الرئيسية » مقالات » كل ما عرف عن تأريخ شارع اسمه المتنبي

كل ما عرف عن تأريخ شارع اسمه المتنبي

خوذ وبدلات مرقطة وملثم يصرخ دون صدى عند أبواب المكتبات الهامدة الفاغرة أفواهها لتنط منها أحشاء مسودات لكتب أو مخطوطات تتختل خوفا من فوهة بندقية.

شعراء يشعلون أغانيهم بحناجر عليلة. يوقدون شموعا ونواحاً ومراثي لشارع سمي بالمتنبي تعرض لدورة من إبادات توالت عليه عبر قواحل وقحط الزمان، ولكنه بقي مشبعاً بالشجاعة وأصر على أن يحمل اسم المتنبي.
تذكر الشعراء لعنة الشعر العالقة باردان المتنبي شاعراً وشارعاً. فهاهم يستذكرون دورة الموت فيتأبطون شر ذكرى… القتل والخوزقة…وسرفات الدبابات وناقلات الجنود.

المتنبي مات مقتولا ومثله الحلاج وتتسلسل الوقائع فوق رؤوس صناع المعرفة ومدوني تأريخ الإنسان الحي القيوم. دائما ثمة لحظة تلغى فيها جميع المسميات ليبقى وحده الموت قادراً على أن يكون مفردة وجمعا في الملموس والمتلبس، عند الإيحاء والتهويم. لا حياد يتطلبه الأمر فثمة واقعة يجترها الشارع بين قتل وقتيل وقاتل وغدر وغادر وزركة وغارة أخرى. . لا فرق حين يجد المرء روحه متلبسة بمثيلية الشيطان مع أخيه الإنسان. تحز شفرة الوقائع وفواجعها أركان القلم وما يسطرون. تكسر أصابع الوراقين ومخترعي بدع الغوايات ومسودات قصائد العشق ودعاة عصور النهضة وصانعي عدد الجمال والبهجة.

لم يكن للمتنبي صوت استنكار لجريمة المذبحة المالكية للكتب غير اسمه القصي يذكر مثل طفل ميت في أحشاء أمه لم تكتشفه يد الجراح إلا بعد أن أسدلت الأم جفنيها واصفرت شفتاها ثم توقفت أنفاسها. صامتة دست في الوحشة بعد أن عافت رغبة الطبيب في أخراج الجنين من بين فخذيها.

يصرخ الوراقون بأقصى ما تنفثه الحناجر من ولولة وأسى… آه قُتل المتنبي… أخيرا يوقد الشاعر عبد الزهرة زكي شمعة في حضرة الخرائب ونثار الكتب، يريد استحضار المتنبي عنوة فلا من مجيب. . إذن:


ليس هنا اثر

ليس هنا قطر.

ليست هنا شاهدة.

ليس هنا نائحة تطلق صوتا وجعا يتلظى بالآه

ليست هنا آه

ليس هنا صوت غراب ينعق.

يا صحبي… أصحاب البراءة من الوحش وعشاق الغوايات الرائجة، كان هناك غراب يغازل النائحة، يناجيها.
يشهد الشارع ليال من غزل لئيم قبيح. يحتفظ بلوعة التأوه حين تطلقه النائحة وهي تمتص رحيق الغراب الراعش الزاعق.
ما برح غراب البين يجلس القرفصاء عند نخلة في القشلة وتراه بعد ذلك يعاين المكان من خلال أعواد عشه فوق بوابة سوق السراي. نعيقه يدور بين مخابئ الشارع وفتحات الكتب المرتجفة وأصابع الوراقين الخلص والوشاة. النائحة تفترش عباءتها البالية عند دكة مقهى الشابندر تتلصص بعينيها تخوت المقهى .

خذوها فهي آه طويلة بعيدة كبيرة دميمة مجذومة تأتيكم من دهر يمتد بسعة ما عرفته العلوم والمعارف والفنون. آه يبقى فمها الفاغر دون زمن ومكان. أنها وجع مسلط فوق القلوب يحز بشفرته شغاف لانهائية المعرفة. يفقأ رؤيا السحرة، يوقف قفزات المفردة فوق السطر الأول وأوتار العود. يعتم ضوء المصباح خلف ستارة المسرح،يحرق شعيرات الريشة ويرمي الألوان في سلة النفايات.

عند كل منعطف ينعى الغراب بنعيقه الأجش ونواح مومسه الداعر تراث البهجة ومواسم الفنتازيا وألق الحداثة ودعاوى الحرية والتحرر ورضاب المعرفة وهضابها المخضرة. في كل فجر قبل أن يستيقظ سحرة الشارع وشياطينه المجدون الواهبون يصب الغراب والنائحة زيت حرائقهم ويدسون عصيات الجذام بين طيات جدران الشارع وتحت خشب جنابر الكتب.
هذا ما عرف من تأريخ شارع المتنبي. لم يتخذ له نظاما داخليا أو عرفا ينظم مضناه ولوعته أو محتوياته وسير الكادين فيه أو حتى مدونة لفرحه وزهوه والباحثين عنها بين دفات الكتب وثنايا الدفاتر. . . . دون أن تثير حقد احد، تنتصب الجنابر وتتوزع البسطات لتفترش الشارع فتسندها الأرواح الرضية بالتوافق المستطاب. يوم المعرفة لا يغلق بغير بشاشة الوجوه. يوم الجمعة يجد الشارع نفسه وسط بحر من الناس الباحثين عن كنوزهم. يتشاطر الوراقون والنساخون داسين رزمهم بين نوعين من العيون الفاحصة الباحثة. تتلاقى الجمرات لتتعرف على مرادها فتكون الأكف خفيفة رشيقة أسرع من يدي ساحر. تتلقف الممنوع الذي أرخ للممنوعات جميعها وأصبح سمة الشارع وعرفاً يتحدى السلطان وبداوة الأشرار، لذا حُرضت على الشارع كل دمامة الحاقدين من الخائفين على كروشهم وكؤوسهم وكراسيهم.
هذا ما عرف من تأريخ شارع المتنبي يوم جف كنهر وتيبس كقطعة رغيف ومُزق كرداء بال. ولد يوم مات المغول وتوفى وشيع في عهد صلاح الدين. نهض مرة أخرى فأستأجر أرصفة بغداد واحداً أثر الآخر وكان مثل شحاذ يتوسل الشتاء أن لا ينكث وعده ويرسل برده على غفلة. دار حول نفسه وبين أروقة المكاتب والكتاتيب لملم الأصابع التي تحشد النور عند بوابات الدهر وقصور الملوك والعاهرات. عاشر المماليك والعيارين والوراقين والخوارج والرواة والقرامطة وفرنسيس بيكون ودانيال ديفو وغراهام غرين وماركس وهيغل وكانت وووووو. . . . . . . . جمعها في خرج واحد وطاف بها حارات الكرخ والرصافة.

كل ما عرف عن تأريخ شارع المتنبي…. قد استقر في زمن ما جوار سوق السراي، بعد أن توسله مقهى الشابندر ليكون جواره خوفا من وحشة ونفعا لرواد يتلذذون الكلمة قبل طعم الشاي. فأصبح الشارع رئة للمثقفين وطلاب المعرفة وعشاق الإبداع.

كل ما عرف عن تأريخ شارع المتنبي هو علة مزمنة يعيشها مع وضع العراق السياسي. علة مثل الطاعون المخلوط بالتدرن الذي ينخر الرئة التي أرادها رواده أن تكون نظيفة لتنتج ما يعادل نقاوة الهواء وسمو الكلمة، وأرادها البعض من مرعوبي الدهور ومتلبسي روح القنانة أن تكون عين السلطان وحنجرته ورئته وآخرون أرادوها مكبلة مقيدة والأنكى من ذلك صبغوا وجهها بقلم أحمر شفاه رخيص ومبتذل، فما فتئت تحمل وجه مهرج لا روح هزل عنده. .

يرقص بحذاء السلطة ويرتدي بزة العسكر ويعتمر عمامة.


يدب مثل اللوثيان ثقيل الوطء قبيحاً، كالحاً، بشعاً يدوس فوق دكات الكتب فاغراً فمه كاشفاً عن أسنان تسيل منها قطرات دم وصديد. يدوس… ينط… يعلن كذبة في الفكر تبيض وتفقس وعيا مزورا.. ويبتسم المهرج لخدعته السمجة الغبية.
كل ما عرف عن تأريخ شارع المتنبي هو شح في مصادر وخوف من قلم ورعب من كتاب. في عصر التتار الأخير عصر الضمأ القاتل أوقدت نار الحقد لتحرق كل ماله علاقة بتمجيد الحياة السوية للبشر. عندها انتعشت تجارة وراجت، صار صيتها مدويا فغطت بضجيجها فحيح الأفاعي. كسرت شوكة الغربان وأبناء السفاح وراحت تشحذ الأقلام لتنير ظلمة عاشها العراق بحثا عن يوم موعود. لقد انتج الشارع مضاداته وابتكر خططه لمواجهة الظلام فازدهرت ثقافة الاستنساخ وعبأت زوايا ومنحنيات دكاكينه كتب منعها من الرواج تجار الغباء وبائعو أمراض الدناءة والخسة.
كل ما عرف عن تأريخ شارع المتنبي…. قد أنبلج أسماً مورقاً برنين صاخب مثل همس العشاق عند حواف عام 1932 فاستقر تتجاذبه سنوات ألق براق وسنوات ممحلات يجدب فيها ويجف ضرعه من خوف ولكنه بقي برعماً دافقاً يورق في اشد الأيام كلحة وأسودادا. .

لمرات عديدة تتهيبه الغربان فتدس في صدره جمرة لؤمها. في كل مرة يكمم فمه وتطوق أذرعه ويمنع من أن يكون غير دكان من دكاكينها يبيع بضاعتها الرديئة. ولكنه ينهض، يبعث من جديد، يرفض أن يكون سوقا عاديا ببضاعة فاسدة.
لا نريد النواح ولن ننبش الماضي ومن اجل أن ترد للثقافة قيمتها الحقيقية وتطلق حماماتها بعيدا عن أقفاص وسجون، لتكن مصيبة شارع المتنبي بمراراتها المتكررة والمعادة دائما مع الطغاة، قضية الجميع، قضية المثقف العراقي أينما كان. أن يكون الحدث هزة يعلن بعدها الوقوف في وجه العماء السياسي والاجتماعي و قبل ذلك الثقافي. أن تكون قضية شارع المتنبي إحدى مهام الدفاع عن الثقافة الحرة والمعرفة وتنوع مصادرها. أن يتخذ الشارع طابع الدعاوى الكبرى بالضد ممن يريد أن يحيله الى كهف مظلم تتناسل فيه روح عهود الانحطاط. لكي لا يطمر ويندرس مثل بناية فائضة عن الحاجة هدها السوس وأكلت حجرها الريح.