تلك التي طبعت أغانينا وأشعارنا وعلت وجوهنا وغطّت أصواتنا. وان كانت الحسرات لا تخلو من مسحة حزن لكنها ليست هو. الحزين يندب الموتى وصاحب الحسرات يندب أحلاما وآمالا حية في اعماقه. أحلام حال بينه وبين تحقيقها جور الطبيعة وسيف السلطان و”حرام” الدين و”عيب” العشيرة. عين الحزين صوب القبور حيث الموت وعين المتحسر تتطلع للحرية والحياة. والحزن قد يخفت بعد حين لكن الحسرات تكبر كما قالت عنها جدتنا فدعة المعيدية:
يا حسرتي من كبر نفر تشجي الزغر وتريد تكبر
عندما جاء البعثيون لولايتهم الثانية في العام 1968 فتحوا الباب على مصراعيه للتعازي الحسينية. كانت دار اذاعتهم تبث اللطميات والنواعي ليل نهار. لماذا؟ لأنهم ارادوا الناس ان تحزن وتحزن فقط. والحزن اذا عم العباد تصبح البلاد ارضا خصبة لنمو الاستبداد. لكن البعثيين حين رأوا مراسم العزاء الحسيني تحولت من بكاء الى صرخات غاضبة، من قلب شعب يتحسر على الحرية، قمعوها بوحشية.
وهذه المسيرات الحسينية المليونية التي نراها، اليوم، تقصد كربلاء مشيا على الاقدام ستقمعها الحكومة الحالية لو انها تحولت الى مواكب تصرخ بالحسرات ولا تختنق بالدموع حسب. افترضوا معي ان السائرين نحو ابي الشهداء صاحوا: يا حسين ، حسرة علينا الكهرباء .. الماء .. الأمان .. الحرية .. العدل .. العمل .. الكرامة . ويا حسين: لقد سيطر الفاسدون والجهلة الظلاميون على عراق الحضارات والنعم. ثم تخيلوا ان يخرج موكب للنساء الثواكل والميتمات تتقدمهن تلك العراقية التي قالت يوما:
يا ام أثنعش وثنين يا اخت الحسين
مثلج عملها وياي يا زينب الحسين
وموكب آخر للأطفال الضائعين عند اشارات المرور للاستجداء وبيع قناني الماء والكلينكس وهم أبناء اغنى بلد في المنطقة. يذهبون الى كربلاء ليخبروا جدهم الحسين ان الذي يمر بهم لا يقل قسوة عما مر باطفال ابن عمه مسلم بن عقيل.
لو حدث هذا هل ستسكت الحكومة ؟ وهل ستنثر الورود عليهم وتذرف الدموع من اجلهم، ام ستقمعهم بحجة انهم بعثيون تدفعهم القاعدة وتقف وراء مواكبهم اجندات اجنبية؟
المستبد، في كل زمان ومكان، تخيفه صرخة الشعب ويطربه بكاؤه. كان يزيد فرحا منتشيا وهو يرى زينب حزينة مكسورة تبكي. لكنها يوم انفجرت حسراتها صرخة غاضبة وصاحت به: انك ظالم، ارتجف وشتمها. لو ظلت زينب تبكي لما خاف يزيد. ولو كان المتظاهرون في ساحة التحرير يبكون لما قمعتهم قوات حكومة المقربين و”فرسانها” بحجة انه مسيسون، وكأن تسييس الدين حلال وتسييس التظاهرات حرام.

المدى