الرئيسية » مقالات » التلوث البيئي في العراق .. الى أين ؟

التلوث البيئي في العراق .. الى أين ؟

وانت تنطلق ، في الساعة الخامسة والنصف صباحاً ، لمحل عملك في بغداد ، يترآءى أمامك أفق المدينة الأسود .. فهناك طبقة سوداء “مؤلمة” تغلف أجواء المدينة بفعل ما تم إطلاقه من كاربون مشبع بالدقائق الصلبة لليل البارحة وما قبلها من المولدات الأهلية التي يبلغ عددها في العراق 32 ألف مولدة مابين الأهلية والحكومية ، ثلثها في بغداد إذ يبلغ عددها الـ 10 آلاف مولدة تستهلك ما يقارب الـ 66 مليون لتر من الكاز بمعدل مليونا لتر يومياً ، مع هذا الكم الهائل من السيارات التي تعمل بالوقود ( البنزين والكاز ) والتي يقدر عددها بمئآت الآلاف .
هذه الهالة السوداء تتكون في أغلب الأحيان من ثاني أوكسيد الكاربون المنطلق من تلك المولدات والتلوث الأشعاعي الناتج عن القذائف المشبعة باليورانيوم المنضب والتي أنطلقت منها الآلاف ابان حرب”تحرير” العراق في سمائه .. وتلوث الأرض بها وقد تسرب الكثير منها الى التربة .. الكثير من علامات التلوث الغير منظورة لازالت تفعل فعلها في جسد الأنسان العراق .. وقد تكون السبب في تغير الكثير حتى من سلوكياتنا اليومية بفعل التأثيرات الكيمياوية الناتجة عنها .
كل تلك العوامل ، وغيرها ، تسببت في صعوبة التنفس للكثيرين ممن يزوروا العراق بعد غياب طويل من إعتيادهم على أجواء غير اجواءنا حيث يتسبب لهم تنفس الهواء العراقي بنوع من الحرقة والغصة في البلعوم لأول مرة وهم يطأون أرض الوطن إلا أنهم وبمرور الوقت يعتادون على الأمر بعد تشبع أجسامهم مثلما تشبعت أجسامنا ولم نعد نأبه لهذا التلوث .. إلا
إن الباحثين يجمعون اليوم على التأثيرات الفايسلوجية للتلوث البيئي على طبيعة الشعوب ، فالمواد المهيجة التي تسبب الألتهابات في الأسطح المخاطية والتي يجعل منها التلوث عرضة للأصابة بالسرطان ، والمواد الخانقة كتلك التي تتسبب في منع وصول الكمية اللازمة من الأوكسجين للخلايا العصبية والخلايا المكون الأخرى ، والمواد المخدرة كالمواد الكربوهيدروجينية والكحولية والتي تتسبب في ضعف وكساد المجموع العصبي المركزي في المخ ، ناهيك سميات الأعصاب مثل ثاني كبريتوز الكربون والكحول الميثيلي.
لقد تسبب التلوث البيئي ، إضافة الى العوامل الأخرى ، في إحداث تغيرات كبيرة تخفى الكثيرين منا والأدهى من ذلك أننا لا نمتلك سياسة واضحة في إيجاد المعالجات الجذرية لهذا التلوث القاتل، فمع “التلوث السياسي” الذي يمر به العراق اليوم ، يتحدث الجميع لدينا عن التلوث البيئي ونتائجه المؤلمة على ابناء شعبنا والأكثر منهم من يتعالى كلامه عن مدى التأثيرات التي لايمكن إحصائها على أطفالنا ولكن ما من أحد وضع لها الحلول الخاصة بالمعالجة ولا تتوفر ، على حد علمي ، ستراتيجية واضحة المعالم لمعالجتها وفقاً لأحدث الأساليب العالمية بالخصوص .. فكل ما يحدث لا يمثل إلا دعاية إعلامية لهذا وذاك والمزايدة على حساب صحة الفرد العراقي التي نرى انها في تناقص بعد أن سجلت الدراسات العالمية وجود تناقص في معدل أعمار العراقيين .. كان التلوث والمرض والفقر أحد أهم اسبابها.
اليوم ، العالم يحارب التلوث مثلما يحارب الفقر ويحارب نقص التعليم ويحارب الأرهاب حتى .. وتعقد الأتفاقيات الدولية لمكافحة التلوث .. إلا إننا وفي غمار حربنا الكبرى على واقعنا المتهريء ليست لنا الأسلحة الحقيقية لمكافحة التلوث والتي تتمثل في عناصر أهمها توفر الرؤية الحقيقية ووضوح الأهداف ويُسر الوسائل المتاحة كالموارد البشرية والموارد المادية .
نحن بحاجة الى ورقة عمل كبرى وخارطة طريق واضح المعالم يتبناها مجلس الوزراء ممثلاً بوزارة البيئة لذلك ،على الرغم من الجهود التي تبذلها في الوقت الحاضر إلا إن محددات كثيرة تحول دون قيامها بواجباتها على أتم وجه .. والتي أهمها أن توفر الكهرباء مركزياً عن طريق المولدات البعيدة عن المدن والبحث عن مصادر الطاقة البديلة ووضع القوانين اللازمة لمنع العجلات أن تسير بالشارع قبل إجراء فحص سنوي لمستويات الغازات الناتجة من عوادمها وتحسين المنتج المحلي البنزين بدرجة نقاء أعلى وبلا رصاص .. لأن الرصاص .. لا زال يطلق على أجسادنا !