الرئيسية » مقالات » التشهير الإعلامي بأسماء المتهمين انتهاك للحقوق واتباع لنهج الأنظمة الشمولية

التشهير الإعلامي بأسماء المتهمين انتهاك للحقوق واتباع لنهج الأنظمة الشمولية

صرح رئيس لجنه النزاهة النيابية في مؤتمر صحفي داخل مجلس النواب موضحاً بأن «الدعاوى التي احيلت من اللجنة الى القضاء، والتي بموجبها صدرت أوامر قبض على ثلاثة محافظين واثنين من اعضاء مجلس النواب ومدراء عامين في وزارة التجارة، وذلك في ملفات فساد والبطاقة التموينة ». مطالبا الجهات المعنية والمختصة والتنفيذية بسرعة تنفيذ أوامر القبض «حتى نعطي رسائل ايجابية بان يكونوا عبرة للأخرين». وخلص تقرير لجنة النزاهة الى ان هناك ( 24متهم) قد وزعت اسماءهم، وفي يوم الاثنين الموافق24 ايلول نشرت وسائل الاعلام اسمائهم.
ومن الناحية القانونية والدستورية، ولتسليط الضوء على هذا الموضوع، بعيدا عن ألاعيب وأروقة وكيديات السياسة، نقول:
1. إن الأشخاص المعنيين مازالوا في طور الشبهة والاتهام ولم تصدر بحقهم أحكام قضائية باته، وبالتالي فطبقا لمبادئ حقوق الإنسان، وطبقا للدستور يعتبرون أبرياء حتى تثبت إدانتهم بحكم قضائي بات، وهو ما لم يحصل وبالتالي فإن نشر الأسماء هو تشهير لا يخلو من الكيد والغرض السياسي!.
2. إن المواد القانونية الموجهة للأشخاص المطلوبين فيها جواز قانوني (قابله للكفاله) والبعض لم تصدربحقهم اوامر قبض بل (استقدام) ولا توجد ضرورة قصوى للإعلان عنهم سيما وان اغلبهم يما زال يمارس مهامه الإدارية الحاليه وهم (بوظائف مرموقة).
3. إن الاعلان بهذه الطريقة الدعائية قد تؤدي إلى فرار المتهمين، وإذا كان المتهم من ذوي النفوذ وعلم بمجريات التحقيق فقد يقوم بالتأثير على الشهود الذين يزمع الاستماع إلى معلوماتهم، أو تمتد يده للعبث بادلة الجريمة التي لم تصل إليها بعدالتحقيق.
4. إن الاعلان عن المطلوبين ليس من اختصاص لجان البرلمان وانما هو من اختصاص السلطة القضائية حصراً ولايجوز بدون إذنها الصريح، وهذا تدخل وتجاوز على اختصاص السلطة القضائية.
5. ان التصريحات الاعلاميه البرلمانيه يجب ان تكون محسوبه العواقب ولاسيما البلد يعيش في حاله من التوترات الامنيه
السؤال المهم هل إن لدى الحكومة معايير لنشر اسماء وصور المتهمين ولنتعرف اين نسير باي اتجاه
تتباين الاتجاهات حول نشر اسماء وصور المتهمين من النظام الشمولي الى النظام الذي ينتهج الديمقراطيه
الاتجاه الاول يرى البعض ضرورة القيام بنشر صور واسماء الاشخاص بدور الاتهام تحت دعاوى الردع والتشهير والتخويف وهو نهج للنظام الشمولي وكان متبع في الاتحاد السوفيتي والدول العربيه ذات الحكم العسكري
الاتجاه الثاني ان الانظمه الديمقراطيه الحقيقيه تعارض الاتجاه الاول للاسباب التاليه
1ـ خوفًا على سمعة المتهم وكيان أسرته، ولعدم التاثير على المحكمة.. إلخ، في ذات الوقت تطرح آراء أخرى من قبيل ستر الآخرين وعدم التشهير بهم، ، اذ ان القانون يهدف من معاقبة المتهم الى ردعه عن الاستمرار في ارتكاب الجرائم, في حين ان نشر صورة المتهم تعتبر عاملا مستفزا ومشجعا على دخوله في عالم الجريمة او استمراره فيه ويحق للمتهم ان يطالب بالتعويض اللازم في حالة ثبوت الاضرار النفسيه والمادية الواقعة عليه نتيجة نشر صورته خاصة وان هذه الاضرار لا تتعلق بشخصه فقط وانما تصل الى جميع افراد اسرته وبالتالي فان نشر الصورة يكون قد اتى بعقاب لاشخاص لا ذنب لهم. أن المحاكمات في بعض الدول الاجنبية وخاصة الاوروبية تلجأ إلى رسم الاشخاص المتهمين والمحاكمة عموما رسومات كاريكاتيرية, حفاظا على عدم نشر صورهم الفوتوغراف ودرج اسماء (رمزيه) وليست الاسماء الحقيقيه
2ـ لايجوز نشراسماء وصور المتهمين الا بعد صدور الحكم النهائي وليس بمرحله التحقيق الابتدائي او القضائي فقط فالمتهم برىء حتى تثبت ادانته
يكون بريئا وبالتالي فان الحق يصبح باطلا والباطل حق, ويغتابه الناس ويتعاملون 3ـ ان في نشر صورة المتهم فيه ظلم كبير له وللحق وللمجتمع بأسره, ذلك لانه ربما معه معامله سيئة ويجعلون من انفسهم قضاة ومنفذي احكام, وغالبا ما يمتنع صاحب الصورة عن الذهاب إلى عمله ويصاب بحالة اكتئاب نفسي ويكره المجتمع كله, اذ انه يعتقد ان الجميع يشير اليه بالاجرام, مما قد يدفعه الى هجر ذلك المجتمع واهله والخروج منه بلا رجعة, وفي ذلك ظلم كبير
4ـ يعارض البعض نشر صورة المتهم سواء قبل الحكم عليه او بعده, لا داعي للتشهير به وبأبنائه الذين سيحملون عار ابيهم طوال حياتهم فلماذا ننشر صورة المتهم, بدلا من ان نستره وندفعه الى فعل الخير والى العودة الى حياة الصالحين.. ولذلك ان نشر صورة المتهم هو نوع من التشهير والفضيحة التي لا طائل من ورائها
وهناك فرق بين التشهير الذي يحدث عند مجرد الاتهام قبل المحاكمة وثبوت الجريمة، والتشهير الذي يحدث بعد ذلك، فغني عن القول إنه ليس كل اتهام صحيحا ومن ثم لا يصح التشهير بمجرد الاتهام
الاتجاه الثالث وجهات نظر ما بين الستر والتشهير: ترى أن الاصل في القاعدة الشرعية هي أن نشر صور المتورطين في القضايا المختلفة سلبيات تطغى على النواحي الايجابية ، اما حالات جواز نشر صور المتهمين يمكن نشر صورة المتهم, اذا فرَّ هاربا وكانت هناك ادلة بحوذة الشرطة تؤكد انه المجرم ومن ثم فإن عملية النشر ستكون عامل قوي ومفيد في عملية القبض على المتهم ، وبالتالي يصبح النشر واجب ولازم كما يجوز نشر الصورة اذا كان المجتمع يقرها كعقوبة في حد ذاتها, مثل نشر حالات منع نشر صور المتهمين
هناك معاييردوليه لتغطية أخبار الجرائم والحوادث:بينما تتباين وجهات النظر حول كيفية تغطية أخبار الجرائم والمحاكم وغيرها، فإن ثمة اتفاق حول مجموعة من المبادئ ينبغي الإلتزام بها من بينها:
1ـ أن تتم التغطية الصحفية لأخبار المحاكم والقضاء، وفقًا لمبدأ المتهم برئ حتى تثبت إدانته ، والحرص علي استقلالية القضاء والعدالة وإعطائها الأولوية، والامتناع عن نشر آراء أو كتابة تعليقات تستهدف التأثير علي قرار المحكمة قبل إصدار حكمها النهائي، والالتزام بنشر الأحكام النهائية للقضايا، وخاصة إذا كانت الصحف قد وجهت اتهامات إدانة لشخص ما قبل صدور الحكم
2ـ ضرورة احترام حقوق المتهم في الحصول علي محاكمة عادلة، وأن تتم أمام قاضيه الطبيعي، مما يقتضي عدم التعليق علي القضايا المنظورة أمام القضاء، وعدم نشر الأخبار التي يمكن أن تؤثر علي الادعاء العام أو العدالة ضمانا لحسن سيرها أو محاولة التأثير علي أطراف القضية من الشهود والقضاه والرأي العام
3ـ في حالة صدور حكم ببراءة متهم، يجب أن يبرز الصحفي هذا الحكم مع الإشارة إلى المقالات السابقة التي تم فيها اتهام هذا الشخص
4 ـ تقصي أقصي درجات الحذر في نشر صور أو أسماء الأشخاص المتهمين في قضايا اعتيادية، أو اتخذت ضدهم إجراءات قضائية محدودة، إلا إذا كانت هناك مصلحة عامة للنشر ،وفي حالة محاكمة شخص ما، لا يجب ذكر تاريخ عائلاته ووظيفته، وعرقه، وقوميته، وعقيدته وعضويته في المنظمات المختلفة، إلا إذا كانت لها علاقة بالقضية التي يحاكم فيها
6ـ تغطية إجراءات المحاكمة بموضوعية، مع عرض وجهات نظر الأطراف المتنازعة بحيادية وتوازن وضرورة عدم توجيه اتهام مسبق لشخص مشتبه فيه أو متهم أو علي قيد التحقيق عدم إسناد أي أمر يتضمن خدشا لشرفه واعتباره دون تحديد واقعة معينة
الالتزامات الأخلاقية ذات الطابع القانوني الواجبة على الصحفيين، تكشف مراجعة مواثيق الشرف الصحفية عن جملة من هذه الإلتزامات من بينها ضرورة الالتزام بأحكام القانون،و الحذر من ارتكاب جرائم النشر والامتناع عن التشهير أو الاتهام بالباطل أو القذف أو السب ، وضرورة عدم إسناد وقائع غير محددة لشخص ما، تستوجب عقابه أو احتقاره، ضرورة عدم إسناد أي أمر يتضمن خدشا لشرف إنسان ما واعتباره دون تحديد واقعة معينة ، ضرورة عدم نشر أمرًا من الأمور على نحو يبعث على تضليل الرأي العام أو التأثير علي حكمه علي الأشياء وتوجيهه وجهة غير سليمة، ضرورة عدم نشر ما يتعلق بأسرار الحياة الخاصة والعائلية للأفراد بقصد الإساءة إليهم وابتزازهم من خلال تهديدهم بإفشاء هذه الأسرار.
اصل في المتهم البراءة وهو حق تبنته جميع المواثيق الدولية التي تعنى بحرية الانسان وكرامته، ومبدأ اصيل ترسخ عبر الزمن لا يخلو منه دستور معاصر وقانون اجرائي،وهو ركن اساس من اركان المحاكمة العادلة المنصفة. واصبح قاعدة دولية لا يمكن نكرانها او تجاهلها بعد ان نص عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 بالقول على انه (كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً حتى تثبت ادانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات للدفاع عنه). (م 11/1) ونصت المادة الثامنة من الإعلان على انه (لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لأنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون ، وعلى هذا النحو ذهب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، حيث جاء في الفقرة (2) من المادة (14) منه على انه (2ـ لكل فرد متهم بتهم جنائية الحق في أن يعتبر بريئا ما لم تثبت إدانته طبقا للقانون.) وكذلك نص المادة (6) من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية لسنة 1950.
الخلاصه
ان اسلوب التضخيم والتهويل كثيرا ما يتجني على المتهمين وحقوقهم، وكما يبدو ان صيغ وتصرفات النظام الشمولي ما زالت تسيطر على افكارنا وسلوكنا وتناسينا اننا ضمن مجتمع ( نسيجه الاجتماعي قبلي) وان صفه ( الوصمه الاجتماعيه) تظل تلاحقه طوال حياته، كما تفتقر الدوله والحكومه الى الارضية التي تسمح بتحديد معايير وسياسه واضحه( لعرض اسماء وصور المتهمين بوسائل الاعلام) وهناك فوضى بهذا الجانب( وخلطا مزاجيا)واصبح من الضروري ان يتولى مجلس الامن الوطني بالتنسيق مع مجلس القضاء الاعلى وممثلي حقوق الانسان البرلمانيه ومفوضيه حقوق الانسان وجهات اعلاميه لوضع سياسه للدوله بمعايير واضحه بشان عرض صور واسماء بدور الاتهام والا سنبقى (بمزاجيه شخصيه خطره) اذا لم نتصدى لها ونحد من تناميها وان يكون( خطا واضحا يفرق مابين السياسي والجنائي) والا مستقبل عوائلنا واولادنا في خطر