الرئيسية » مقالات » هل أن تنظيم القاعدة أو الوحش الإرهابي ثمرة الجينات الثقافية؟

هل أن تنظيم القاعدة أو الوحش الإرهابي ثمرة الجينات الثقافية؟

من المؤكد بأن الذي يدّعي التطابق مع الهوية الثابتة لا يمارس إلا زيف وجودي و تهويم عقائدي، لأنه‌ بات في سلعه و أدواته أو في لغته و مفردات وجوده، بمعنی من المعاني أوروبي، أمريكي أو ياباني أو شرق أوسطي.
ومن المعلوم بأن الهوية الثقافية تتغير و تتحول بفعل صروف الزمن و بحكم التفاعل مع الحضارات السابقة و ديمومتها، منها الحضارة الفارسية، الهندية، الصينية و اليونانية. أما التفاعل مع الديانات التوحيدية كاليهودية والمسيحية، التي إنشق عنها الإسلام و حاول نسخها أو تطويرها، فله تأثير كبير علی تلك الهوية.
فمن لا يحسن أن يتغير بالرغم من الفرص المتاحة له، فسوف تهمشه التحولات، فيغدو هو آلة لها أو يزداد تبعيته للغير، وهكذا يهدر موارده و ينخرط في دعوات مستحيلة مآلها الهلاك والدمار.
تنظيم القاعدة، أو ما يسمی بالوحش الإرهابي، الذي يجد مسوغاته في ثنائية الإيمان والإلحاد أو في عقلية التكفير، التي تقسّم الناس بين مؤمن يراعی حقوقه و يحترم و غير مؤمن يرفض و يقصی لكي يدان و يتهم، يفاجئنا من حيث لا نحتسب، هو نتاج العقول و ثمرات الأفكار.
تربية هذا التنين و رعايته كانت و لا تزال في العقول والنفوس، سوقت من قبل الصحافة والشاشة و الديسكتوب بعقائد و مقدسات و شرائع و فتاوی و بهويات عنصرية و إستراتيجيات أصولية مبنية علی الإستبعاد والإستئصال.
فقبل أيام سمعنا بأن تنظيم القاعدة يستعد بتوجيه من “أبي بكر البغدادي”، رئيس عصابة الأشرار، لتنفيذ “أكبر” عملية إرهابية له منذ عام 2003 في العراق، بعد طلبه التمويل من جميع مصادره في الخارج وكثف عمليات جمع التمويل بالداخل. وكأن العراق قد عاش طيلة السنوات السابقة بعيداً عن الإرهاب الحروب والدمار.
أبو بكر البغدادي و غيره من المجرمين، الذين أعلنوا حربهم ضد الإنسانية و الحضارة و التعايش السلمي، بعد أن تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء، هم من صنع الدعاة الجدد الذين إحتلوا المنابر والشاشات منذ أكثر من ربع قرن، تحت لافتات الحكومات الشرعية و الصفات اللاهوتية والمهمات الإلهية، وهم ثمار المفسرين المشعوذين، الذين يزعمون دوماً، بأن التجارب والأبحاث العلمية في ميادين العلم من المبادیء والنظريات، لا تعطي بالجديد، لأن كتاب الله ينطوي علی العلم بكل شيء. وهم ثمار الأبله الثقافي، الذي سلّم أوراقه و شهاداته الی مرجعه أو شيخه أو أميره، الذي يختم علی عقله و يعمل علی قولبته، لكي يخلق و يمارس بعملياته الإرهابية سيناريوهارت الأكثر همجية و وحشية. وهو من جين ثقافة الأصولي الإرهابي الذي يدعي إنقاذ أمة العراق والعالم الإسلامي بالعودة الی أنماط ونماذج بائدة يستحيل تطبيقها إلا بزرع الرعب و زعزعة الأمن و سفك الدماء و تدمير معالم الحضارة والعمران.
ما النفع من تشكيل لجنة أمنية لملاحقة مجاميع مسلحة بأمر من القائد العام للقوات المسلحة، إن لم نسعی مخلصين إلی تطبيق بنود الدستور خدمة للعراق الفدرالي و نحل كافة القضايا العالقة بيننا بأسلوب ديمقراطي و حضاري محترمين بعملنا هذا صوت الفرد العراقي الذي إنتخب هذه الحكومة و جعل من أمرها ممكناً. فمكافحة الإرهاب لا تجدي بأن نردد أقوالاً حول العقول المغلقة، أو تقديس التراث، فيما نحن نتمسك بجذر المشكلة و نمانع من كشف الغطاء عن الداء، كما يتجسم في النصوص والأوامر والأحكام والفرائض التي نعتبرها منزلة أو مقدسة أو نهائية. التمسك بنصوص و أحكام من غير معرفة مدی تداعياتها و مفاعيلها السلبية أو المدمرة هو أساس المشكلة لايمكن وصفها بالحل.
تنظيم القاعدة أو الوحش الإرهابي هو إذن ثمرة الأوامر الدينية و الحكومات الدينية و المرجعيات الغيبية و الشعارات الأحادية و الثوابت الأبدية، و سوی ذلك من المشاريع الشمولية، التي يدعي أصحابها إمتلاك مفاتيح الحقيقية المطلقة، لممارسة الوكالة الحصرية علی الهويات والقضايا المصيرية. و هو ثمرة السعي لأسلمة الحياة والثقافة، بذريعة الإدعاء بامتلاك الشرائع الدينية الأجوبة الشافية والنهائية علی كل شؤون الحياة المعاصرة و قضاياها و مشاكلها.
إن بناء العلاقة بالحقيقة علی أساس الحجب والتعتيم تجعل علاقاتنا بالعدالة تبنی علی الفحشاء والمنكر والفساد، و تجعل علاقاتنا بالحرية مبنية علی المفاضلة و الإستبعاد والطعن والإنتهاك.
و سوف تظل محاولات التقريب والحوار غير ناجحة طالما هناك مفردات كالشرك والكفر أوالبدعة والضلالة، التي هي أخطر من أسلحة الدمار الشامل، تشكل صلب العقيدة والعدسة التي من خلالها يری الواحد الی غيره، لكي يدينه و ينزّه نفسه و يؤول العمل بموجب ثنائية الضال والمهتدي أو المحق والمخطیء والتشبث والإحتماء بالهويات المسيجة والسيادات المصطنعة الی خلق الخداع والضلال و تقلص الأمور الجامعة والمساحات المشتركة من القيم والمعايير والقواعد أو من اللغات والتوسطات والأدوات.
الأنظمة المبنية أساساً علی الخطأ والخلل أو إعتقادات و تصورات و قناعات و سياسات قد إستنفدت نفسها، لا تولد سوی المساویء والمخاطر والكوارث، فلنبدأ بنقد ذواتنا و نتحدث عن أخطاءنا بشفافية لكي نستطيع أن نولّد تغييرات إيجابية، ولو محدودة و خجولة، علی صعيد الحقوق والحريات الديمقراطية؟
وختاماً: “النسبية والإختلاف، هو الذي يفتح الإمكان أمام محاولات التقريب والإتفاق، بعقلية الشراكة الفعالة والبناءة، بما هي محاورة و محاججة أو مداولة و مواكلة أو مبادلة ومعاونة”