الرئيسية » مقالات » استحوا على شيبتكم

استحوا على شيبتكم

كم عدد المرات التي قال فيها المالكي ان الإرهاب قد انتهى في العراق، وان ما تبقى هو خلايا تدعمها دول أجنبية؟ وكم عدد من قالها من قادة قوات اقتحام النوادي الاجتماعية وأبطال إذلال الناس البسطاء من اصحاب “الجنابر” ورواد “المساطر”؟ ما سمعتها منه او منهم الا ونبهت من حولي ان قول الحاج هذا لا يختلف عن قول بائع خضرة يقول لزبائنه، اي “معاميله”، ان الطماطة المحلية خلصت وما عندي غير المستوردة.
يا عم هي الطماطة طماطة ان كانت محلية او مستوردة. نعم ان الطعم قد يختلف، لان رائحة ارضنا وملوحتها أطيب في افواهنا، لكنه في حالة الإرهاب يظل نفسه محليا كان ام مستوردا. ثم أتساءل: ان كان الإرهاب قد انتهى وعدد قتلانا، وليس جرحانا، في الأيام العشرة الأوائل من أيلول فقط قد بلغ 140 قتيلا من المدنيين، فكم سيكون عددهم لو ان الإرهاب المحلي لم ينته بعد؟ اذكّر بان هذا العدد هو من المسجلين الذين لم تستطع قوات المالكي اخفاء أسماءهم. وما خفي أعظم.
الهي، انك تعلم كرهي لمتابعة الأخبار بعد أي يوم دام يمر على العراق، رغم ان ايام العراق كلها دامية. لكن يظل بعضها اشد دموية من غيره، مثل الأحد الفائت. اكره متابعتها كي لا أتخيل عدد العائلات المنكوبة، والأمهات الثكلى، والزوجات الأرامل، والأطفال اليتامى والبيوت المهدمة. لقد كبرت وتعبت فلم يبق لي قلب يطيق حمل هكذا فواجع يومية:
يا كتر بالدلال خالي من العيوب
وبيا مجان يصير جرح اليجي النوب
هجرت الأخبار واكتفيت بفتح ايميلي وصفحتي على الفيسبوك فقد يكون فيهما ما يستوجب الرد. فتحت الفيسبوك فوجدت في اوله صديقي الاعلامي كريم بدر الحمداني يصرخ: ذبحتونا! يا ساتر يا ابا ياسر. هممت بالاتصال به هاتفيا لأتبين السر، وفي الاثناء قرأت سطوره القليلة فعرفت السبب وبطل العجب. الحمداني لم يعد يتحمل كذب الحكومة وضحكها علينا وهو يرى بعينيه دماء العراقيين تراق كل يوم. أغرب ما استوقفني هو انه ناشد الناطق ان يرفع اسمه من قائمة اصدقائه مع نشر صورة للدباغ وهو يضحك للهوه. وليش ما يضحك يا كريم؟ وهل تظن انه سيتألم لو شطبك او شطب العراق كله من قائمته؟
تركت كل شيء، حتى كدت انسي هم فاجعة الأحد، وركزت على صورة الناطق الضاحك لعلّي اجد سببا لضحكته، لكن شعره المدبّغ بالأسود الفاحم شتت تفكيري. ولأن الصفحة لم تخل من صورة للمالكي لاحظت ان شعره، هو الآخر، اسود مثل شعر ناطقه. سبحان الخالق الناطق. أهؤلاء لا تشيب شعورهم؟ لعد احنه شبينه؟ اتذكّر اني كتبت يوما عن إحالة المستشار شرودر للمحاكمة بتهمة صبغ شعره. واتذكر انه حينما ثبتت براءته قال ان “أي شخص يلمح إلى أني أصبغ شعري، سيلمح إلى أنني أكذب”. الكذب هو اخفاء الحقيقة ومن يغير لون شعره من الأبيض الى الأسود سيكون كذابا. ترى ماذا سيكون شكل الحاكم لو طاح صبغه؟
كم اتمنى ان يجيبني الحاكم او السياسي لماذا يصبغ شعره وهو بهذا العمر وقد يكون لديه أحفاد وأبناء أحفاد؟ هل سيقول الدبّاغون والصابغون شعورهم بالأسود انهم فعلوها حزنا على ضحايا الارهاب؟ أم الحقيقة هي انهم اخفوا شيياتهم حتى لا نقول لهم، بعد ان نهبوا البلاد وعاثوا فيها فسادا وجعلوها مرتعا للقتلة والسفاحين ونشروا بها الفقر والبطالة والتخلف: استحوا على شيباتكم؟