الرئيسية » شؤون كوردستانية » عشر وصايا لساسة الكرد.. الوصية السادسة

عشر وصايا لساسة الكرد.. الوصية السادسة

تقوم وحدة الأمة ومكانتها في التاريخ على ركنين هما: الثقافة والسياسة، وعندما يختلّ أحدهما ويتعطّل دوره لا يمكن للآخر أن يقوم بالعبء وحده. وقد ركّز الفيلسوف الألماني إيمانويل كانْت فلسفته على قاعدتين هما: العقل النظري، والعقل العملي. ونستعير منه هذين المصطلحين، فنقول:

1 – الثقافة هي العقل النظري للأمة: إنها العقل الذي يتعامل مع المعلومات، ينتخبها ويخزّنها ويحللها ويقوّمها، وينتج المعرفة بكافة أشكالها، وهو العقل الذي يطوّر القيم والمبادئ ويرسم الطريق إلى السلوكيات القويمة، ولذا فالمثقفون- وخاصة الروّاد سواء أكانوا فلاسفة أم علماء أم أدباء- هم دماغ الأمة وعقلها الجمعي، وبفضلهم تصبح الأمم متوحّدة ومتحضّرة ومزدهرة ومستقرة وقوية وسعيدة.
2 – السياسة هي العقل العملي للأمة: إنها العقل الذي يصنع المُناخ المناسب للثقافة كي تُبدع، ويُمَأْسِس عملية إنتاج المعرفة، وعملية تعميم المعرفة، وعملية تقييم المعرفة، وعملية توظيف المعرفة، وتحويلها إلى خطط وبرامج وحقائق موجودة على أرض الواقع، يستقي منها كل فرد، ويتربّى عليها وينتفع بها، وأيضاً هو العقل الذي يُمَأسِس القيم والمبادئ الأخلاقية، ويشرف على الالتزام بها.
جدلية الثقافة والسياسة:
تُرى ما سرّ قوة الغرب (أوربا وأمريكا) وريادته الحضارية؟ إن اثنين ربما من كل عشرة آلاف شخص هما اللذان يقفان وراء تلك القوة والريادة، هما (المثقف) و(السياسي)، وبالمقابل إذا دققنا النظر في تخلّف الشرق الأوسط عن ركب الحضارة، وفي هذه الصراعات المستمرة والتذابح المتوحّش، لوجدنا (المثقف) و(السياسي) هما اللذان يقفان وراءها، إنهما يعمّمان في المجتمع الفكرَ الخُرافي، الفكرَ الإقصائي، الفكرَ الذي يزرع روح القطيع وثقافة العبودية، وينمّي غرائز الضغينة والبطش والانتقام.
إن الأمم التي صنعت الأمجاد قديماً وحديثاً، وأنجزت الحضارة وحققت التقدم والازدهار، هي الأمم التي توثّقت فيها العلاقة بين (المثقف) و(السياسي)؛ الأول وهب نفسه للثقافة فأبدع وأنتج، والثاني مَأْسس وخطّط وبرمج ووظّف وعمّم، وكم كان الإسكندر المكدوني ذكياً حينما قال لأستاذه الفيلسوف اليوناني أرسطو: ” لا أزال أفضّل أن تكون لي قوة العلم لا قوة السلاح”، وهو القائل أيضاً: “إن أبي هو الذي وهبني الحياة، لكن أرسطو هو الذي علّمني كيف أحيا”. وكم كان نابليون فَطِناً حينما قال للعالم الفيزيائي والرياضي غاسبار مونج وهو يقلّده الوسام سنة (1803م):” إنني أحسدكم معشرَ العلماء، فكم يجب أن تكونوا سعداء! لأنكم وصلتم إلى المجد دون أن تلطّخوا خلودكم بالدم”.
ولا يخفى أن الأمة الكردية تعيش- منذ 25 قرناً- حالة غريبة، قياساً بالأمم الأخرى، وكان من المفروض أن تجتاز هذه الحالة في القرن العشرين، لكنها أخفقت، ولم تحقق سوى منجزات قومية ضئيلة؛ قياساً بسرعة المتغيرات الثقافية والسياسية المعاصرة، ولا نعتقد أن ثمة كردياً أصيلاً وغيوراً إلا ويجد نفسه أمام هذا السؤال الكبير: لماذا كانت هذه الحالة الغريبة؟ ونعتقد أن الجواب الذي قد يتفق عليه الجميع، هو أن السبب الأكبر وراء ظهور هذه الحالة الغريبة واستمرارها هو افتقارنا إلى (الوحدة)، وحدة الرؤية القومية، وحدة الموقف القومي، وحدة القرار القومي، وحدة الفعل القومي.
وهذا يجرنا إلى سؤال آخر: لماذا نفتقر إلى وحدة الرؤية، ووحدة الموقف، ووحدة الفعل؟
نعتقد أن السبب هو افتقارنا إلى (وحدة الوعي القومي)، إن احتلال وطننا طوال 25 قرناً، ووقوعنا في قبضة المشاريع الشوفينية، ومعاناتنا من سطوة الأنظمة الفاشية المتوحّشة، لم تمزّق وطننا فقط، بل دمّرت أيضاً مرجعيتنا القومية، ومزّقتنا ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، واخترقت شخصيتنا القومية فشوّهتها، وأحدثت الخلل في منظومتنا القِيَمية، إضافة إلى رمْينا بين فكّي الفقر، وتعميم الجهل بيننا، وتهميشنا حضارياً، وباختصار: إنهم شوّهوا إنسانيتنا، وهذا أسوأ ما يرتكبه المحتلون والشوفينيون في حق الأمم.
إن جميع ما سبق تفاعل طوال 25 قرناً، وأدّى إلى وجود خلل كبير في وعينا القومي، نحن منذ قرون لم نعد أمة (متجانسة قومياً) بالمعنى الدقيق لهذه العبارة، لقد أفلح المحتلون في تشطير وعينا وتمزيقه، تلك هي الحقيقة، وينبغي أن نقرّ بها، ونتعامل معها بفكر علمي، إن جذورنا الضاربة في عمق التاريخ، منذ عهد حضارة گوزانا حوالي (5000 ق.م)، وصلابة شخصيتنا وعنادنا، ووعورة جبالنا، وأمتنا الولود، هي التي مكّنتنا من عبور هذه القرون الخمسة والعشرين الجهنمية ونحن نعرف أننا (كرد)، وأننا (أمة)، وأن لنا وطناً اسمه (كردستان)، ولولا ذلك لكنا انمسخنا وانصهرنا وانتهينا إلى الأبد.
إن مهمّتنا الأساسية الآن هي إنقاذ إنسانيتنا من قبضة التسفّل والانمساخ، وتطهير شخصيتنا القومية من ثقافة العبودية، وإحياء قيَمنا القومية، وتأسيس مرجعيتنا القومية، ولتحقيق هذه المنجزات المهمة جداً بحن بحاجة إلى (وعي قومي متجانس)، وعي تتحقق في إطاره وحدة الرؤية، ووحدة الموقف، ووحدة القرار، ووحدة الفعل، ولا يمكن تحقيق (وعي قومي متجانس) إلا بالتفاعل والتكامل بين (المثقف) صانع العقل النظري، و(السياسي) صانع العقل العملي، وإن التشتّت الغالب على مواقفنا إزاء الأحداث، لهو أكبر دليل على وجود خلل كبير في العلاقة بين (المثقف الكردي) و(السياسي الكردي).
المثقف قوة عظمى:
وبما أن خطابنا الآن موجّه إلى الساسة خاصة- ولعلنا نوجّهه ذات يوم إلى المثقفين أيضاً- فإننا نناشدهم أن يعيروا مسألة (دور المثقف) في مسيرتنا التحررية قدراً كبيراً من الاهتمام الجادّ، إن أمة تركّز فقط على الحراك السياسي، وتهمل الحراك الثقافي (المعرفي)، لهي أمة تفكر بنصف عقل، وتمشي بقدم واحدة، وفي هذا المجال نقدّم لساستنا المحترمين المقترحات الآتية:
أولاً- شجّعوا المثقفين على الارتقاء: حثّوهم على التخصص والتعمق في أحد فروع المعرفة (تاريخ وآثار، علوم سياسية، علوم عسكرية، علم اجتماع، علوم اقتصادية، علم نفس، أدب، إلخ)، من خلال مطالبتهم بالكتابة في موضوعات ذات صلة بأحد تلك المجالات، ومن خلال طرح التساؤلات عليهم، ووضعهم أمام المعضلات التي تواجه الأمة، وحثّهم على البحث عن الإجابات والحلول.
ثانياً – وظّفوا طاقات المثقفين: وذلك من خلال الاستعانة بهم في اتخاذ القرارات، ووضع الخطط والبرامج، وها أنتم ترون أن ساسة الدول المتقدمة خاصة يستعينون بمثقفي شعوبهم في مختلف التخصصات، حينما يريدون الإقدام على اتخاذ أيّ قرار داخلياً وخارجياً، إنهم يسعون إلى توظيف (العقل الجمعي) ومخزون الأمة المعرفي، ألسنا نحن أيضاً أَوْلى بأن نفعل ذلك؟
ثالثاً – كرّموا المثقفين: وخاصة المبرِّزين والناشطين منهم، ولْيكن ذلك بحضور جماهيري يليق بهم، مع تقديم هدايا رمزية لهم (أوسمة، شهادات، كتاب، إلخ)، إن تصرفاً كهذا يدفع المثقف المكرَّم إلى مزيد من الالتزام والنشاط، كما أنه يخلق الدافعية إلى العمل المعرفي عند الآخرين، ويرسّخ في جماهيرنا تقاليد حضارية رائعة بخصوص احترام المثقف والاهتمام بالثقافة.
رابعاً – افتحوا النوافذ للمثقفين: إن مثقفاً منفصلاً عن الجماهير لا يمكن أن يبدع، فدعوهم يتواصلوا مع الجماهير بشكل منتظَم، كلٌّ حسب تخصصه، وأتيحوا لهم الفرصة كي يقوموا بدورهم في تقديم المعلومات وتعميم المعرفة، وتطوير الوعي الجماهيري، والتهيئة للوصول في النهاية إلى تحقيق (وعي قومي متجانس).
خامساً – اطبعوا للمثقفين نتاجاتهم: وهذه واحدة من أكبر الثغرات لدى أحزابنا في التعامل مع المثقف، فما المانع من أن يُختار كل مرة نتاجٌ قيّم لأحد المثقفين، في الفكر، أو العلوم، أو الأدب، أو التاريخ، إلخ، وطباعته ونشره بين الجماهير بسعر الكلفة، ودعم المثقف ببعض المال إذا كانت حالته الاقتصادية ضعيفة- وهي في الغالب كذلك؟ بذلك يتحقق أكثر من هدف: نشجّع المثقف على الإنتاج الأفضل، ونبني جسور التواصل بينه وبين الجماهير، ونرتقي بمستوى جماهيرنا معرفياً.
سادساً – أطلقوا ألسنة المثقفين وأقلامهم: أجل، حذارِ من تدجينهم أو تقريعهم، فالأمم لا تتطور ولا تتقدّم إلا في مناخ يسوده النقد البنّاء، وإن الأمم التي تخاف من مثقفيها، وتَحجر عليهم وتهمّشهم، لهي أمم تحكم على نفسها بالتخلف، لذا دعوا المثقفين يتكلمون ويكتبون، ما داموا منطلقين من الالتزام بهموم الأمة، وهل ثمة همّ أكبر من توعية الجماهير، والارتقاء بمستواها المعرفي، تمهيداً لتوحيد الأمة، والتحرر من الاحتلالات؟
سابعاً – اتركوا المثقفين مُلكاً للأمة: دعوهم على الحياد، ولْيكونوا مُلكاً للجماهير، وليس من الصواب مضايقتهم و(كشّهم) إلى حظيرة هذا الحزب أو ذاك، فكل تحزّب يتضمّن في صميمه قدراً من التعصّب، وأحياناً يكون تعصباً أعمى، كما هي الحال عند كثيرين من أتباع الأديان والمذاهب، وكيف يمكن لمثقف متحزّب أن يكون (عقل الأمة) ومرشدها؟
يا ساستنا الأعزّاء! ثمة حكمة صينية تقول: ” إنك لا تستطيع أن تحكم شعباً من فوق صهوة جوادك طويلاً”، وقال بوذا: ” الحقيقة تقنع الناس، لا القوة”، فاعملوا كي تكون (قوة المعرفة) هي الرائدة والسائدة بين جماهيرنا، إن قوة المعرفة هي (القوة العظمى)، وبها يقوى الضعيف، ويتحرر المستعمَر، ويتحضّر المتخلِّف، والمثقفون هم صنّاع هذه القوة العظمى، بل هم أنفسهم (قوة عظمى)، فكونوا رعاتها وحماتها، وهل من سبيل إلى ذلك إلا بتمكين المثقف من مكانه الطبيعي في قيادة الأمة؟
وإلى اللقاء في الوصية السابعة.

د. أحمد محمود الخليل
dralkhalil@hotmail.com
28 – 7 – 2012