الرئيسية » شؤون كوردستانية » عشر وصايا لساسة الكرد – الوصية الرابعة

عشر وصايا لساسة الكرد – الوصية الرابعة

لم أجد في تاريخ الشرق الأوسط شعباً معرّضاً على الدوام لأسوأ الأخطار أكثر من لكردي، ولم أجد في تاريخ الشرق الأوسط ساسة منشغلين بالصراعات البينية أكثر من ساسة الكرد، إن هذه الحالة المرضية المزمنة باتت تفتك بالشخصية الكردية فتكاً، فتدمّر مرتكزات الثقة بالإرادة القومية، وترسّخ الشعور باليأس، وتعطّل العقل القومي في مواجهة الأحداث، وتبدّد جهود الأمة خارج ساحات الكفاح، وتزرع في اللاشعور القومي مسلَّمة تتلخص في أن (الفرقة هي القاعدة، والوحدة هي الشذوذ).

وصحيح أن الأمة الكردية ضحية مؤامرات قوى الاستعمار إقليمياً ودولياً، لكن المسلَّمة التي رسّخها ساستنا في تاريخنا- (الفرقة هي القاعدة، والوحدة هي الشذوذ)- وجعلوها خبزاً يومياً لنا، أنزلت بنا من الكوارث ما عجز عنه المحتلون، وأخطر ما في الأمر أن هذا النهج الشاذ يعطّل الخصائص الإيجابية في شخصيتنا القومية، كنا أمة فعّالة تصنع التاريخ، فحوّلتنا تلك المسلَّمة إلى أمة منفعلة، أمة صدى للآخر، وكنا أمة رائدة في مقارعة القهر والطغاة، فحوّلتنا تلك المسلَّمة إلى أمة انتهازية، أمة مستجدية.

وأعلم أن هذا الكلام قد يُغضب كثيرين، لكن الأمة التي تهرب من الحقائق، وتتجنّب مواجهة الذات، هي أمة حكمت على نفسها بأن تبقى تابعاً وذيلاً، وسيكون مصيرها إلى زوال كأمة وإن بقيت كأفراد، وعلى أية حال ليست شهوة أن أكون همّازاً لمّازاً هجّاءً هي التي حملتني على طرق باب هذا الموضوع، وإنما ثمة حقائق أرغمتني على ذلك، وإليكم هذا المثال.

ظل الكرد في الجنوب يقارعون الأنظمة الشوفينية منذ سنة 1922، وقدّموا من الضحايا ما لم تقدّمه أمة في الشرق الأوسط، ومع ذلك عجزوا عن إقامة (إقليم كردستان)، إلا بعد أن غزا صدام حسين الكويت، وكوّنت دول الخليج جبهة عالمية ضده، وتصارع المستعربون- سنة وشيعة- فيما بينهم على السلطة، فانتهز الكرد الفرصة، وخرجوا من الغنيمة بتأسيس إقليم كردستان على نصف الأراضي الكردية، وبإدارات مهمة غير موحَّدة، وتركوا النصف الآخر من الجغرافيا الكردية في ذمة المادة الدستورية (140)، بانتظار أن تمنّ عليهم الظروف بمعجزة أخرى، فيستعيدون النصف الآخر.

والحقيقة أن ما حققه الكرد على هامش الصراع الكويتي- الصدامي، والصراع الشيعي السنّي، هو قصر شامخ مؤسس على الملح، وزخّة مطر مفاجئة كافية لانهياره، وهناك أكثر من زخّة مطر ممكنة، وبعضها على الأبواب، وهي ترعد وتبرق في دعوات الشوفيني مِشعان الجُبوري، فهو يعرف جيداً أن قوة الكرد في العراق ليست ذاتية مئة بالمئة، إنها قوة هشّة ومرتكزة على التناقضات بين المستعربين، ويعرف أن أدنى تفاهم بين الشيعة والسنة كفيل بإفقاد الكرد كثير من أوراقهم السياسية، وإشغالهم بالدفاع عن وجودهم، فضلاً عن المطالبة بكركوك وغيرها من الجغرافيا الكردية المحتلة.

وثمة زخّة مطر أخرى ممكنة، وهي أن يحصل- بمباركة من القوى الكبرى- تفاهم لتقاسم مناطق النفوذ بين السعودية وإيران، فعندئذ ستنقلب خريطة الصرعات رأساً على عقب، وستتحول دعوات التذابح الطائفي، إلى أبواق تصدح بالأخوة العربية الفارسية، والأخوة السنّية الشيعية، والعلاقة الحميمة بين علي وعثمان، وستغيب صرخات (يا لثارت الحسين!)، وسيتحوّل المستعربون السنة والشيعة إلى إخوة في العروبة والدين، وسيصبح إقليم كردستان في مهبّ الريح، أو سيُبقى عليه في وضع (الرجل المريض)، وستتركه القوى الكبرى لمصيره، لأنها أذكى من تترك أسماكاً كبيرة، وتنشغل بسمكة صغيرة.

وإليكم مثالاً آخر، وهو غربي كردستان، فمنذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، وكصدى للثورات الكردية في الجنوب والشمال، تشكلت أحزابنا السياسية، كانت حزباً واحداً، ثم خصّها الله بنعمة التكاثر- ولِم لا؟ فالكرد شعب ولود، وليس من المعقول أن تشذّ أحزابنا عن هذه القاعدة، وأقصى ما طالب به أحزابنا على استحياء – ومن خلال النشرات- هو الحقوق الثقافية، وكان أعظم ما في تلك النشرات هو صدى، وأحياناً صدى للصدى، ومن تحت جناح تلك النشرات، مرّر الشوفينيون في سوريا كل مخطّطات القهر والصهر والتفقير والتهجير، وعندما ثارت الروح الكردية سنة (2004) كان أكبر إنجاز لأحزابنا هو إعادة الروح الكردية الثائرة إلى القمقم ثانية، وإراحة النظام الشوفيني من وجع الرأس.

وظللنا نتسكّع على الهامش، ونكتفي بإصدار النشرات وإطلاق بيانات الاستنكار، والنظام الفاشي يضحك منا في سرّه، ويشكرنا ضمناً على هذا النضال الورقي المهذَّب، إلى أن انطلقت الانتفاضة ضد النظام البعثي في آذار (2011)، وبعبارة أخرى ظللنا ننتظر إلى أن ثار المستعربون بعضهم على بعض، السنيون على العلويين، تماماً كالعراق لكن مع تعكيس الأدوار، ومع ذلك لم تجرأ أحزابنا على ترك موقع الهامش، إلا بعد أن جرجرتهم الحركة الشبابية العفوية إلى الميدان، ورأوا من الأنسب (انتهاز الفرصة)، فأعلنوا أنهم (جزء من الثورة)، وسرعان ما أصبح بعضهم على هامش (المجلس الوطني السوري)، وآخرون على هامش (هيئة التنسيق)، وفريق ثالث على هامش (الجيش الحر)، وصار الجميع يقلد (السيد)، وفي أيام الجُمع نرى العجب من ذلك التقليد البائس، حتى في اللافتات والكلمات والأهازيج.

وبتعبير آخر: مرة أخرى لم نكن في موقف الريادة، ولا من صنّاع الفعل التاريخي، كنا في موقف (الانفعال/الصدى(الانتهاز)، وإذا حدث مستقبلاً أيّ تفاهم بين الفريقين المتصارعين، فسنعود إلى حالنا السابقة، نناضل بنشرات تطييب الخواطر، وبيانات تهدئة المشاعر. لا بل إن الفريقين المتصارعين حتى وهما في قمة التذابح يعلنان جهاراً- ونحن نشكرهم على هذه الصراحة- أنهما للكرد بالمرصاد، ورغم تصريحات أردوغان النارية ضد النظام البعثي، خرج وزير خارجية النظام يقول في مؤتمر صحفي (نحن حريصون على تطبيق بنود اتفاقية أضنه)، وإلى الآن يأبى رجالات النظام من نطق كلمة (إقليم كردستان)، ويصرون على عبارة (شمال العراق).

وأما فريق المعارضة، فصرّح معظم زعمائهم- بدءاً من المالح شيخ الحقوقيين، إلى غليون شيخ الجامعيين، إلى شقفة شيخ الإخوان، إلى البشير شيخ البدو- بأن ليس للكرد سوى حق المواطنة، لا إدارة ذاتية، ولا فيدرالية، ولا كردستان غربية، وتوّجها أحدهم بعبارة (طز في الأكراد!)، وظهر العرعور شيخ السلفيين، هو يهز إصبعه ويقول مهدداً: لن نسمح لكم! لن نسمح لكم! وفهمكم كافي! أي إذا لم تلزموا حدّ (التبعية للسيد) فسأفلّت عليكم قطعان الانتحاريين، وهو مشكور جداً على هذه الصراحة، كي لا يتمترس ساستنا مستقبلاً وراء عبارة (والله ما كنا نتوقع…).

والغريب أنه رغم هذه التصريحات والتهديدات ما زال ساستنا مشغولين بحيازة المكاسب الحزبية، كل منهم يرفع علمه وشعاره على الأماكن، وكأنهم ينجزون فتوحات تاريخية، وذاك يصرح ضد ذاك في الصحف، وآخر يناور ويبيّض صفحة حزبه، ويسوق المساوئ إلى باب دار الحزب الآخر، إنهم يوقّعون الاتفاقيات لحل المشكلات، فتتحول الاتفاقيات نفسها إلى مشكلات جديدة، بحاجة إلى اتفاقيات جديدة لحلها، وبدلاً من أن يُشغلونا بتكوين الرؤية الواحدة والموقف الواحد، يزيدوننا تمزيقاً بالانحياز إلى هذا ضد ذاك، ويزيدوننا في الوقت نفسه غضباً، أليس هذا معيباً في حق شعبنا؟

والكرد في الشمال والشرق ليسوا أفضل حالاً منا، فهم يناضلون منذ قرن، وببركات أحزابهم هناك ظلوا يراوحون في المكان إلى حد كبير، وهم أيضاً بحاجة إلى معجزة تنزل عليهم من فضاء الصراعات البينية في تركيا وإيران، كي تتاح لهم الفرصة- على هامش تلك الصراعات- للفوز بالإدارة الذاتية، لكن المشكلة أن ملالي تركيا الجدد وملالي إيران قد أحكموا الطوق، وهم أذكى من البعثيين في العراق وسوريا، ولذلك فاحتمال نزول المعجزات هناك شبه معدوم على المدى المنظور.

يا ساستنا المحترمين، يعلم الله أننا لسنا هواة كتابة قصص النكد، وأننا نُجلّ من الأعماق كل من ناضل في سبيل كردستان ولو بكلمة، لكن يا إخوتنا الأعزاء، ما هكذا يتمّ تحرير كردستان من قبضة أكثر الشوفينيين توحّشاً وأكثر الفاشيين مكراً ونذالة، وما هكذا تعالَج المشكلة الكردية الأكثر تعقيداً في الشرق الأوسط، إن المطلوب- وبأسرع وقت- هو الانتقال من مواقع الانفعال/الصدى/الانتهاز إلى مواقع الفعل الثوري الحقيقي، ولن يتحقق ذلك وأنتم أسرى النرجسية الحزبية.

يا ساستنا المحترمين، تخلّوا عن المناورات والاتهامات المتبادلة، كفاكم هبوطاً إلى المنحدرات، هذا سلوك مخجل، حلّقوا في الفضاء القومي الرحيب، كونوا شامخين كقمم زاغروس وطوروس وآغري، استلهموا روح الأمة، استلهموا بطولات شهدائنا وحسرات عظمائنا في المنافي وتحت أعواد المشانق، انتظِموا جميعاً في هيئة قومية عليا بقيادة حكماء الكرد وليس بقيادة الأحزاب فقط، ضعوا البرامج والخطط.

وابدأوا صناعة التاريخ.

وإلى اللقاء في الوصية الخامسة.

24 – 7 – 2012