الرئيسية » مقالات » كراسينا وكراسيهم

كراسينا وكراسيهم

كم هي مثيرة تلك المقاعد الوثيرة التي تنعَّم بها المسئولون في العراق والتي تختلف أختلافاً كلياً عن تلك التي تقتنيها السياسيون وأصحاب الفخامات والمعالي في كافة بلدان العالم ، ففي العراق يجلسون عليها منتفخي الصدور واضعي أيديهم على مساندها لتلتقط لهم الصور على أنواعها وعلى اختلاف أوضاع الجلوس والتي من أهما الصورة الجانبية بزاوية 45 درجة مع حركة اليدين وكأنه يلقي خطبة في العالم أجمع ليحل مشاكل العراق الذي أوشك على الأنتحار من فرط ما يعانيه من ظلم وأستهتار بمقدراته وشعبه .. تراهم يتصنعون كاريزما القادة الكبار العظام وهي ذاتها تلك الصور التي كانت تلتقط لصدام حسين أبان العهد المباد مشحونة بالعنجهية والتكبر وحب الاستعلاء والجبروت والمنعة .. وكأنهم نسوا أنهم ليسوا في منعة من أمر الله الذي سيطولهم يوماً ما .. لقد بدأنا نشعر أنهم مهووسون بذلك من خلال أطقم الجلوس التي يقتنونها .. تلك التي تحتوي على الفخامة أكثر مما في عقولهم والمذهبة والملونة والمزكرشة بجهالة كبيرة وبدون حس فني وهي لا تجذب اليها إلا أولئك الذين يحبون الظهور ورسم الصور المغشوشة عن الكبرياء والجبروت وهي بذاتها التي كان صدام حسين ينتشي بالجلوس عليها وتدور على وجهه “فلاشات” الكاميرات التي تنقل صوره للشعب البائس فتراه في قمة بؤسنا وتشردنا وأمراضنا وعوزنا يبرق وجهه ويشع منه لهيب النار التي صلت جلودنا .

لقد أغرتهم تلك الكراسي وأملت عليهم ما يتفوهون به وطريقة كلامهم وحتى تصرفاتهم اليومية وكأنها تمتلك سحراً وقابلية كبيرة على أبهار تلك النفوس الضعيفة التي تعتليها فتحولها الى نفوس ماردة شيطانية جوفاء العقل إلا من لبس جنوني بنهب البلد وأغناء خزائنهم بحرقة أكبادنا على فلذاتها .. يوم بعد يوم تكبر كراسينا وتتضخم وتصغر عقول جالسيها .. ويوم بعد يوم يكبر هواى نفوسها وتنفخ في عقولهم شياطين الأنس والجن وتتوسع مديات الحرام فيها لتحصرعلى جدران جماجمهم أمالنا بأن الغد سيكون أفضل والكثير منهم اليوم يتحدثون ، بعد طول مخاض وعسرة ، عن إعادة الانتخابات البرلمانية أو إعادة تشكيل الحكومية ليعودوا بنا الى المربع الأسود الأول ! وأولئك جميعهم غير قادرين على مليء تلك الكراسي بوطنيتهم وحبهم للوطن بعدما ملؤها بأحجام أجسادهم .. وطبعاً نحن سنبقى هكذا دائماً نعود ونعود على أعقابنا فما من قائد يشفع لهذا الوطن بأن يقوده على الطرق المحفوفة بالمخاطر .. قائد ينسى أمر الكرسي ويفكر كثيراً بأمر الأمة التي كادت تأزمها الأوضاع التي تتقلب بها كل يوم هؤلاء هم قادتنا الذي يلهثون وراء الكراسي .

أما كراسيهم .. فسياسوا وقادة العالم المتحضر لم يعد يأبهوا لشكل الكرسي الذي يجلس عليه بل يفكر كثيراً فيما سيقدمه لمجتمعة وتأريخه ولإنسانيته إذا ما جلس عليه فترى الكراسي هي التي تتهافت وراءهم بحثاً عن من يليق بها بعدما انحسرت لديهم موجة المنتفعين بل أنتهت والى الأبد فرصة إعتلاء الانتهازيين لتلك الكراسي الأنيقة البسيطة التي تدل على أن الحكومات ليست بكراسيها وإنما بما تقدمه تلك الكراسي من جلسة مريحة لرجل أستحق الجلوس عليها عندما يبرأ ذمته من كل إنسان في مجتمعه ولم يعد يدين لشعبه بشيء بعدما ارتقى بالشعب الى مصاف الدول العظمى بأمانة وحسن تدبير وبفعل عدم اكتراثهم لأشكال كراسيهم وأنواع فراءها .. فالويل كل الويل من كراسينا ومن يجلس عليها .