الرئيسية » مقالات » ليس حزناً، بل …..!

ليس حزناً، بل …..!

شاطرني قراء تفاؤلي بالبقية الباقية من الخير عند ناسنا، واحتج آخرون. كان أشدهم احتجاجا صديق الفيسبوك غدير نعمة محمد، الذي كتب تحت عمود الأمس: “أتحداك وأتحداك إذا الدنيا بخير يا جماعة الخير. إذا كانت هكذا هي بخير، فلماذا حسرة عليك شوفة حتى سوك العورة؟”. “وسوك العورة”، لمن لا يعرفه، واحد من معالم مدينة الثورة. شهير عند أهلها كشهرة سوق العتبة عند المصريين أو أكثر. أراد هذا الصديق القول بان الدنيا لو كانت بخير لعدت إلى وطنك. ولو كانت “العورة”، تلك المرأة الطيبة التي كانت تبيع السمك في أول أيام تكوين السوق، تحكم بدل هؤلاء “المفتحين باللبن” لما ظل عراقي خارج وطنه. وهو في هذا محق.
فاته أني قصدت الناس وليس الحكومة، لأني إن رجوت الخير منها أظل مثل طابخ الفأس الذي “يرجه من الحديدة مرك”. الخير الذي قصدته هو أن أهلنا طيبون. ومن أطيب من إنسان بسيط حائر بلقمة عيشه يقدّر حاجة باحث علمي؟
روى لي الشاعر الدمث الخلق عبد الحسين السمار الذي كان معلما في اهوار العمارة أن آلافا مؤلفة من الطيور تأتي إلى الأهوار في نيسان من كل عام. قادمة من روسيا وآسيا الوسطى وتركيا وإيران والصين والدول الاسكندنافية عابرة آلاف الأميال. كان علماء البيئة في تلك الدول يدرسون آثار الهجرة على الطيور فيضعون صفيحة معدنية بأقدام عينة منها تحمل رقما خاصا. وحين تعود الطيور من حيث هاجرت تخضع هناك إلى دراسات وفحوص مختبرية. يقول السمار ان الفلاح العراقي القاطن في الهور الذي يعيش على اصطياد تلك الطيور، إما لبيعها او لإطعام عائلته، اذا وجد طيرا في قدمه “قيدة” يطلقه على الفور. ولو سأله أحد عن السبب يرد ان العلماء بحاجة اليه. فكيف يكون شكل الانسان الخيّر يا صديقي غدير؟ يضحي برزقه وقوت عياله من اجل عالم يبعد عنه آلاف الأميال. إنها الآدمية يا صاحبي، التي قد ينضب نفط العراق كله، أما هي فلا تنضب عند العراقيين.
أكثر من عامين وأنا ابحث في ظاهرة يكاد يتفق عليها أغلب المثقفين والمهتمين بأدبنا الشعبي، خاصة الأغنية، وهي ظاهرة الحزن. حقيقة لم أكن مقتنعا بأنه حزن بل شيء آخر. ما هو؟ هذا ما كان يشغلني طوال تلك المدة. وان كان مظفر قد قال يوما “مو حزن .. لكن حزين” فاني وجدته قد احتار مثلي ثم استسلم ففسر الحزن بالحزن. لم تسعفني “لكن” مظفر بالجواب. هذا لا يلغي روعة البيت الشعري لكنه لم يعطني تسمية بديلة للحزن لأصف بها تلك اللوعات والآلام والآهات واللهفات التي طبعت شعر العراقيات في الدارمي الذي هو موضوع كتابي قيد التأليف.
كنت بين أمرين، إما أن أستسلم مثل مظفر واسميها ظاهرة الحزن او يظل الكتاب يراوح في مكانه الى ان أجد تسمية أخرى. وفي خضم هذه الحيرة خطرت ببالي فكرة ان ألوذ بشبكات التواصل الاجتماعي لأبحث عن شخص ما كنت قد التقيته في منتصف التسعينات بعمّان، علّي أجد عنده ما يعينني. وفعلا وجدته. لا أدعي أن ما توصلت إليه اكتشاف عظيم، بل وجدت، من وجهة نظري على الأقل، تسمية أعم وأشمل وأدق من الحزن. غداً لي عنها حديث.